القصر العينى: بين البلطجة والتسطيح

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2011

طالعنا الأهرام بتحقيق مصور عن اعمال "بلطجة" يتعرض لها العاملون بمستشفى القصر العينى ... مما يهدد بإغلاقه لأول مرة فى تاريخه، لأن تأمينه قد صار فى حكم المستحيل، كما جاء فى التحقيق.

بعد نشر المقال سمعت وقرأت تعليقات كثيرة، تتحسر على الشعب المصرى واخلاقه، وبالمرة تندد بما فجرته الثورة من سلوكيات مريضة ... وتؤكد ان الشعب المصرى لا يصلح معه سوى الديكتاتورية، لأنه "يخاف ولا يختشيش"، ولأنه من اجل التخلص من الفساد قد جاء بالفوضى ... إلى آخر التعليقات المشابهه، والتى اجدها شخصيا تحتاج لإعادة النظر والبعد عن التعميم ومصمصة الشفايف اللذان ينشران المشاعر السلبية ولا يقدمان اى اقتراحات ايجابية ..

مبدئياً لو قرأنا بتأنى وجهة نظر المعتدين "البلطجية" لوجدنا ان أغلبها ينحصر فى ان لديهم مريض بحالة حرجة، احدهم معرض لبتر ساقه، ولفوا به على المستشفيات ولم يجدوا اماكن بها ... وبالتالى ثارت ثورتهم خوفا على اقاربهم، واثناء ذلك اعتدوا على الممرضات والدكاترة ... ومن هنا ارى ان اى منصف لو وضع نفسه مكان مرتكبى مثل هذه التجاورات، وراعى انهم مش خريجين جيزويت ولا تربية راهبات ... لوجد ان رد فعلهم طبيعى تماماً، وان كان مكروها ومرفوضاً ... ولكنه متوقع فى ظرف مثل هذا تماماً ..

انظر جيدا الى ابنك انت .. ايوة انت ... تربية المدارس الخاصة والبيوت العمرانة، الا تجده يتجاوز احياناً فى الكلام ويلقى بكيس الشيبسى او غطا "الكانز" على الأرض مطرح ما يعوز ... اذا كيف تتوقع سلوكيات من يقول لا مؤاخذة جزمة وليس شوز، من يعيش فى عشوائيات وحاله يوماً بعد يوم بيبوظ ... هل تظنه، عندما يتعرض اخوه لإحتمال قطع رجله لعدم وجود مكان فى المستشفى، ان يقول له: هارد لك مان ... بيس بقى، عندك الرجل التانية !!!.

ابنتك انت ... برضة انت ... لو لم تعلمها وتربيها هتطلع شرشوحة وطايحة فى كل مخاليق ربنا، ولن تحترم اى معايير اخلاقية ولن تتحكم فى غضبها  وعصبيتها. إذا لها الف عذر، وليس حق، من تريد ان تعالج زوجها او ابنها او أخوها فى انفعلاتها غير المسئولة ...

بل أننا لو تفحصنا بدقة ما جاء فى التحقيق، سنجد ان بعض الردود تعكس وعياً كبيراً ... حين يقول بعض "البلطجية" ان العلاج مش بالمجان لأنهم يدفعون ضرائب اذا فهم يسددون ثمنه مقدماً ولا يجب ان يرضوا بقليلهم، ويصور بعضهم ما حدث بتليفونه المحمول ويهدد بنشره على الفيس بوك .. بلطجية ايه دول اللى بيدفعوا ضرائب وفاهمين تأثير الإعلام الإلكترونى ؟!!

طبعاً فيه حالات بلطجة بمعانيها الإجرامية ... مثل من يدخلون للسرقة او من يلفون سيجارة حشيش فى المستشفى، وقد قام الدكاترة، كتر مليون خيرهم، بالقبض على هؤلاء وتسليمهم للشرطة .. فماذا حدث ؟؟؟ اخلت الشرطة سبيلهم، وبدلا من تقديمهم لمحاكمة عسكرية ... وجدوا ان المحاكم العسكرية مشغولة بمحاكمة المتظاهرين السياسيين فاطلقوا سراحهم مرة أخرى !!!

الحل طبعا ليس فى بقاء الوضع كما هو عليه، وانتظار ان يعاد تثقيف وتعليم الشعب المصرى .. ولكن يوجد حلول منطقية سريعة وفعالة، وتحتكم للعلم والمنطق وتنظر للأمور بعمق وليس بتسطيح البروباجندا الإعلامية الزاعقة ..

الحل ببساطة هو فى إقامة مستشفيات ميدانية بجانب القصر العينى وباقى المستشفيات الكبيرة الأخرى فى القاهرة والإسكندرية، حيث الكثافة السكانية العالية ... والمستشفى الميدانى عبارة عن 3 اتوبيسات مجهزة ويتم ربطها ببعضها البعض ومجهزة للعمل كعيادات خارجية وايضاً للجراحات السريعة والمتوسطة، وهى اساس المشكلة .. فالمرضى اغلبهم لا يحتاجوا لعملية زرع قلب بل فى احيان كثيرة لعلاج الإصابات وتداعيات الضغط والسكر وحصوة الكلى.

هذا المستشفى الميدانى، بشكله "الأتوبيسى" او بأى شكل آخر،  يمتلك الجيش المصرى العديد منها ... سوف يخفف الضغط على المستشفيات وبالتالى المشاحنات المستمرة، وفارق كبير جدا بين ان يقول الطبيب لأهل المريض "مافيش مكان" او ان يقول لهم "اول شارع يمين هتلاقوا مستشفى للجيش وبالمجان" .. وفتح المستشفيات العسكرية للمدنيين واضح انه لا يقدم حلاً فعالاً، وبالتالى يجب ان يرتبط وجود المستشفى الميدانى بالمدنى بطريقة واضحة وكانه جزء منه.

وهنا سنقلل من عمليات "البلطجة" التى تأتى كرد فعل لعدم وجود مكان للمريض، وايضاً وجود مستشفى تابع للجيش سيعطى الامان والهيبة للمستشفى المدنى، ولن يعتدى احد طبعا على مستشفى للجيش لأن مازال الحيش له مكانة خاصة وتوجد ثقة فى كفاءة اطباءه والعاملين به.

طبعا التعزيز الامنى مطلوب ... وبعد انتفاء اسباب "البلطجة" التى تاتى لدوافع انسانية، سنتمكن من السيطرة على اللى عايز يلف سيجارة بنى فى الحضانة، او من يريد ارغام الطبيب على ان يضرب له شهادة، او من يقتحم مثل قراصنة الكاريبى من ناحية النيل للسرقة. وعند القبض على هؤلاء يقدمون لمحاكمة عسكرية او مدنية، ويطبق عليهم الأحكام العادلة الرادعة .. فمن آتى للمستشفى للسرقة لا يمكن ابدا تقديم اى عذر له، بل هو بلطجى وش لا تجوز معه الرحمة.

أطلب من المفزوعين والمعترضين ان ينظروا للأمور بعمق قليلاً ... فكر قليلا عندما كان احد اقاربك مريضا ولم تجد الرعاية المطلوبة فى مستشفى 5 نجوم مليىء بالأساتذة الكبار اللى نافشين صدورهم من كثر شهادات الزمالة بتاعتهم، كم مرة تضايقت واعربت عن هذا الضيق بعصبية حتى تأخذ حقك فى العلاج اللى بتدفع فيه دم قلبك ومع ذلك تجده دون المستوى ... أو كتمت غيظك احتراماً لتربيتك، ولكن تطلب هذا مجهودا فائقا منك.

العنف مرفوض، والبلطجة فى القول او الفعل مرفوضة تماماً ... وكلنا نريد التخلص منها ... ولهذا لا يكفى ان نلعن الشعب كله او نطالب بمبارك آخر او نندم على قيام الثورة، بينما الحلول المنطقية العلمية واضحة ومتاحة، خاصة وان "البلطجة" هنا لأخذ الحق فى العلاج فى اغلب الحالات، وهو حق انسانى اصيل لا يلام من يحارب من اجله، بل يلام فقط على اسلوب محاربته.

الحلول المختلفة متاحة، وتتطلب مسئولين يرون الأمور على حقيقتها ... ومن السهل تطبيقها فورا، لو كانت اياديهم غير مرتعشة ..

ودور الإعلام هو التوعية بجانب كشف الحقيقة ... ولن تأتى التوعية بدون وضع الأمور فى نصابها الصحيح وليس بتسطيحها ..

أتمنى لكم نوماً آمناً، وصحة طيبة ... وربنا يهدى النفوس ويهدينا دوما الى الصواب فى الفكر والعمل من اجل بلدنا.

فادى رمزى

 http://www.ahram.org.eg/Investigations/News/96682.aspx