11- الفرنسيون في القاهرة ( الحلقة الاخيرة )

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

ظل فرسان المماليك لمدة ساعة يهجمون علي كل جانب من جوانب المربعات الفرنسية ببسالة إنتحارية .. و تم صدهم في كل هجمة بخسائر فادحة . و بلغ من عنف الهجوم أن جيادهم المثخنه كانت تحمل بقوة الدفع وحدها لداخل صفوف الفرنسيين حيث يجهزون عليها هي وراكبها بسناكيهم و كعوب بنادقهم وقد أتي أفراد من المماليك من أعمال القوة و البسالة مالا يكاد يصدق بشهادة شهود محايدين .

كل هذا كان جديرا بالاعجاب و لكن لم يكن له نتيجة عملية .. فلما راى (مراد) الفرنسيين لا يتزحزحون أخذ فريقا من فرسانه و تقهقر للجيزة و منها لمصر الوسطي وترك من بقي لمصيرهم بعد أن قطع عليهم ديجوا خط الرجعه الي تحصينات إمبابة و طاردهم بون وفيال .

((في هذه المرحلة من المعركة وقع نزال عجيب بين الملازم ديفرنوا و مملوك جليل المنظر أبيض اللحية أثار غضب الملازم وهو يثب بجواده في إستعراض ملحوظ أمام فرقة بون .. فقد إندفع ديفرنوا من مربعة و هو يمتطي جواده و بدأت المبارزة علي مراى من الفرقة كلها و أجلي الملازم غريمه عن جواده بأول طلقة من مسدسه فتقدم نحو الجواد الفرنسي زاحفا علي يديه وركبتيه و لحيته الطويلة تكنس الارض وأعمل سيفه كالمنجل في قوائم الجواد ليكسرها و إستمرت هذه الحركة المدهشة برهه حتي حطم ديفرنوا راس المملوك بسيفه بينما خرج الجنود من طوابيرهم للاجهاز علي الشيخ

وقد ظفر الملازم بغنيمة وافرة عمامة صفراء مصنوعة من الكشمير و أكثر من خمسمائة قطعة نقود ذهبية مخيطة في طربوش عمامته وسيف رائع رصع غمده و طرف مقبضه بالذهب ، مقبض مصنوع من قرن خرتيت ،سلاحة من الصلب الدمشقي الاسود )).

(( كان جنود ديزيه و رينيه عاكفين علي تجريد جثث الاعداء المهزومين وسلب ما تحمله من غنيمة بينما كانت فرقتا بون و فبال تقتحمان المتاريس )).

يقول الجندى مييه (( كانت مجزرة بشعة و كان منظر جثث الرجال و الخيل رهيبا من كثرة ما أريق من الدماء))

وقد أبيبد جنود المشاة و المدفعية الالبان عن أخرهم أما من بقي من المماليك الذين طوردوا إلي ضفة النيل فلقد لجأوا للسباحة حتي ينجوا و في هذه الفوضي التي أحدثتها ذعر الهاربين ديس أيا بك الصغير تحت حوافر جواده أما إبراهيم بك الصغير فقد أغرقه وهو يسبح ملاح يوناني صاح به وهو يحطم رأسه ( يا ظالمين أنتم سبب هذه الداهية ) وغرق مئات من المماليك في النيل أو قتلوا بمدافعهم التي صوبها الفرنسيون إليهم بعد إحتلال تحصيناتهم )).

في هذه الاثناء كان إبراهيم بك وجيشه يشهدون الكارثة من بولاق علي الضفة اليمني ..

يقول الجبرتي وهو شاهد عيان
(( ضج العامة و الغوغاء من الرعية و أخلاط الناس بالصياح ورفع الاصوات بقولهم يا رب يا لطيف و يا رجال الله و هم يشهدون المعركة من الضفة الشرقية و كأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم و جلبتهم فكان العقلاء من الناس يصرخون فيهم ويأمرونهم بترك ذلك ويقولون لهم إن الرسول و الصحابة و المجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف و الحراب وضرب الرقاب لا برفع الاصوات و الصراخ و النباح .. فلا يستمعون و لا يرجعون عما هم فيه )).

(( ركبت طائفة كبيرة من الامراء و الاجناد من الضفة الشرقية و منهم إبراهيم بك الوالي وشرعوا في التعدية بالمراكب فتزاحموا علي المعادى لكون التعدية من محل واحد و المراكب قليلة جدا فلم يصلوا للبر الغربي حتي وقعت الهزيمة علي المحاربين
هذا و قد إشتد هبوب الريح النكباء و أمواج النهرفي قوة و الرمال يعلو غبارها و كون الريح في وجوه المصريين فلا يقدر أحد علي فتح عينيه من شدة الغبار و كون الريح قادمة من ناحية العدو كان ذلك من أعظم أسباب الهزيمة )).

يقول نيقولا الترك وهو شاهد أخر
((و كان أن قامت الحرب مدة ساعتين فقط ويالها من ساعة لا يقدر الوصف أن يصف عظيم الهول الذى وقع علي أهل البلد و لاسيما عندما سمعوا تلك النار الدائمة التي هي رعد متصل غير منفصل ثم أن أهل البلد رجعت من بولاق إلي المدينة في بكاء و نحيب يلطمون وجوههم ويقولون يا ويلنا قد وقعنا في أسر الافرنج )).

و الحق ان الذعر في القاهرة كان لا يوصف فكل الذين خرجوا منها إلي بولاق كانوا يتدفقون عليها راجعين و كل من كان بالقاهرة حاول الهروب منها ))

لاحظ الجملة التالية من فضلك
(( وكان البدو و الفلاحين الذين جلبوا من الريف و الصحراء للدفاع عن المدينة يهاجمون اللاجئين خارج أبواب المدينة و ينهبوهم و يغتصبوهم بل لقد جردوا البعض من ثيابهم)).. ((ولما خيم الليل بدأت أعمال النهب و السلب وأحرق قصرا إبراهيم و مراد )) ...

إنه مشهد متكرر مع سقوط الطغاة و أدواتهم ولكن أغلبهم لا يعلمون .

يقول الجبرتي
(( كانت ليلة و صباحها في غاية الشناعة جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر و لا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين فمن رأى ليس كمن سمع )).

كتب نابليون في تاريخ الحملة .
(( لقد وجدوا بين متاع البكوات و الكشاف مقادير وافرة من الحلوى و كميات كبيرة من السجاجيد و الصيني و الاواني الفضية )).

وباتت منائر القاهرة طول الليل ينعكس ظلها بسبب اللهب الذى تصاعد من 300 سفينة مملوكية أشعل أصحابها فيها النار وعكف الجنود في الايام التالية للمعركة علي تصيد الجثث من النيل وقد وجدوا مع كثير منها200 أو 300 قطعة نقود ذهبية.

(( في غداة المعركة أرسل الشيوخ و العلماء المجتمعين في الازهر و فدا إلي بونابرت يفاوضه في شروط التسليم ))

لم يتغير رجال الازهر هذا كسياسة ثابتة لهم منذ المعز لدين الله حتي يومنا هذا .. لقد تعدل من يملأ أنجر الفتة فليتغير ولاء الازهرجية

(( بعد المفاوضات عين بونابرت لجنة من خمسة برئاسة الجنرال ديبوى الذى أقامه حاكما علي القاهرة ويقول مالو أحد أعضاء اللجنة أنه لما هبط الليل دخل الضباط الخمسة القاهرة تحرسهم سريتان من المشاة علي عزف الموسيقي و كان سكانها يبلغون 300.000 و لم نلق إنسان واحد في طريقنا يدلنا علي وجود أهالي إلا صرخات النساء المتصاعدة من جميع المنازل)).

(( وكان قصر مراد يحترق و قضي الضباط ليلتهم في بيت أحد الكشاف و في الغد إستولوا علي بيت محمد بك الالفي في بركة الازبكية ليكون مقرا لقيادة بونابرت .

في 24 يوليودخل القائد الاعلي مدينة القاهرة علي رأس قليل من الجنود ونزل بقصر الالفي و في اليوم ذاته كتب تقريره إلي الادارة و ضمنه أعماله منذ غادر الاسكندرية و قد لخص إنطباعه العام عن مصر في هذه العبارة
(( من الصعب أن يجد الانسان بلدا أكثر غني و شعبا أشد بؤسا و جهلا و ضراوة )).

في تقريره هذا ورد (( إن القاهرة التي يسكنها 300.000 نفس تضم أقبح ما تضم مدينة من غوغاء علي أنهم إن لم يكونوا الاقبح فهم علي الاقل أكثر الناس تعددا للالوان إذ هم يتفاوتون بين النوبيين السود إلي الجراكسة ناصعي البياض .. وكان المصرى العادى أى كان لونه يعلوا مقدار قامة علي الفرنسي العادى و يرتدى ثيابا أزهي و له سحنة تنذر بقطع الرقاب سواء عبست أو إبتسمت مع أنها تخفي نفسا غاية في الرقة و اللطف )).

علي أن أبرز معالم القاهرة في ذلك الزمن كان إنعدام الراحة

يقول رئيس الصيارفة بيروس
(( إن المدينة غير جديرة بسمعتها العظيمة فهي قذرة رديئة المباني تملؤها الكلاب البشعة )).

الميجور ديتروا
(( ماذا تجد عند دخولك القاهرة ؟ شوارع ضيقة قذرة غير مرصوفة و بيوتا مظلمة متداعية و أبنية عامة تبدو كالسجون و حوانيت أشبه بمرابط الخيل وجوا مشبعا برائحة التراب و عطر القمامة و عميانا و عورا و رجالا ملتحين و أشخاص يرتدون أسمالا محشورين في الشوارع أو قاعدين يدخنون قصباتهم كالقردة أمام مدخل كهفهم و نساء قليلات منكرات الصوره و الصوت يخفين وجوههن العجفاء وراء خرق نتنه و يبدين صدورهن المتهدلة من أرديتهن الممزقة و أطفالا صفر الوجوه رقاق الاجساد ينتشر الصديد علي جلدهم و ينهشهم الذباب ورائحة كريهه منبعثة من الاوساخ داخل البيوت ومن التراب في الهواء و من قلي الاطعمه بزيت رديء في الاسواق عديمة التهوية ))

أما إهتمامات الذهن الراقية فقد جازت ظروفا عصيبة ولم يكن يحسن القراءة سوى الاقباط و حفنة من المشايخ و لم يكن بمصر مطبعة و لم تعرف البلاد طواحين الهواء و لا عربات الجر ذات العجل التي أدخلها الفرنسيون .

نقول كمان لم تعرف البلاد عربات الجر ذات العجل التي أدخلها الفرنسيون .

هذا الكتاب الذى إستعرضنا بعض مما فيه من معلومات كتبه صاحبة عام 1962 و ترجمه الاستاذ فؤاد أندراوس عام 1986 و مع ذلك سنجد أن بعض مقاطعه طازجة كما لو كانت قد كتبت لتمس الحاضر.. فلنقرا .

(( أما الجامع الازهر الذى كان فيما مضي مركزا للثقافة الاسلامية فهو و إن إحتفظ بسمعته بين أهل التقوى و الصلاح إلا أنه حفل بالمتعصبين من الشحاذين و الدراويش و كانت مدرسته معقلا للمحافظين فعطل طلب العلم أكثر مما شجعه و هكذا إستحالت مصر التي كانت أغني بلاد الدنيا و مهد الحضارة الانسانية صورة مجسمة للجهل و الفقر و الخرافة و المرض و الاستهانة بكرامة الانسان ))

بتقول إيه يا عم كريستوفر ((الاستهانة بكرامة الانسان ))!! .. شكرا يا ذوق أوعي تكون إنت اللي فتنت علينا عند مستر ترامب .

محمد حسين يونس