#فيروز_جبر تكتب: ريشة وأنثى .. باقة لونية ولقطة انسانية

كتب بواسطة: فيروز جبر في . القسم نقد كتاب

 

كالريشة تحملها النسمات .. تأخذنا أحيانا بعض الكلمات .. وتخطفنا من الصفحات الأولي فكرة جديدة تمزج بين الرسم والأدب من خلال 14 قصة قصيرة تقع في نحو 140 صفحة.

وقبيل كل قصة من ال 14 تري لوحة ملونة (معظمها ذات طابع كلاسيكي لفناني القرن العشرين) تعكس حالة ومرحلة عمرية ما للمرأة الطفلة والصبية والفتية والعجوز في أحوال متباينة مداً وجزراً بين الفرح والحزن والانكسار والانتظار، وتجاذبات المشاعر والشعائر.

هكذا ارتأى فادي رمزي (مهندس وصحفي) في باكورة انتاجه الأدبي. وبينما بني قصصه على تفسيره الخاص للوحات، تخرج أنت كمتلقي بشغف لمعرفة المزيد عن الصورة ومن رسمها والطابع الفني الذي تمثله والحقبة التي ُرسمت فيها. بل وبتفسيرك الشخصي الذي قد يختلف عن تفسير الكاتب بناء على خلفيتك وقراءتك المختلفة.

وعلاوة علي تميز فكرة الكتاب التي تستثير الفضول المعرفي والإنساني استوقفني أمرين:

أولا، رقي لغة الكتابة حتى في التعبير عن أدق المشاعر واللحظات الحميمة بحيث لن تخجل من مشاركته مع ابناءك وبناتك، وبحيث ستجد نفسك تلقائيا أمام لوحة بصرية سمعية تقيم حوار مع عقلك قبل أن تداعب مشاعرك.

ثانيا، أدهشني أن يكون رجل في مجتمع شرقي هو من كتب هذا العمل و َأقر ضمناً بمشاكل إرث فكر الرجال، وهي طفرة لم نعهدها كثيرا إن أردنا الانصاف.

ولأن ثراء أسلوب الكتابة هو ما يصنع اسم الكاتب ويثري الفكرة بل ويثرينا إنسانيا بمفردات وتعبيرات تزيد من مخزوننا اللغوي لنستدعيها تلقائيا في مواقف أخري (شأنها شأن الأمثال والأغنيات) يظل تذكر كلمات أو مد خطوط تحتها (من وجهة نظري على الأقل) من المعايير الهامة في تقييم العمل الأدبي ..

وهو ما لاحظته في حالة " ريشة و أنثي" مثل: "ملابس لا كاشفة و لا ساترة + ُجبل علي أن يحيط بها في لحظات انكسارها مثلما نعم كثيراً بأنوثتها في لحظات لمعانها+ أصبح أبا و حبيبا و صديقا بضمة واحدة + عاش كالدرع الحامي و الرفيق الواعي + كانت لحظات احتواء... كلها تكسب الحب نضجا + كان يتولد لا شعوريا بداخلها خط دفاع أخير يحميها من الاندفاع وراء نبضات قلبها + حاولت كثيرا أن أجعله يدرك أنني ارتوي بعمق الحب و ليس بسطحية شعائره + لم يتفهم ابدا أن دوره لا يكتمل بدونك .. يظنه يتنافس مع دورك".

وللموضوعية، لي بعض الملحوظات التي أرجو أن يتسع صدر الكاتب لها، أوجزها وفقا لاسم القصة.

· الاختيار الأول: كنت اتمني أن يتم وضع حاشية (footnote) توضح أن بنية القصة وتفسيرها يعتمد علي التفسير الأوروبي للخطية الأولي (خروج آدم و حواء من الجنة لأكلهم من تفاحة المعرفة) لأن القارئ العربي (المسلم تحديدا) تفسيره للخطيئة الأولي مختلف لأن الشجرة المحرمة لم ُتحدد هويتها (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ).

وبالتالي، قد لا يربط بين التفاحة والمعرفة (بسبب اختلاف الصورة الذهنية والتفسير) وقد لا يتفاعل بالتبعية مع القصة كما هو متوقع.

فتاة السور: شعرت أن هناك بعض التكرار لوصف السور الذي تتكئ عليه بطلة القصة (غيري قد لا يراها كذلك بالطبع).

بعد الحفلة: "غباء ..تفاهة .. سطحية ..أنانية ..استغلال " اختارها الكاتب كنمط متكرر بالقصة أو ما ُيطلق عليه في الأدب repeated motif الأشبه بالمذهب الموسيقي. لكني في الحقيقة لم اتفاعل بما يكفي مع إيقاع الكلمات الخمس، و شعرت أني بحاجة إلي مرادفات تعطي نفس المعني بجرس موسيقي و أوزان أكثر تقارباً تجبرني علي تذكرها و ترديدها. 

الجمال الخالد : شعرت أن استخدام " أنا" و أنوثة" كان مركز أكثر من اللازم في مونولوجات البطلة، حتي بدت كأنها تدور في فلكها الذاتي (ego-centric)، مما قد ُيشعر البعض بافتقاد الموضوعية. أتفهم بالطبع أن بنية القصة تعتمد علي البوح الشخصي و ليس العام (كونها تنظر في المرآة). إلا أننا كما نتحفظ علي الأنا الذكورية المهيمنة أغلب الأحيان علينا التحري أن تكون الذات الأنثوية متوازنة قدر الإمكان أيضا.

 

شأن أي قارئ، تأثرت ببعض قصص الكتاب أكثر من غيرها وهي تحديدا:

الغرفة: ِخلتني أنظر في المرآة وأردد ما تقول البطلة لو كنت في موقف مشابه.

احتواء: علاقة المودة والرحمة بين زوجين تقاسما الحياة بما فيها من أفراح واتراح وظلا مستشعرين دفء السنين رغم الشيب وزوال جمال الشكل الذي حل محله طلاوة الروح، تعكس صورة شديدة الإنسانية نرنو جميعا أن نعيشها يوما ما.

أمومة انثي أم أنوثة أم: رغم أني لست أم، إلا أن القصة التي حاكها الكاتب من وحي الصورة راقت لي، خاصة ما يتعلق بقرار المرأة في اختيار سَمْتها الشخصي باختلاف مراحلها الحياتية." لن يأخذ من جمالك إلا لو كان هذا قرارك .. فجمالك سابقا وحاليا ولاحقا “.

قرأت الكتاب في جلستين أمام البحر ومن مقدمته استوحيت عنوان مقالي. وأري أنه في مجمله بداية ُمبشرة للكاتب، الذي اتفقت معه في تفسيرات بعض اللوحات واختلفت معه في تفسيرات بعضها الآخر (أمر نسبي من متلقي لآخر). وفي كل الأحوال احترمت جداً رقي لغة الكتابة ونعومتها المتماشية مع كلاسيكية معظم اللوحات.

كما شعرت في بعض اللحظات أني استمع إلى كلمات .. ليست كالكلمات واستدعي صور واستحضر أطياف مواقف رأيتها تحدث لي ولغيري. فهكذا هو الفن .. و هكذا هي الحياة كما ارتآها الكاتب .. ريشة وأنثي!

فيروز جبر