9 - بونابرت يواجه المماليك.. في شبراخيت

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

يقول فرترى أن الفرق الخمسة كلها إجتمعت عند الرحمانية 11 يوليو و أعلن أن الجنرال بونابرت سيستعرضها بعد الظهر(( وقضينا الصباح كله في إصلاح هندامنا وعتادنا وظل الجنود ينظفون و ينفضون و يصقلون حتي الظهر )).

في الساعة الثالثة أعلن دق الطبول قدوم القائد الاعلي و وقفت الفرق الخمسة مصطفة في طوابيرها و توقف بونابرت بموكبه امام كل منها و دعا ضباطها إليه و وجه إليهم الخطاب قائلا أن الجيش قد يلتق بالمماليك غدا وجها لوجه وهو لا يخامره شك في أن الجيش الذى إنتصرفي حملات الراين و السامبر و الموز سينتصر إنتصارا مجيدا علي هؤلاء الهمج .

و نقل الضباط كلماته إلي وحداتهم و يقول فرترى أن أثرها كان عظيما

(( بدا أن بونابرت أقنعنا علي الاقل بأهمية خططه .. و أعلن قائد كل كتيبة علي رجاله أن المعركة علي الابواب فتلقي الجيش كله النبأ بحماس و لما صرف الجنود و إنفضت طوابيرهم أخذوا يفحصون سلاحهم بغاية العناية و الدقة و يشحذون سناكيهم و يختبرون أزنادهم و يتغنون كأنهم يتهيأون لحضور مأدبة ))

(( و كان بونابرت قد تلقي نبأ عن طريق جواسيسه المأجورين مفاداه أن مراد بك علي رأس ثلاثة الاف أو أربعة الاف فارس و عدة الاف من المشاة و أسطول من الزوارق الحربية يدنون من بلدة شبراخيت علي بعد ثمانية أميال من الرحمانية )).

(( وكانت فرقة ديزيه قد إلتقت في مناوشة يوم 10 يوليو بكتيبة من المماليك قوامها 300 فارس يقودها محمد بك الالفي و صدت المدفعية الفرنسية هجوم المماليك المفتقر للنظام بسهولة و دون خسائر )).

و هكذا قرر بونابرت مواجهة مراد بك في شبراخيت . فأصدر الاوامر لكل القوات بالتحرك بطريق منية سلامة إلي شبراخيت لتتوقف قبل فجر 13 يوليو بما فيها أسطول بيريةالذى كان علية تعزيز عمليات الجيش و نقل غير المحاربين.

(( إذا إستثنينا وقفة قصيرة في منية سلامة فإن الجيش سار أكثر ساعات ليلة 12-13 يوليو و لاحت له شبراخيت قبل الفجر )).

(( و ما أن وقف الجيش أمام شبراخيت حتي أمر بونابرت كل فرقة أن تشكل مربعا طول كل ضلع منه سته طوابير و وضع في قلب المربع الفرسان القليلين و عربات الامتعة أما المدفعية فوضعت في زوايا المربعات )).

(( عند شروق الشمس إنطلقت فجأة موسيقي حربية فقد أمر القائد بعزف المارسلييز و مع صوته لاح لهم فجأة منظر فرسان المماليك و قد إصطفوا للمعركة)).

(( كانت الصحراء تمتد إلي الخلف و من فوقها السماء زرقاء و أمامنا الخيول العربية الجميلة المطهمة تنفخ و تصهل و تطفر في رشاقة و خفة تحت راكبيها من المقاتلين المدججين بسلاح يخطف الابصار مرصع بالذهب و الجواهر أما ملابسهم فزاهية الالوان و عمائمهم يعلوها ريش مالك حزين و بعضهم يلبسون الخوذات المذهبة و السلاح سيوف و رماح و صوالج و حراب و بنادق و بلط و خناجر و يحمل كل منهم ثلاث أزواج من الطبنجات)).

(( كان هذا الخط المتألق ببريقه يمتد علي شكل المنجل من النيل في شبراخيت إلي جنوب المربعات الفرنسية و غربها و إنعكست شمس الصباح علي أسلحتهم و علي الاهلة و الكرات النحاسية المعلقة علي قمة خيامهم و أعلامهم و إلي الخلف وقف مشاة في غير تشكيلات واضحة بلغ عددهم حوالي ال10000 وهم خدم المماليك و بعض الفلاحين المهيئين للقتال و المسلحين بالنبابيت .
الفرسان منطلقون إلي الخلف و الامام علي طول الخط فيشعر الناظر بالكثير من النشاط و الاستعداد))

(( و ما من مشهد يجمع الرشاقة إلي القوة كمشهد جواد عربي يمتطي صهوته فارس ..))

((ولابد أن الجيش الفرنسي المنهك الذى يتعثر وسط الصحراء و الارض الزراعية المشققة قد أدهشة منظر هذه العافية الراقصة و هذه القوة الرشيقة وهذا الجمال المقترن بالصلابة )).

و مع ذلك فإن الجمال و الرشاقة و الجراءة لم يكن لها أقل أمل في التفوق علي نظام هؤلاء المشاة المتعبين و تدريبهم .

(( كان جيش المماليك بتعزيزاته من المشاة أقل كثيرا من عددالجيش الفرنسي .
كان كل مملوك جبخانة أسلحة تمتطي جواد فهذا الفارس الذى يركب علي الطريقة القوقازية يطلق أولا قربينته ثم يدسها تحت فخذه و بعده طبنجاته و يقذف بها من فوق كتفه ليلتقطها خدمه بعد حين ثم يقذف الجريد الفتاك و هو سهام طولها أربعة أقدام مصنوعة من جريد النخل و أخيرا يهاجم بسيفه الاحدب و قد يحمل سيفين في نفس الوقت يضرب بهما و لجام الجواد بين نواجذه.

وقد علمته سنوات طويلة من المران أن يفصل الراس عن الجسد بضربة عكسية لا ثاني لها ... هذا المملوك الذى مارس فنون الحرب و هو في الثانية عشر لا يعرف الخوف و لا الحب وهو لا يؤسرفي الاغلب الاعم فهو إما منتصر أو مقتول أو هارب بسرعة البرق التي هاجم بها عدوه .. وقد حمله هذا علي أن يأخذ معه أينما سار ثروة لا يستهان بها من الجواهر و الثياب و النقود ))

((حين أنبيء مراد بك قبل إلتحامه لاول مرة بالفرنسيين أن جيش بونابرت لا يكاد يملك خيالة ضحك عاليا و قال مفاخرا إنه سيشرحهم كما يشرح الشمام فلما راى الفرنسيين و هم يصطفون في مربعات أخذته الحيرة كالتي يحسها كلب صيد حين يصادف قنفذ لاول مرة في حياته و ظل الفرسان المماليك لثلاث ساعات لا يفعلون شيئا إلا أن يحوموا حول الفرنسيين بفصائل صغيرة يبحثون عن مغمز في طوابيرهم))

((ثم إلتقي الاسطولان وجها لوجه علي النيل بين الساعة الثامنة و التاسعة وبدأ إطلاق المدافع و بعد قليل بدأ فرسان المماليك هجومهم أخر الامر .))

(( فأما علي اليابس فإن القتال لم يبلغ قط مبلغ المعركة الحقيقية فما أن أصبح المماليك علي مرمي مربع من مربعات الجيش الفرنسي حتي توقفهم ستار نارى من قنابل المدافع و القنابل اليدوية و الرش و رصاص الاسلحة الصغيرة و قد حاولوا إختراق مربع تلو الاخر من كل جانب يستطيعون الدنو منه و في كل مرة يجدون القنفذ نفسه و بعد ساعة إنسحبوا إلي مواقعهم و أمر بونابرت فرقه أن تبدأ الهجوم و تخفف الضغط علي الاسطول الذى كان حظه في التوفيق دون جظ القوات البرية )).

(( إذا إستثنينا الناقلات التي إلتزمت المؤخره و وقفت علي الشمال .. فإن أسطول بيرية كان بتألف من ثلاثة قوارب حربية و كانت نيرانه قوية محكمة وسفينه خفيفة بالاضافة الي الشبك لوسيرف... أما أسطول المماليك الذى كان مزودا بملاحين من اليونان فمؤلف من سبعة قوارب حربية و كانت نيرانه أيضا قوية و محكمة . و بعد قليل إضطر بيرية إلي إخلاء السفينة و قاربين من قواربه و تركها للعدو و جرح هو نفسة جرحا طفيفا ولم يبق إلا لوسيرف و القارب الثالث بعد أن أثقلهما المدنيون و الرجال الذين إلتقطوا من القوارب المهجورة فظلا يقاومان النيران التي تنصب عليهما من سفن العدو السبعة و من بطاريات وضعها المماليك علي ضفة النيل في شبراخيت و أخلاط من الذين راحوا يطلقون النار من شتي الاسلحة )).

((يقول بورين انه حوالي الحادية عشر أخبره بيريه أنه مالم تبادر القوات البرية بنجدته فورا فإن الموقف أصبح ميئوسا منه )).

(( و كان الترك قد صعدوا إلي عدة سفن من سفننا(الناقلات) و أخذوا يذبحون ملاحيها تحت بصرنا بوحشية فظيعة و شهر الاخرون رءوسهم و هم يقبضون عليها من شعورها )) .

فإنضم المدنيين للجنود في القتال و ضرب النار دفاعا عن أنفسهم حتي أصابت سفينة لوسيرف سفينة قائد أسطول المماليك بضربة مباشرة و كانت تحمل بعض الذخيرة

يقول نيقولا الترك (( فسقطت إحدى القنابل علي المركب الذى كانت به الجبخانة فطار البارود و إحترق المركب و ما كان بقربه من مراكب و كانت الناس تتطاير في الجو كالطيور )).

((إن هذا المنظرجعل الفرنسيون يغرقون في ضحكات هستيرية و أحدث ذعرا في صفوف المماليك علي اليابسة و الماء و كانت خيالة المماليك علي وشك مهاجمة الفرنسيين فبدلا من أن يهجموا لاذوا هم و أتباعهم بالفرار )).

و إحتل الفرنسيون شبراخيت دون مزيدا من المقاومة ودون خسائر بين القوات البرية أما البحرية (( لقد جرح من رجالي عشرون و قتل نفر و فقدت سيفي و قطعة صغيرة من ذراعي الايسر )) هكذا كتب مساعد الاميرال بيريه في تقريره .

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس