اغانى مجننانى : زمن الـ "بلياتشو"

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2011

هى أغنية تعبر عن كافة العصور المصرية  ... فدوما ما يتصاعد نجم العديد من محترفى فن البلياتشو ليتصدروا الساحة ويدعون انهم سيتولون جميع امورنا.

هم يلطخون وجوههم بكافة المساحيق المبهرة، والتى ننبهر ببراءة بألوانها ... فنصفق ونهلل لهم ظانين ان ما يمتلكونه من مهارات لهو مكرس لإمتاعنا وللترويح عنا، ولكن فى الحقيقة ان ما يفعلونه هو ترويج لسياساتهم العرجاء الفاسدة، ويؤدى دوماً اداءهم هذا الى الهاءنا عن مشاكلنا الحقيقية، بل وجعلنا فى مقعد المتفرج حتى تثقل وتترهل اجسادنا ... فما نحن، مقارنة بهم، سوى مخلوقات أحادية اللون لا تمتلك القدرة على الحركة .. لذلك كل ماعليها ان تفعله هو ان تتفرج وتهتف بحياة البلياتشو الذى على الساحة، وتبوس ايدها وش وظهر على هذه النعمة والبركة.

منذ زمن ليس ابدا ببعيد كنا نطالع بلياتشو واحد، يتحرك بوقار راسما على وجهه الأبيض والأسود والأحمر ... يطالبنا بالتصفيق له مقنعا ايانا بأننا خداما للبلياتشو مثلما تعودنا فى العروض السابقة، ووجودنا مرتبط تماما ودائماً بوجوده امامنا ، فإذا ابتسم علينا ان نضحك ... وإذا رسم على وجهه علامات الحزن فلنبك دمعاً ودماً.

ثم تمادى البلياتشو فى غيه، حتى افاق البعض منا فجأة من سكرته ... وبدأ افراد من الجمهور، ولأول مرة، يقذفون البلياتشو بحبات الفيشار تعبيرا عن سخطهم، فما كان من البلياتشو الا ان فتح عليهم اقفاص الأسود والنمور لإرهابهم. وتعاطف باقى الجمهور مع المعترضين، فقد ايقنوا ان البلياتشو قد اجبرهم على شراء التذاكر .. موحياً اليهم انه العرض الوحيد المتاح، وبعد ان كشف عن وجهه القبيح امام المعترضين ايقن الجميع ان وجهه الحقيقى ملطخ بالفعل، ولكن ليس بالألوان التى إعتادوها .. بل بألوان دموية داكنة ترسم كل قيم الأنانية والفساد والتعالى على العباد.

إستسلم البلياتشو بعد ان وجد ان الشجاعة مع الكثرة لا يمكن مجابهتها ... والقى فى القفص مع معاونيه مطلقى الأسود، وهللت الجماهير فرحة بالنجاح فى تغيير العرض، ولكن أغلبهم عاد مرة اخرى لمقاعد المشاهدين، وامسكوا بأكياس الفيشار والحلوى فى انتظار العرض القادم، غير عالمين بأن امور العرض قد صارت فى ايديهم ... وبالتالى ماعليهم سوى اعادة اكتشاف مواهبهم وابداع فقرات إخرى مفيدة ومسلية، مع تطوير السيرك ليصبح مؤسسة كبيرة للمتعة والفائدة.

لكن الجماهير اعتادت فيما يبدو على فقرة البلياتشو، او ربما اصيبوا بـ "متلازمة البلياتشو"، والتى تجعل الفقرة الوحيدة الممتعة لهم على الساحة هى التى تتطلب إخفاء ملامح الوجه وراء طبقات من الألوان والرسومات. وبالتالى قفزت قلة من الجماهير الى حلبة العرض، وبسرعة لطخت وجوهها بما تراه من الوان مناسبة لها ... احمر على اخضر على ازرق ... متناسين ان الألوان الطبيعية هى احلى الوان فى الدنيا.

وهنا بدأت موسيقى العرض الجديد فى الصعود ... ويصدح مدحت صالح بالغناء مؤكدا على كلمات ايمن بهجت قمر التى تقر بان الآن الدنيا بقت سيرك واللى ما يشترى يتفرج، فاصوات البلياتشو تعلو كثيرا على اصوات القلة المعترضة والراغبة فى تغيير مفهوم السيرك كله وإعادة رسم برامجه.

كل من يلعبون دور البلياتشو الآن يجتمعون فى ان "قفاهم محروق بجاز" من فرط توالى عروض الكآبة والسخافة التى قام بها البلياتشو القديم، الا انهم تعجلوا تفسير علامات الزمان ... فصدقوا "هتشو"، فإتقلبت الأمور راسا على عقب ... فى "شقلباظ" يأتى دوما فى المرحلة التى تأتى بين عروض السيرك المختلفة، ولكن حالة الشقلبة تستمر طويلا، فقط عندما يرضى بها الجمهور، ظانين ان هذا هو العرض الجديد ... او حين يستسلمون لما يقدمه "محدثو البلياتشو" من عروض ..

ونظل كلنا فى الحلبة، جالسين او متفرجين، ولكننا فى الهوا متشعلقين ... نمشى على حبل نظنه يقودنا الى حيث نريد، ولكننا من رعبنا من السقوط لا ننظر إلى الأمام لنرى الى اين يقودنا هذا الحبل. وتمتلىء نفوس البعض بالقلق ... فيبادرون بالإعتراض، بدون تقديم الحل او حتى مجابهة ما يطرحه كل بلياتشو لكشفه، واعادة اكتشاف اصحاب الأوجه الحقيقية الصادقة، الذين يمتلكون القدرة على تقوية الحبل ودعم جماهير عديدة تريد ان تعبر عن طريقه الى بر الآمان والسلامة.

يبدأ مدحت صالح بالنداء على المستمعين بإسلوب صبيان السيرك، حين يطيل فى حرف الراء فى "قرب" و"جرب" ... ويمزج صوته بين الحزن والخضوع فى استسلام غاية فى الحساسية لنغمات الإغنية، وكأنها تأخذ أحباله الصوتية حيث تريد وليس العكس. ويبدو هذا فى طريقه غناءه لكلمة "سيرك" حيث تشعر بانه يهز راسه الما وحسرة على هذا الوضع الذى لا يمتلك تغييره ... وايضاً فى كلمة "كلنا" نسمعه وهو يقوم بتقطيع الكلمة، وكأنه يشير لكل فرد منا، متوسلا ان نقوم ونتحرك ولا نترك الحال على ماهو عليه ... علشان خاطره وخاطرنا.

وتبدأ الكلمات للعبقرى بهجت قمر فى توصيف حال "سيركنا" بمنتهى السلاسة ... وباسلوب غارق فى المصرية بكل ماتحمله هذه الكلمة من معان الإستكانة والسخرية .. وهو يعلن فى البداية بإننا "هنا مش بنهرج" فالبلياتشو لا يحمل دوما معانى الضحك والمتعة ..

ويأتى مزجه الفلسفى لكلمتى "تتعلق" و"بنقلق" موفقاً وموجعا للغاية، فما اقسى الشعور بالقلق وانت معلق فى الهواء، لأنك حينها لا تجد الفرصة للتفكير بروية فى الخطوة التالية .. بل ان مجرد قلقك قد يدفعك الى القفز يأساً وتنفيذا لما تظنه مصيراً محتوماً لا حول ولا قوة لك لتفاديه.

وطبعاً الشاعر يستحق التحية على إدخال كلمة "هتشو" العامية المصرية إلى معجم الأغانى العصرية، فهى تحمل، بعبقرية العامية المصرية المعتاة، معانى كثيرة فى حروف قليلة، كالكذب والنصب والإحتيال والرياء واستغلال سذاجة المتلقى، بكل خفة الدم التى لا يمكن فصلها عن تراثنا مهما حاولنا وتجهمنا وتشددنا فى آراءنا.

ويبدع محمد يحيى فى تلحين هذه "الأغنية التسجيلية" ... فالريتم ليس حزينا بطيئاً فقط، بل يمتزج بعذوبة ورومانسية وكانها اغنية عاطفية، وهى بالفعل اغنية عاطفية تعبر عن الهجر بين الإنسان وآماله ... بين العقل والطموح المشروع ... بين الصدق والطبيعة الإنسانية كما خلقها ربنا.

فى القرار جعل محمد يحيى الكلمات تتوالى مندفعة فى الجزء الخاص بـ "أفاه حرقوا بجاز الزمن وعده قام صدق هتشو"، للتعبير عن ان كل مصايب الدنيا جاءت ورا بعضها بدون ان تمهل اى من البلياتشو او الجمهور، أو تعطيهم الفرصة فى التأنى والنظر للأمور بتروى.

فى الثلث الأخير من الأغنية اوقف الملحن الموسيقى تماما تاركاً للمغنى والكورال الساحة ... فالكلمات، بعد تكرارها اكثر من مرة قد صارت هى بطلة العمل، وهو يريد ان يضع تحتها اكثر من خط، إذ ربما نفيق ومانلبدش فى الخط.

ثم يبدأ فى ادخال الموسيقى مرة اخرى قرب النهاية، ولكن بتكثيف متصاعد ليلقى ... بإدخال صرخاته، التى تظهر فى عشوائية بعض النغمات ... كل المعان الممكنة الى نفوسنا ... حتى يخلى تماماً  مسئوليته الفنية ..

فالعمل ككل قد ابرز وأوجز وانجز ..

أما الخطوة التالية فعلينا إحنا.

فادى رمزى

الدنيا دى ... كلمات: أيمن بهجت قمر ... ألحان: محمد يحيى 2007

 http://youtu.be/No7noyW-iAo

<iframe width="420" height="345" src="http://www.youtube.com/embed/No7noyW-iAo" frameborder="0" allowfullscreen></iframe>