سحور الأمل مع مسئول محبط

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2011

منذ عدة أيام جمعتنى مآدبة سحور، أنا والعديد من اصدقائى، مع مسئول كبير فى الحكومة المصرية الحالية، هو كبير منصباً وعلماً، وكما تراءى لنا وطنية ... وهو ايضاً، فى درجة احباطه، كان أكثرنا مقاماً وكآبة ..

حاولت مع باقى الحاضرين ان نتفهم سبب إحباطه الشديد هذا، ونتعرف أكثر على كواليس إدارة الأمور فى بلدنا المشتاقة للسعادة ... وبدا المسئول فى الحكى، وذكر كيف انه يصطدم كل يوم بمصيبة يمكن ان تصيب البلاد بكارثة ... وسببها يكون دائماً "ضعف وفساد الإداء المهنى الحكومى".

يقول ان معظم العاملين فى القطاع الحكومى، من اكبر مسئول فى العاصمة لأصغر موظف فى آخر نقطة على حدودنا، قد اعتادوا على العمل فى بيئة مصابة بعوار شديد فى لوائحها وقوانينها وبالتالى اصبح الفساد، بكافة صوره وشروره، متفشياً ومعتادا ومقبولا فى الكثير من الأحيان ... والفساد هنا لا يعنى قبول الرشوة مثلا او العمل على تحقيق مصلحة خاصة على حساب الدولة، بل ان الفساد، كما يقصده، يشمل الإهمال والكسل فى العمل والبطء فى إصدار القرارت، على إختلاف درجات اهميتها، وغيرها من الأمور التى تحول الإدارة الحكومية إلى تكية كبيرة لا بتحل ولا بتربط غير بإظهار العين الحمرا.

أبرز مسئولنا المحبط كيف ان قرارت مصيرية عديدة تقف دائما على توقيع معين، لمسئول اقل بكثير من درجة وزير ... وامضاءه يكون شكلياً للغاية، فهو ليس صاحب قرار ولا نيلة، بل طبقا للوائح يجب أن "يعتمد" القرار ضمن "معتمدين" كثيرين يغرقون الأوراق بتوقيعاتهم.

قرارات خاصة بالسياسة الخارجية مثلاً، توضح أموراً معينة للجانب الآخر حتى لا يسيىء فهمنا او حتى لا نتعرض لغرامات أو عقوبات مع إن الموضوع كله ممكن يتحل بفاكس وحاد به الأوراق المطلوبة، والتى توضح تماما الصورة ... ولا يوقع "سى المعتمد" إلا بعد الزن والضغط مرة وإثنين وعشرة، وذلك لأنه إما إعتاد على ان ياخد راحته على الأخر فى إنجاز الأمور، أو لأنه مصاب بشلل مهنى يمنعه من التوقيع أو خوف غريزى من ان ياتى إسمه مصحوبا لأى قرار.

لم نتمالك انفسنا من الضحك، رغم ان المسئول كان يتلوى من الحسرة .. وليس طبعاً من عناصر السفرة الشهية، وهو يحكى لنا عن "أزمة" الموافقات الأمنية ... فوزير الداخلية قد اصدر قراراً بإلغاء طلب "الموافقة الأمنية" فى اى مصلحة حكومية ... تلك البدعة التى افرزها نظامنا القديم الجائر، الذى جعل عم سعيد الغلبان يجرى وراء الموافقة الأمنية علشان يفتح كشك سجاير !! ... الوزير كتر خيره لغى هذه "الخاصية" من نظم تشغيل إداراتنا الحكومية .. لكن لا وستة مليون لا، عدد الموظفين الحكوميين، فمازالت الإدارات المتشعبة تطالب اى مواطن بهذه الموافقة الأمنية لإصدار أى تصاريح او لتسيير أى مصالح معطلة.

المسئول حاول مع الماموث الحكومى ... يهديك يرضيك، لازم موافقة أمنية ... والنعمة اتلغت بقرار من وزير الداخلية، وانا مالى هه لازم الموافقة، يرضيك يعنى يا ماموث يا ابو المماميث تتعطل مصالحنا والناس تتخنق مننا، امال يعنى إحنا هنا طيشة دى الخنقة دى غيتنا وأهم سبب لوجودنا.

الحل ايه طيب ؟ .. الفهلوة المصرية إشتغلت .. بقى فيه موظف فى الداخلية، كل شغلانته إنه يدى موافقات امنية، معاه ختم كبير مكتوب عليه "والنعمة موافقة" ويختم اى ورقة تجيله من أى مواطن او مصلحة .. من غير حتى ما يبص فيها او يعرف وشها من ضهرها ... إختم يا زكى قدرة، يختم زكى قدرة .. وما يقدر على القدرة إلا ربنا، وأحد أسبابه، سبحانه، هو مسئولنا اللى عينوه علشان يحاول إصلاح أداء حكومتنا، واللى مستمر فى إعطاء النصيحة للى بلا ودان سامعة.

إشتكى مسئولنا، يا كبدى، من إن رئيس الوزرا "أطيب" من إنه يبدى رأيه فى اى حاجة ... (وطبعاً سكوته وتخبطه إمام إعتداءات إسرائيل لهو اكبر دليل على ذلك كما تبين لنا) ... وإن المجلس العسكرى، رغم وطنيته الشديدة التى اكد عليها، وشعرنا فى كلماته انه يقولها عن قناعة تامة، لا يرغب فى التدخل فى الشئون الحكومية، بل هو نفسه ومنى رتبه وشرائطه إنه يسلم الحكم بأسرع صورة ..

المجلس فقط "إنفهش" من حجم الكوارث التى اصابت مجتمعنا، ولسان حاله كل يوم بيقول: كل دى مشاكل يابوى ... مين ده اللى يسعى بكل قوة لإنه يشيلها ؟ ... عايزين ياعم نرجع بسرعة لثكناتنا. ولكن المجلس، طبقاً للمسئول، له أخطاءه، ولكنها أخطاء واردة وليست مقصودة لتنفيذ أجندات معينة، لكن المجلس، فى ظل ثقل المهمة، يخطىء احيانا ... مثل الكثير من المسئولين عن إدارة امورنا.

ولكن ما أعطى لمسئولنا المحبط بريقاً من الأمل، هو ان الشعب نزل يوم 8 يوليو للإعتراض على أداء مجلسنا وحكومتنا ... فالأخطاء التى كانت ترتكب، كما يقول المسئول، كانت ستؤدى لعواقب وخيمة .. فمثلاً الكثير من الوزراء الذين كانوا فى السلطة قبل هذه الجمعة كانوا يدفعون البلد دفعاً، عن جهل او سوء نية، نحو الهاوية ..

ولولا الضغط الشعبى الذى جعل المسئول يتنفس الصعداء، بعد ان قاربت فروة راسه من غيظه وفرسته ان تصبح صلعاء، والذى أعطى لعصام شرف الدعم المطلوب لتغيير الكثير من الوزراء، لربما إضطررنا، حسب فهمى لكلام المسئول، لأن نصوم عن الأكل ليل نهار من فداحة الأزمة، سواء فى رمضان او خلال صيام السيدة العذراء.

بعد أن "صرح" مسئولنا بهذا، بدأ الحاضرون فى بث الامل فى نفسه من هذه الطاقة الصغيرة التى فتحها لنا ... تكلمنا عن اراءنا واقتراحاتنا بمنتهى الوضوح والصراحة، ولم يكن كلامنا على سبيل الذم والتقريظ، فالمشرحة مش ناقصة قتلى، بل كنوع من النقد البناء والتفكير المشترك لتقديم الدعم الفكرى له، لربما يجد فيما نقوله المخرج من دائرة الإحباط التى يحاول البحث عن ركن فيها، أو الفكرة التى تعضد افكاره او تنشطها لما فيها من حسن المشورة.

من ضمن ما اقترحناه، وجاء متوافقا مع افكاره، ضرورة ان يركز جهده فى ان يجد الدعم الكافى لتطبيق مقترحاته وافكاره الإصلاحية ... فجهاده مع وزير او مسئول حكومى لن يأت بنتيجة وسيستنفذ منه مجهودات كبيرة، فالمسئول سيراه مسئولا مثله، بل هو لسه "ورور" فى العمل الحكومى ... فإيش فهمه ده فى دولاب العمل، ده إحنا اللى ركبناه رف رف وضلفه ضلفه ... لذلك على مسئولنا، المتأمل خيراً، ان يطلب الدعم من شرف، ويكفيه ثواب المحاولة، او من المجلس العسكرى الذى من الواجب عليه ان يتدخل حين يتقاعس اى مسئول عن اداء واجب معين ضرورى لخروج البلد من أزمتها ..

المجلس، شاء أم ابى، قد تولى الدفة ... ولذلك فحجة عدم التدخل فى عمل الحكومة تكون فقط صالحة للإستخدام، فى حالة إقتراح أحد الأشخاص بأن يتولى الوزارة أحد اعضاء المجلس العسكرى مثلاً ... إنما المسئول المهمل او الفاسد يجب التصدى له بحزم وبقوة أكثر بكثير مما يحدث مع بعض المتظاهرين الذين لا يملكون سوى حناجر قوية، وليس القدرة على تمرير قرارات مصيرية قد تخرج البلاد من أى أزمة حالية أو مستقبلية ... ومادام المجلس يرى فى عصام شرف ومعاونيه القدرة على تولى المسئولية، يصبح من الضرورى، حين يجدون ان كلماتهم غير مسموعة، ان يعطيهم إما الدعم المباشر أو حتى صلاحية عزل اى مسئول لا يقبل العمل بالإستراتيجية المطروحة.

جاء ايضاً من ضمن كلام المسئول أنه لا يرى ان عزل عصام شرف هو الحل، ففى ظل الترهل المهنى الحكومى لن يمتلك أحد العصا السحرية، وبالتالى يجب ان يأتى الحل، كما يراه ويحاول تطبيقه، فى أن يتم تطعيم الإدارة الحكومية بمسئولين من الخارج يمتلكون القوة والأمانة ... وليس الأمانة فقط مع ضعف الشخصية أو القوة فقط بدون امانة فيبقى مكانه الأفضل فى طرة.

وعن طريق هذه "الوحدات المقاتلة"، مع الدعم المستمر ... سواء الشعبى او العسكرى أو "الشرفى" ... يمكن ان تبرز هذه الكفاءات شعبيا وسياسياً، ونستطيع ضخ المرونة والسرعة اللازمة فى مفاصل الجهاز الحكومى المصرى، الذى إصيبت عقول مسئوليه بالشلل امام القدرة على إصدار القرارت الصائبة. 

إستمر حديثنا حتى آذان الفجر، ومع بصيص نور الصباح اصبحت آمالنا أنقى وكآبة مسئولنا إنزوت بدرجة ملحوظة ... وكل منا صار يحمل بداخله الإمل فى ان مصر، كدولة مباركة فى الأديان السماوية، لن تعان طويلا من الظلام، ومن الممكن سريعاً ان تتحرر إمكانياتها وتجود بخيراتها على كل ابناءها، وإذا كانت هناك مخاطر او ضرورة للمخاطرة، فتلك هى طبيعة الأمور فالتغيير لا ياتى بدون أثمان، وهى عادة ما تكون باهظة ... ولكن ما دفعته بلدنا حتى الآن يعتبر ثمناً بسيطاً للآمال المنتظر تحقيقها.

إن كل واحد فينا بداخله، أفصح أم انكر، الأمل فى الخير له ولبلده ... هو ليس حلماً طموحاً غير واضح الملامح، بل هو أمل فى ايدينا تحقيقه لو عمل كل منا العمل الصالح، وقد يكون هذا العمل مغيباً فى تفاصيله عن أذهان بعضنا، ولكن توحد النية الصافية وإعطاء الفرصة لهذا الأمل الذى يجمعنا لكى ينير لنا طريقنا، هو السبيل الوحيد لنزع اى شكوك بداخلنا. وبالطبع تبقى المحاذير موجودة فالحذر والقلق مطلوبان وضروريان فى اى مرحلة، ولكن لا يجب ان يكونا سبباً فى ان ننزوى ونكتئب ونتبادل الإتهامات الفارغة، والتى تلهينا عن مواصلة طريقنا.

تفاءلوا تصحوا ... وبسرعة ..

فقد فرضت الصدفة على مجموعة من المتفائلين الآملين ان يتسحروا مع مسئول محبط، وازعم اننا نجحنا فى ان نعطيه الدعم المعنوى اللازم ..

إنما مش كل متفائلين فى البلد هيفنوا جهودهم فى لقاءات إفطار وسحور يبثوا الأمل فى كل واحد من الباقيين ...

اللى عقله فى راسه وامله فى قلبه يعرف طريق خلاصه ..

يا إما نقضيها بقى لآخر السنة، لقاءات رمضانية على المآدب المختلفة :)

صباح ومساء الأمل والتفاؤل على كل السامعين ... الفاهمين واللى مش فاهمين.

فادى رمزى