سامحونى ما كانش قصدى

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2009

كنت دائما أحاربه ويثير جنوني رؤيته, أنصب له الكمائن وأحرص على قتله حتى لو كان لا يؤذيني ... بل يؤدي عمله بكل أمانة وتؤدة ودأب ... حلوة تؤدة دي. أدخل المطبخ لاجده يقف في طابور منظم يسير خلف بعضه البعض، وفي المقدمة تسير أول الصف نملة حاملة فتفوتة من الطعام ... فاسحقه برشة جااااااااااز قوية وليس بها "حنية". ثم أعود لامارس شئوني اليومية عادي ... وكأنني لم أقتل أحداً وليس على كتفي كاهل احساس بذنب كل ضحايا المذبحة. أعود لاضحك واغضب وامرح وانفعل بشكل عااااااادي ... وانغمس في حياتنا الدنيا الشقية بنا. يعود النمل منتصرا علي وكأن الهزيمة والمذابح لا تكسره, وكأن الزمالك قد انتصر وكأن مصر فازت باربعة اهداف ضد الجزائر، وانبلجت الانتفاضة مرة اخري وعادت الحياة لفلسطين الجريحة المقسمة... يعود بطابوره ليتحداني ... ربما بطابور اطول واقوي يتهادي بنظام، لا أقف فى طريق نملة الا وتحاذي من أمامي - بلا تحرش فالتحرش اختراع انساني...! يسير الطابور بانتظام وببطء من أسفل الى أعلي وكأن هناك قائد خفي لهم, و يمتد الطابور من أسفل على الارض ليشق طريقه بلا يأس الى فوووووق ... حيث رخامة المطبخ. كلما وجد منحدر او منعطف انتظم ووراءه الجموع , من يوجههم ؟!! لا اعلم . ليس لديهم اقمار صناعية استكشافية ولا قائد مدفعية ولا رئيس اركان ولا فريق بل لا مشير ولا وزير!!! وقف الطابور فجاة ليجدوا غنيمة - فلا يفض نظام وتنسيق هذا الطابور فوضى الفرحة برزق من الله، بل تتقدم اول اثنتين لحمله فيبدو ثقيلا ... فتتقدم الاثنتين التاليتين لحمله كل من جهة مختلفة ليحملوه. لا ... لايزال ثقيلا. تهجم الجموع ليلتفوا بدائرة حوله وكأنهم يغترفون منه ماتيسر ليحمل كل اثنان فتات كبيرة مرئية ثم يعودون لنفس الطابور الاول بكل سلاسة مرورية. سلاسة لا يقوي عليها البشر ولم ينسقها انس من قبل ولا حتى جان. أراقبهم بكل دهشة !!!!! سبحانك ياربي !!!! وجدت طريقا طويلا يقطعونه حاملين رزقهم، الطابور امتد تقريبا بنصف طول حائط المطبخ ... يسير بنفس الهدوء بين القيشاني وطرقه الوعرة بالنسبة للنمل، ويقل حتى يصل الى منتهاه. لان كل حفنة نمل تصل الى حيث عشها بين اروقة القيشاني حاملة الفتات فيقل الطابور. وهكذا كلما وصلت حفنة نمل بالغنيمة الى محطة بيتها يكمل باقي الطابور سيره بانتظام، وكأن قطارهم أو مترو الانفاق الخاص بهم لا يتعطل ولا يوجد به خلل. جربت أن اسحب بيدي مفعصة احدى عضوات الطابور - سحبت نملة من منتصف الطابور، رأيت الباقون توقفوا قليلا ... ثم زادت السرعة كأن أمرا ما قد صدر. ثم سحبت بيدي الشريرة الادمية فتاتا مما كان يحمله اثنتان من النمل، فاضطرب قليلا ثم عاد للطابور . ولكن ضلت نملة مما كان يحمل الفتات المسروق -" مني " - عن الطابور، فعادت به نملة أخري الى حيث كان الطابور والباقون سائرون يتهادون بنظام لا يوجد في اي جيش في العالم ... إن لم يكن خط بارليف قد صنعه بشرا لأكدت لكم انه من صنع النمل ... و حطمه نمل بشري ايضا بنفس المثابرة.. ظللت اراقب الرحلة من أول المطبخ الى آخره عبر جبال ومنحدرات الاسمنت بين القيشاني حتى اختفي الطابور -مللت ولم يمل النمل ، مللت فقط من المراقبة والمشاهدة ولم يمل هو طوال الرحلة، ولم يتوقف عن تعب او كلل. يأتي الليل فلا اجد طابور الكل نائم بانتظام في بيوته . وضعت فتاتا عبر المنفذ الذ انتهي عنده الطابور ورششت باقي الممرات التي سار امس الطابور عليها، وانتظرت للغد أليس الصبح بقريب ... ياربي أيعيش بيننا من يفكر ويخطط أفضل منا ؟!! في الصباح ظهرت نملة استكشفت الفتات ثم دخلت للجحر الصغير المشقوق بسواعد النمل، ليظهر جمهور من النمل يحملون الفتات شاكرين مهللين , لولا ان الله لم يمتعني بما أنعم على عبده سليمان ( ص ) لسمعت تهليلا ونداء بث الهمم لحمل الفتات الكبيرة الحجم . هل ساروا في ممر الامس الذي سممته بيدي ؟؟؟ لا , يا سادة سلكوا طريقا اخر وبكل هدوء ودأب رغم ان الطريق غير مستقيم لكنهم بطابورهم وضعوا له رسما هندسيا نمليا غير بشريا لم أتنبه له من قبل!! في اليوم التالي وسوست لي نفسي البشرية أن أرش المنفذ الرئيسي الذين يخرجون منه، وارتعشت يداي قليلا وأنا أسمم حياتهم ... اختفي النمل ثلاثة ايام متتالية، وبدلا من أن أفرح حزنت ... بل ندمت حدادا على ابرياء يصارعون الحياة. ولكن يأبي الله الا ان يتم نوره، فبعد اربعة ايام اكتشفت، وانا جالسة استمع الى الراديو صباحا وبيدي النسكافيه، فتفوتة من الاسمنت بين القيشاني ولكن في مكان مختلف تماما عما توقعته ... وجدت حبة الاسمنت البيضاء تتحرك وتخرج نملة ومن وراءها عدة نملات ... هيييييييييييييييييه !!!!!! بجدفرحت .... سررت فعلا من ان كل تلك الايام كانت مخططة من النمل لتحويل مسار الحياة وشق منفذ او نفق أخر للحياة، ليتهم يشقون أنفاقا تصل الى فلسطين حاملة كل سبل الحياة والجهاد ففي الجهاد حياة أيضا. ياليت زعيمة النمل توافق على طلبي بتشغيلي النمل لحساب الاراضي الفلسطينية. لكنني أخاف من أن يخون البشر النمل فتندفع القوات الصهيونية لتبيد النمل بشراكة قوات "السلام" المصرية حرصا على سلامة النمل والبشر!! انتشيت حينما وجدت الطابور مرة أخرى، ليعود بتنسيقه ونظامه مرة أخري للحياة. ابتسمت للطابور وانا اصرخ به ... ربما يسمعني سامحوني ماكانش قصدي ... لن أقتل فرصتكم فى الحياة مرة أخري. سها المنياوى