لدغات عقارب الساعه

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2011

"الكتاب ده من النوع اللى يسخن معاك كل ما تقلب و تغوّط فى صفحاته......أنا عارف إنها جمله غير نقديه أو ثقافيه بالمره و ممكن كمان تبقى بيئه شويه، و لكنها تعبر بشده عن رأيى فى محتوى هذا الكتاب" ... هذه الفقرة هى التى بدأت بها نقدى لمجموعة "كشرى مصر"، المجموعه القصصية الأولى لحسن كمال ... و مافيش افضل منها للتعبير عن هذه المجموعه السابقه.

و لكن قبل ان استفيض فى التحليل، أحب أن اقول ان الكتاب ده فى مكتبتى منذ فترة طويله، و لكنى كنت خايف اقراه ... خايف لأن المجموعه الأولى ابهرتنى بشده و قراتها اكثر من مره، و كنت لا اريد ان اشوه هذه الصوره بالمجموعه الثانيه. و عندما تشجعت و قلت مابدهاش بقى، صدمت بعض الشىء من اول القصص ... ظريفة، مش وحشه، بس مش حسن كمال فى اوج موهبته ..

ثم تذكرت ما كتبته فى أول فقرة من مقالى عن المجموعه الأولى، و قلت يمكن دى عادته ... أن ينسل بهدوء و سلاسه لقلب و عقل القارىء حتى يحوذ على كامل انتباهه، ثم يبدأ فى إطلاق الذخيرة الأدبيه الحيه بعد شوية "البمب" اللى فرقعه فى اول الرواية.

فى هذه المجموعه بدأ بـ "لدغات عقارب الساعه"، و اعتقد ان العنوان اكثر عمقاً و تشويقاً من القصة ... هى تدور حول كيف يتوارث الأبناء و الأحفاد سمات حياة الأجداد. و قد تم عرض الفكرة بطريقة ممتعه، فى شكل نقاط سريعه و وجيزه من صفحات مذكرات الجد ... الأسلوب مميز و الحوارات القليله التى تتشابه فى الكلمات موحيه و موضوعه بمهاره و ذكاء ... بس برضه الفكره مش جديده، فين دى من "الغرف المغلقة"، أول قصه فى المجموعه السابقه، و اللى انتهت بمفاجأه غير متوقعه.

و تستمر نفس السمه، اللذيذه و النص مبهره و مشوقه، فى "هى و الثلاثة" و "عطر الماضى و الحاضر"  ... اسلوب كتابه مميز يغوص فى النفس البشرية و لكن الحدوته نفسها معروفه و الخيال فيها محدود بعض الشىء، و لكن هذا لا يقلل من قيمتها، و لكن من الظلم مقارنتهما بـ "المحدقون بلا عيون" أو "الهيكل" ... ثانى و ثالث قصص المجموعه الأولى و الخيال "الصايع" و الفكرة الغير مطروقه من قبل للقصتان، رغم انهما لم يكونا من اميز قصص الكتاب الأول.

ثم يسخن المؤلف فى "بين ذراعين" ... قصة تثير انتباهك فى القراءة الأولى ثم تقرأها فور نهايتها للمرة الثانية لتتأمل جمال الفكره و خيال المؤلف المنطلق إلى آفاق لا تتوقعها. فبطل الأحداث لا تتوقعه و فى القراءة الثانية يحلو لك تأمله.

بعدها تلاقينا قصتان اقل فى المستوى، من وجهة نظرى ... لفت نظرى فقط في واحده منهما حوار خاطف بين فلاح و شجره فى حقله، جاء رومانسياً و مثيراً للخيال و الحسره، و لكنى لم اقتنع أو ربما لم استوعب تماما نهاية القصتان.

ثم يخرج المؤلف من إختراق النفوس قليلاً للواقع بصورة رمزية رائعه فى تصورها و تصويرها ... و ذلك فى قصة "قاعدة تمثال الأسد"، حيث يناقش كيف اصبح مجتمعنا مجنوناً، يصادق السلبى المهاود و يعاند مع الإيجابى المجاهد، و ذلك فى إطار شارعى أجاد حسن كمال توظيفه فى واحدة من احلى قصص هذه المجموعه ... بس لسه برضه المجموعه الأولى هى الكسبانه.

ثم يعلن الكتاب أن القصه الجايه هى الحاصله على الجائزة الفلانيه، ربما يكون هذا امراً عادياً و لكنى كنت افضل أن يعلن عن هذا فى آخر الكتاب او فى الفهرس ... إنما نظام "خدوا بالكم دى قصة جامدة و بتاعة جوايز" فى اول القصة قد جعلنى انفر بعض الشىء منها ... أتكام عن قصة "رائحة غير نفاذة"، التى تحكى عن تراث قديم ضاع من عائله لم يقدر ابناءها قيمته ... الفكره جميلة و شخصية الجده تبقى عايز تحضنها و تطبطب عليها ... قصة مؤثرة بكل معانى الكلمة.

إنما لو بنتكلم بقى عن قصة الجوائز فعلاً، فتبقى قصة "النصف الحى" هى الفائزة بجائزتى كقارىء ... فيها لحظة وفاء و تداعى ذكريات و قفزات زمنية التقطها المؤلف كلها ببراعه فى لحظة "نص ميته" أو "نص حيه" حسب رؤيتنا للأمور، فهى لحظه فيها الحياه و الموت بدون فلسفه بل كما يجب ان نراهما.

ثم تأتى "كشرى مصر" هذه المجموعه ... و هى القصة التى كنت انتظرها من موهبه فى مثل موهبة حسن كمال، و هى إسمها "حقوق مسلوبه"، و التى آخذنا فيها المؤلف لحياة المهمشين فى ابسط صور متعتهم و اقلها تكلفه ... الجنس الحلال الذى ينسيهم لثوانى افعال ولاد الحرام. قصة بها انفصال القمه عن القاعده، و حقوق الأغلبية المسلوبه لأتفه اسباب فى الدنيا .. علشان الميه مقطوعه او لأن الأوضه بالعيال مليانه ... رائع العمق و المعنى و "الموسيقى التصويرية الأدبية" التى انهى بها القصه ... هذه القصه، فى رأيى، عادلت فى هجمه مرتده مفاجئه النتيجه بين المجموعتان.

أما "حيثيات دفاع" و "العبور العظيم" ... فمش بطالين، مؤثرين و تتفاعل معهم و لكن بالمقارنة بقصص المؤلف الأخرى، نقدر نعتبرهما قصص لتمضية الوقت، بطريقة إيجابيه، حتى تنتهى المباراه بين المجموعتين.

فى قصة "خيوط" ينطلق الخيال فى فانتازيا ادبية، امتعنا بها من قبل حسن كمال فى "عندما تقفز الأفيال" فى المجموعه الأولى. "خيوط" تحكى عن العناكب التى تقيدنا بخيوطها المتشابكة التى تعوقنا طوال مشوار حياتنا ... حلوة الفكره قوى، لكن الهدف يحتسب لصالح قصة الأفيال التى اعتبرها من اعمق القصص القصيرة التى قرأتها فى حياتى.

ثم يأخذنا المؤلف فى بعض المشاكل الحياتيه فى "دفتر حسابات" و "لم يصبه الدور" و "بلا سفينه" و "لا مفر" و "نشاز"  ... أجدهما اصعف ما فى المجموعتان. هى قصص قصيرة جميلة المضمون، و لكن حسن كمال عودنا على الإبهار و على رج العقول بما تحويه قصصه من خيال و معنى و عمق، فبالتالى إزدادت شهيتنا و اصبح من الصعب ان نقبل بأى "تصبيرة".

أما قصص "علامات" و "الحمار حرن" و "العمر رفعه" فهم يعبران عن عيوبنا و عن أهم سماتنا ... رأهم المؤلف فى مسمار فى كرسى ينغص علينا قعدتنا، و حمار قرر الإعتصام معترضاً على العيشه و اللى عايشينها، و بطل رفع اثقال فى لحظة اوليمييه فارقه ... ومضات لا يرى تفاصيلها سوى كاتب مميز و ذو حس عالى بالواقع و خيال يجيد تجسيد الفكره بأبسط اسلوب و اعمق صوره ... قصص متلاحقه شكلت هجمات جميله فى صراع ادبى راقى بين المجموعتان، أسفر عنها هدفاً جميلاً أعاد التوازن بينهما.

لكن لابد من التوقف عند "آثار على الزجاج" ... قصة حاصلة على جائزه بشرنا بها الكتاب برضه قبل ما نقرا القصه ... هى حكاية شارع بيجمعنا بكل طبقاتنا، طبقة فقيرة سرّيحه منذ طفولتها، و طبقة مكيّفة الأجواء و لكنها لا تخلو من المشاكل التى تنغض عليها حياتها ... الأدنى يتقابل بإنسانيته مع الأعلى فى اثناء وقفة إشاره، بدون ان يؤثر على هذا اللقاء أى خبرات حياتيه او معرفة مسبقه، فالطرفان عبارة عن طفلان بريئان و لكن بينهما حدوداً لا يجب ان يتعدوها ... زجاج عربه كاشف و لكنه فاصل بمنتهى الصرامة ..

هذه القصة جائزتها الحقيقية أنها منشوره فى كل شارع من شوارعنا، فستجد نفسك تعيش احداثها فى كل مشوار و لكنك لا تتداولها فى اى حوار ... و لكن بداخلنا كلنا خوفاً شديداً مما تحمله أو قد تنقله هذه الطبقة على زجاج حياتنا، قد تلوثه و لكن الخوف الأكبر ان تثور و تكسره ... و حيبقى حقها فى ظل الظروف التى تمر بها. و ربما تكون طيبتنا و شفقتنا و زكاتنا و عشورنا عوامل تقلل من هذه الآثار و لكنها لن تمحيها ... فالنفوس غير متقابله، و وقت الجد، التواصل بين الطبقتان سيكون مستحيلا.

فى النهاية لقد امتعتنى المجموعه ... و لكن النتيجة النهائية، من وجهة نظرى المتواضعه، فى صالح الأولى. و ذلك لأنى لم اجد فى الثانية قصصاً مثل: "أنثى"، "ذكر"، "خروف العيد"، "زوج"، "العين و الحاجب" و "العزف بأصابع صغيرة" ... فكلها قصص تميزت بها المجموعه الأولى، و التى جاء ترتيب قصصها بطريقة تصاعديه اكثر تأثيراً من هذه المجموعه.

من الآخر:

لو لم تكن على دراية بالمؤلف، فأنصحك بضرورة شراء المجموعتان، و لكن إقرأ الثانيه اولاً، فالمتعه عندها ستكون غير مسبوقه. أما لو كنت قد قرأت المجموعه الأولى، فأنصحك برضه بشراء الثانية، فالكاتب، فى المجمل، يستحق التقدير و التحيه ... و ستسعد بالمجموعه بلا أدنى شك، و لكنك بالتأكيد ستستعيد، بعد قراءتها، قراءة المجموعه الأولى مرة ثانية كما فعلت انا.

فادى رمزى