الديمقراطية و التربية (2)

كتب بواسطة: Mohamed Salah في . القسم archive 2009

تعرضنا فى المقال السابق للتعريفات المختلفة للديمقراطية ... و كيف أن المثقفين الذين ينادون بها، هم أحياناً أول من تتعارض تصرفاتهم مع متطلباتها و مفاهيمها. و الآن جاء دور الأسرة ... نعم فالأسرة هى التى تغرس فى أطفالها أول بذور الديمقراطية، و برعاية هذه البذور على مدار السنين سنجد أشجار ديمقراطية باثقة فى المجتمع المصرى فى المستقبل القريب. الأسرة هى المصدر الأساسى لتعليم الطفل لغته ودينه وتقاليده وعاداته وقيمه التي ينشأ عليها ويلتزم بها، وباختصار فإن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل ... وخاصة الأسرة في البداية ... هي التي تهبه شخصيتة البشرية وتكسبها الجانب الإنساني بكل أشكاله. فالأسرة تعلمه أثناء التنشئة كل ما سبق بالإضافة إلى طريقة المشي، والكلام وتناول الطعام، والتعامل مع الآخرين. و إطارات العلاقات الأسرية التي تكبل الشاب من جهة، وطبيعة مرحلة الانتقال غير المستقرة على مستوى الفرد والمجتمع، من جهة أخرى ... تؤثران على سلوك الشباب "مسالماً, عدوانياً, سلبى أو إيجابى الشخصية"، وإستسلام الشباب لأمر السلطة الأبوية غالبا ما يصاحبة معاناة صريحة تجاه هذا الواقع. طيب با ترى ما هى الصورة المثالية للأسرة؟ ... و هل "الأسلوب الديمقراطي" يصلح للتطبيق الأسرى؟. يتصف هذا الاسلوب بأن الأمور بين الوالدين والأبناء - الأسرة ككل - تسير بشكل تعاوني، بحيث يتعلم الأطفال أنهم مطالبون ببعض الواجبات بانتظام واتخاذ بعض القرارات بأنفسهم. كما يتعلمون أن للأبوين حقوقاَ وامتيازات خاصة. كما لاينتظر الأطفال من والديهم أن يكونوا موقع الانتباه الدائم والرعاية المستمرة، فللوالدين الحق فى الإستقلال لبعض الوقت أيضاً. و لكن أهم مظاهر هذا الاسلوب الديمقراطي، هو اعتراف الوالدين بأن الاطفال أشخاص يختلفون عن بعضهم البعض ... وأن كلا منهم ينمو بشكل مستقل نحو الرشد لحمل المسئوليات في المستقبل. بالاضافة الى النظام والانضباط والحزم المقترن باللين ... حتى يسود النظام والانضباط في المنازل التي تطبق هذا الاسلوب. و أيضاً قد تقع الخلافات بين أفراد الأسرة التي تطبق هذا الاسلوب، لكنها لا تدوم طويلاَ حيث تعالج بالمناقشة الصريحة وبروح التعاون والمحبة. و يبذل الآباء والابناء جهودهم للمحافظة على النظام الذاتي والتفكير السليم في جميع أعمالهم، حيث أن لكل فرد في الأسرة حقوقاَ وواجبات يعرفها ويلتزم بها الجميع ... ولمنع حدوث خلل ما في هذا النظام أو الانضباط يجب وضع حدوداً ثابتة وواضحة فيما يتعلق بالاشكال السلوكية المقبولة وغير المقبولة اجتماعياَ، وفي الوقت نفسه تشجيع الطفل على القيام بالسلوك الاستقلالي. وقد أوضحت الدراسات الاجتماعية، أن الطفل عندما يحاط بجو ديمقراطي في المعاملة فان نتيجة ذلك أن يصبح الطفل أكثر تحملاَ للمسؤولية في المستقبل وأكثر تحمساَ للمبادىء ... وأكثر قدرة على الضبط الذاتي. بالاضافة الى الشعور بالأمن والثقة بالنفس والاندماج مع الأخرين والتفاعل معهم. لكن ياترى ماهى الصور أو الظواهر المميزة للأسرة الشرقية الآن: الأسلوب اللاديمقراطي – المتسلط: و يتصف هذا الاسلوب بسيطرة الوالدين على الطفل في جميع الأوقات وفي جميع مراحل نموه ... وينوبان عنه في القيام بما يجب أن يقوم هو به، ويتحكما في كل أعماله ويحولان بينه وبين رغبته بالاستقلال لكي يأخذ مكانه كفرد ناضج في المجتمع. والتسلط أو الاستبداد، قد لا يأتي من كره أو نبذ الوالدين للطفل، بل قد يكون ناتجاَ عن اهتمامهما وحبهما له. لكنهما يضطرانه الى الخضوع غالباَ لأنهما يعتقدان أن ذلك في مصلحته. ومن مظاهر هذا الاسلوب التسلطي الافتقار الى العلاقات الاجتماعية الطيبة سواء بين أفراد الأسرة أو بين الأسرة والعالم الخارجي. وله نتائج سلبية على الطفل من شعوره بالنقص وعدم الثقة بالنفس والشعور الحاد بالذنب والارتباك ... و بالتالى ينشأ طفل سهل الانقياد وأقل قدرة على تحمل المسؤولية ويميل الى الانسحاب. الاسلوب المتذبذب: ويشير مصطلح التذبذب الى عدم ثبات الوالدين في نظامهما أو في سلوكهما. فقد يعاقبان الطفل على سلوك ما في وقت ما ... وقد لايعاقبانه في وقت أخر على نفس السلوك. وقد ينشأ هذا التذبذب إلى الاختلاف بين الوالدين في معاييرهما وأسلوب تنشئة أطفالهما. فقد يكون الأب حنوناَ متسامحاَ، بينما قد تكون الأم متسلطة وعنيفة أو بالعكس. كما يحدث التذبذب عندما لايقبل الوالدان سلوكاَ من أطفالهما، وفي نفس الوقت يظهران علامات ضمنية تدل على أنهما يستحسنا هذا السلوك. أي ان هناك اختلافاَ بين ما أجبر الطفل على فعله أوعدم فعله، وبين مايرى والديه يفعلانه. كذلك يتضمن عدم الاتساق حيرة الوالدين ازاء بعض أنماط سلوك الطفل: هل يوبخانه أم يثنيان عليه؟ هل يظهرا الاستحسان أم رفض ذلك السلوك أم يتركاه على هواه؟ ومن أهم نتائج الاسلوب المتذبذب - عدم قدرة الطفل على معرفة الخطأ والصواب أو التمييز بينهما، بالاضافة الى التردد وعدم القدرة على اتخاذ مواقف أو قرارات حاسمة، وعدم قدرة الطفل على التعبير الصريح عن أرائه ومواقفه. الأسلوب المتساهل: يقوم هذا الأسلوب على أساس التسامح المعقول، الذي يجعل تكيف الفرد أسهل تحقيقاَ. لأن هذا الأسلوب يعطي الفرد شعوراَ حقيقياَ بالأمن ويخلق له جواَ يستطيع فيه أن يتجه نحو الاستقلال الشخصي والتحرر التدريجي. ومن مظاهر هذا الاسلوب أن الأم تكون محبة والأب يكون لين، والأطفال لهم حقوق الراشدين مع بعض المسئوليات القليلة. الأسلوب المتسيب: ويقوم هذا الاسلوب على أساس من الحرية المطلقة أو التساهل الزائد في التفاعل مع الطفل. وفيه لايمارس الوالدان الضبط المناسب، بل يمنحان الطفل قدراَ كبيراَ من الحرية لينظم هو سلوكه بمعرفته. من مظاهر هذا الأسلوب ترك الطفل دون تشجيع على السلوك المرغوب فيه، أو الاستجابة له دون محاسبتة على السلوك الغير امرغوب فيه. و بالتالى ترك الطفل دون توجيه أو ارشاد لما يجب أن يقوم به أو أن يتجنبه. ومن أهم نتائج هذا الأسلوب أنه يخلق أشخاصاَ متسيبين غير مسئولين، لايحترمون القوانين والانظمة مع نمو النزعة الانانية وحب التملك ... بالاضافة الى كثرة وتنوع المشاكل السلوكية في الاسرة والمدرسة. أسلوب الاعجاب الزائد بالطفل: وهو يتضمن تعبير الوالدين على نحو مبالغ فيه عن اعجابهما بالطفل وحبهما له ومدحه والمباهاة به. ومن أثاره شعور الطفل بالغرور والثقة الزائدة بالنفس ... مع كثرة مطالب الطفل دون تقدير أو مراعاة لظروف وامكانات الأهل. وتضخيم صورة الطفل عن ذاته ... مما قد يصيبه بالاحباط أو الفشل عندما يصطدم مع غيره من الناس الذين لايمنحونه نفس القدر من الاعجاب والاهتمام. أسلوب التمييز بين الأبناء: وفيه لايكون هناك مساواة أو عدالة بين الأبناء في المعاملة، كأن يستخدم أحد الوالدين الأسلوب الديمقراطي مع أحد الأبناء والأسلوب المتسلط مع الآخر. و يكون التمييز بينهم عادة قائماَ على أساس الجنس أو العمر أو الترتيب بين الأولاد أو غيرها من الأسباب التى يقتنع الأبوان بمنطقيتها. ومن أثار هذا الأسلوب شعور الطفل بالظلم والقسوة وبالتالي تكوين اتجاهات سلبية نحو والديه. --------- كل من هذه الأساليب يؤثر و بشدة على طبيعة الشخص و درجة تفاعله مع المجتمع من حوله ... و بالتالى درجة مشاركته، و شكل هذه المشاركه. و بالتالى يمكن أن يؤثر أسلوب التربية على نواحى حياتيه أعمق بكثير من مجرد تحديد مدى نجاح الإنسان أو سلوكياته العامه ... بل أيضاً سلوكياته "الديمقراطية". سواء بالنسبة للديمقراطية السياسية او الإجتماعية التى تظهر فى مناقشاته و تعاملاته. و لكن هل يوجد دور للتعليم بصفة عامة و المدرسة بصفة خاصة .... هذا هو موضوع المقاله القادمه. دانيال شارف المراجع: 1- زهير حطب، عباس مكي، السلطة الأبوية والشباب، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1980. 2- طلال عبد المعطي مصطفى، التفاوت الثقافي بين الأجيال في المجتمع المديني السوري، أطروحة دكتوراه، جامعة دمشق، قسم علم الاجتماع،غير منشورة، 1999. 3- عبد الستار ابراهيم، التسلطية وقوة الأنا في / لويس ملكية (تحرير) قراءات في علم النفس الاجتماعي في البلاد العربية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970. 4- عبد المنعم الحفني، موسوعة علم النفس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1978. 5-كمال المنوفي، التنشئة السياسية في الأدب السياسي المعاصر، مجلة العلوم الاجتماعية، مجلد 6، عدد 4، الكويت، 1979. 6-مصطفى أحمد تركي، دراسات في علم النفس والجريمة، دار القلم، الكويت 1986. 7-هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، الدار الأهلية، بيروت 1980.