10 - ما قبل الاحتلال .. معركة إمبابة (الاهرام )

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

إستراح الفرنسيون حوالي ثلاث ساعات بعد معركة شبراخيت ثم عاودوا الزحف.

(( في فجر 14 يوليو لحق نابليون بفرقتي الطليعة و هما واقفتان لتوزيع الجراية علي الجنود فسخط ورفض قبول تعليلات ديزية و رينية القائدان و أمر بإستئناف الزحف فورا )).

خلال الايام الاربعة التالية (( كان الرجال يموتون إختناقا من الحر و المرء يشعر كأنه يمر أمام آتون مشتعل..أما العذاب الذى لقيه رجال المدفعية و جيادهم فأشد وأنكي ففي كل بضع مئات من الياردات قنوات رى جافة تعترض طريق عربات المدافع فتحطمت العجلات و الدناجل بإنتظام يدعوا لليأس و كان من الضرورى إصلاحها فورا مع تسوية ضفاف القنوات الكبيرة و تمهيدها للمرور عليها .))
((وبدا أن النظام أخذ يتحطم تماما بعد أن أمكن إستعادته فترة وجيزة خلال يوم المعركة ))

يقول اللواء بليار ((إن الجيش علي الحملة متذمر و الضباط يسمحون لجنودهم بالانتشارفي مختلف القرى الواقعة علي الطريق و أخذ ما يستطيعون العثور عليه منها دون إكتراث)).

و يقول الجاويش فرنسوا ((أن قرية رفضت إمداد الفرنسيين بالبضائع التي طلبوها فضرب أهلها بحد السيف و أحرقت بالنار و ذبح و أحرق 900 رجل و إمراة و طفل ليكونا عبرة لشعب همجي متوحش ))....همجي !!

(( وقد يكون فرانسوا مغاليا في تقدير أعداد الضحايا و لكن هذا المشهد كان يقع مرارا و تكرارا )).

يصف الكولونيل لوجية مشهدا منها (( في 14 يوليو وصلنا إلي قرية (نكلة) و كانت فرقتا بون وفيال تعملان فيها النهب و السلب و أحدثت صيحات الرجال و ولولة النساء ضجيجا رهيبا و تسلقت النساء أسطح المنازل و كلما رأين فرنسيا علي صهوة جواد نادينه و أظهرن له فجيعتهن بالتلويح خلفا و أماما بطرح يمسكنها بكلتا اليدين ثم يختمن شكواهن بالتعديد الباكي .

كل هذا حدث تحت بصر القائد الاعلي الذى أصدر الاوامر للجنرال ديجا بالبقاء في القرية ليعيد لها النظام ويحصل علي زاد لجنوده )).
(( وكان علي الجنرال ديجا أن يذلل عقبات لا تخطر ببال و بدلا من أن يعاونه الضباط زادوه عنتا علي عنت بلومه علي نقص مئونتهم في مختلف الاشياء و بإظهار عصيانهم علي مرأى من الجنود و ما أن إتخذت الخطوات لوقف أعمال إلاخلال بالنظام حتي تغير حال الاهالي من الخوف و اليأس إلي الثقة بل الفرح و تسلم الجنود بعض الخبز المحلي و الارز و اللحم )).

(( و اخيرا منح الجنود راحة في وردان حيث تجمع الجيش كله في 18 يوليو ثم إستؤنف الزحف في 20 يوليو .. و كان معظم الضباط قد إستسلموا لما يقوم به الجنود من أعمال النهب و السلب لان نظام التموين كان قد إنهار..و كان الضباط العاجزون عن النهب يرقبون رجالهم في شيء من الحسد و هم يشوون ما سرقوا من حمام و دجاج و خراف مستخدمين القضبان التي يعبئون بها بنادقهم كأسياخ للشي .
فإذا ما أشبع الجنود نهمهم هيأوا لانفسهم قدر المستطاع فرشا من القش أو أكوام الاغصان ناسين قيظ النهار في رطوبة الليل ))

ذلك كان حال جيش الشرق الفرنسي حين وصل عشية 20 يوليو إلي( أم دينار) علي بعد حوالي 18 ميلا شمال القاهرة حيث تلقي نابليون نبأ تنظيم المماليك قواتهم و توزيعها للدفاع عن العاصمة .

(( كان مراد بك ينتظر الفرنسيين علي ضفة النيل اليسرى امام بولاق بقرية إمبابة ..وإبراهيم بك عسكر في بولاق ببقية المماليك وجيش المتطوعين ليقطع الطريق علي الفرنسيين إذا بلغوا الضفة اليمني... أما في النيل نفسه فكان أسطول المماليك ينتظر الفرنسيين ))
و أبهج النبأ بونابرت ((فلو أن مراد قرر أن ينتظر علي الضفة اليمني لأاصبح قادرا علي خلق المتاعب للفرنسيين أثناء عبور النيل و أظهرتفوقا أكيدا .. أما الان فهو قد وقف بالضبط حيث يريده بونابرت))

(( في الساعة الثانية من صباح 21 يوليو صدر الامر للجيش بالزحف علي إمبابة و الالتحام مع المماليك في معركة حاسمة .))
بلغ الجيش وجهته في الساعة الثانية بعد الظهر في أشد أوقات النهار قيظا ليجد علي بعد ميل طوابير المماليك المصطفة للمعركة و لاحت من خلفها الاهرامات بكتلتها الضخمة الغامضة علي بعد عشرة أميال فأتيحت لهم راحة ساعة واحدة.. اكلوا فيها الشمام الذى كان يملأ الغيطان قبل أن يصدر بونابرت أمره بالهجوم.

((أمر بونابرت الفرق أن تشكل مربعات كما حدث في شبراخيت ثم خطب في جنوده قائلا ((أيها الجنود إن أربعين قرنا تنظر إليكم من قمة هذه الاهرامات )).

يقول المؤلف (( في الحقيقة لم يتح له لا الوقت و لا الصوت اللازمان ليخطب في رجاله الذين إنتشروا علي عدة أميال و الذين كان معظمهم إلي ذلك الحين حائرين في أمر هذه الاهرامات و أغلب الظن أنه أبدى هذه الملاحظةللضباط الذين إتفق وجودهم حوله )).

(( عدد قوات الفرنسيين الذين إشتبكوا في المعركة حوالي 25 الف رجل و هو رقم أقرب للواقع أما قوة المماليك كما قدرها البعض حوالي 6000 فارس مملوكي يعززهم حوالي 10 الاف من المشاة ))

و عموما فإن البدو و المشاة من غير الجنود الالبانيين الذين يتبعوا الوالي كانو عديمي النفع و يمكن إسقاطهم من حسابات المعركة بمعني أن الفرنسيين كانوا يشكلون تفوقا عدديا حاسما .

أما تفوق الخطط و التحركات العسكرية الفرنسية فقد كان يعتمد إعتمادا كاملا علي الضبط و الربط و الالتزام بالطوابير و تعليمات الضباط و كان أقل ذعر او ضعف خليقا بأن يجر كارثة علي فرقة بكاملها أو أكثر .

ورغم ان المماليك كانوا يحاربون علي أرضهم و قد نالوا قسطا وافرا من الراحة و الفرنسيين مجهدين منهكين يتحركون علي أرض غريبة و هم جياع أضنتهم الدوسينتاريا إلا أن نتيجة المعركة لم تكن مقررة سلفا .

كان علم مراد بك بالخطط و التحركات العسكرية بدائيا ولكنه كان يمتلك الموهبة الفطرية و العين اللماحة بحيث لاحظ أن بونابرت يحاول أن يلتف علية و يقطع خطوط الرجعه .. فأمر المماليك بالهجوم الفورى علي فرقتي المواجهه ديزيه و رينيه و نفذ الهجوم في سرعة و إصرار لا يخطران بالبال .

إنتظرت طوابير ديزية التي لم تكتمل إصطفافها حتي أصبح المماليك في مرمي نيرانهم فأطلقوا عليهم وابلا من القذائف فاوقفتهم عن إستكمال الهجوم أما قوات رينيه فيقص الملازم فرتراى أنه

(( أصدر الجنرال أمره بتشكيل الطوابير و في لحظه أتممنا التشكيل و جعلنا عمقة عشرة صفوف ليستوعب الصدمة و تمت الحركة بغاية الدقة و الهدوء ...و أطلق الجنود نيرانهم في ثبات كبير فلم تضع طلقة سدى لانهم إنتظروا حتي اللحظة التي أوشك الفرسان علي إختراق مربعنا و أصبحوا في مدى قوس النيران

وسرعان ما تكاثرت الجثث المحيطة بموقعنا فأخذنا ثياب الموتي و الجرحي من المماليك بعد أن إخترقت حشوات بنادقنا و رصاصنا ملابسهم العسكرية الفاخرة التي طرزت بالذهب و الفضة و كانت تتماوج كالحرير )).

في هذة الاثناء كانت فرقة ديجوا قد فصلت خيالة المماليك عن تحصيناتهم بإمبابة وراحت تقذف مؤخراتهم بمدافع الهاوتزر في حين إستعد فيال وبون لاقتحام التحصينات و الاستيلاء عليها عنوة.

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس