8- في القاهرة .. فليباد النصارى .

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

و كان السيد محمد كريم قد أرسل في العشية السابقة بواسطة ما لا يقل عن ثلاثة عشر رسولا من الاسكندرية إلي مراد بك بالقاهرة.الرسالة التالية:

(( سيدى إن العمارة التي حضرت مراكب عديدة ما لها أول يعرف و لا أخر يوصف .. لله ورسوله أدركونا بالرجال)).

فلم يكن لديه ما يستطيع عمله ذلك أن المدافعين عن الاسكندرية فيما روى نيقولا الترك لم يكن لديهم غير برميل واحد من البارود لمدفعيتهم أما الخيالة إذا إستثنينا البدو عديمي النفع فلم يكن منهم أكثر من عشرين مملوكا .

نفي الباشا التركي أمام الديوان تهمة مراد بك بمعرفته المسبقة بالحملة أو علاقة السلطان بها و قال:
(( لا يصح هذا الكلام ..إن الدولة العلية لا يمكن أن تسمح بمثل هذا الامر علي بلاد الاسلام فدعوكم من هذا الحديث وشدوا همتكم وصونوا بيتكم و إنهضوا نهضة الابطال و إستعدوا للحرب و القتال و قدموا ذواتكم للمغازاة و فوضوا الامر لله )).

(( فلما إنتهي الديوان لهذا القرار أشار بعض البكوات بأنه يحسن قبل بدء المعركة أن يباد جميع النصارى من سكان القاهرة.. و ناقش المجتمعون فوائد هذا الاقتراح فإعترض عليه الباشا و إبراهيم بك شيخ البلد ثم إستقر الراى علي سجنهم )).

(( تقلد الاهالي السلاح بينما الائمة و العلماء يحضون المؤمنين علي قتل الغزاة ))

((وبعد يومين من وصول نبأ نزول الفرنسيين غادر مراد بك القاهرة علي رأس جيش مخلط فيه نحو ثلاثة أو اربعة الاف من فرسان المماليك و أتبعهم المسلحين و المتطوعين القاهريين و البدوالذين دعاهم لمعاونته لتصبح عدة الجيش حوالي 20000 رجل و أمر أسطولا من المراكب و الغلايين المسلحة بالمدافع بالتقدم شمالا و مساعدة الجيش في حالة الضرورة )).

((ران علي القاهرة فزع صامت بعد رحيل مراد بك فأفقرت شوارعها إلا من اللصوص و رغبة في تهدئة الخواطر و تجنب أعمال النهب والسلب أو حالة الذعر إذا ما شن العدو هجوما مفاجئا علي المدينة أمر البوليس بفتح المقاهي طول الليل و تعليق قناديل علي البيوت و الدكاكين.

و يقول الجبرتي (أنه مع ذلك كان الاغنياء ينقلون أمتعتهم إلي المخابيء في الريف و يستعدون للهروب من المدينة و بينما كانت الانباء تتواتر بتقدم الفرنسيين كانت العلماء تجتمع بالازهر كل يوم يقرأون البخارى و يرددون الدعوات و كذلك مشايخ الفقراء و كان أطفال الكتاتيب يذكرون الاسم اللطيف و غيرة من الاسماء)(يا ربنا يا لطيف نجنا من الفرنسيس ).

وفي الثالث من صفر 11 يوليو نادوا بالنفير العام و خروج الناس للمتاريس و كرروا المناداة فأغلق الناس الدكاكين و الاسواق و خرج الجميع لبر بولاق..))

(( خرج أرباب الاشاير و الطبول و الزمور و الاعلام و الطاسات و هم يضجون و يصيحون و يتلون الاذكار المتنوعة و صعد السيد عمر أفندى نقيب الاشراف إلي القلعة وعاد و معه بيرقا كبيرا اطلق العامة عليه البيرق النبوى فنشره بين يديه من القلعة حتي بولاق وحوله الوف من العامة بالنبابيت و العصي يهللون و يكبرون و يكثرون من الصياح .. ولو كانت المعارك تكسب بالضجيج أو كان في الامكان نقل الحيرة والاضطراب إلي صفوف الاعداء لكان للمصريين تفوقا حاسما علي الفرنسيين )).

(( لم يبق بالقاهرة سوى الشيوخ و النساء و الاطفال و إحتشد ببولاق جميع الذكور من المسلمين القادرين علي حمل السلاح( لايقل عن مائة الف ) وزادت أسعار الطعام بأسرع من زيادة المحاربين و عمت الفوضي و إنتشر النهب و السلب في الريف المحيط بالقاهرة و لم تكن حيرة القادة بأقل من حيرة الجماهير و تضاربت المعلومات عن الطريق الذى إتخذه الفرنسيون

و يقول الجبرتي (( ليس لاحد من أمراء العسكر همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم القتال قبل دخولهم )).

فلما ظهر الفرنسيون أخر الامر في 12 يوليو لم تتح لواحد من رجال إبراهيم فرصة إطلاق رصاصة أو رفع نبوت ))

قال بونابرت أن كلمة مستحيل لا وجود لها في قاموسه و قال أنه إذا إستقر رايه علي شيئا ضروريا فإن في إستطاعته تنفيذه و في إستطاعة الاخرين أيضا

(( كان الجنود لا يزالون ينزلون إلي البر حين أصدر الجنرال بونابرت أمرة لفرقةالجنرال ديزيه ببدء الزحف علي دمنهور و بدأ الزحف عند هبوط الظلام فقد كانوا معسكرين في الخلاء خارج الاسكندرية ثم تبعتهم في5 يوليو فرقة رينية و تقرر أن تتلو الفرقتين الفرق الثلاث الباقية في اليومين التاليين إثنتان بطريق دمنهور و الثالثة بطريق رشيد و أن يلتقي الجيش كله في الرحمانية علي الفرع الايسر لدلتا النيل والمسافات بين هذه البلاد لا تبدو ذات بال علي الخريطة فهي خمسة و اربعون ميلا من الاسكندرية غلي دمنهور و خمسة عشر أخرى من دمنهور للرحمانية و جملة الرحلة ثلاثة أيام ولكن الظروف المحيطة بالزحف يصفها أكثر الناس بأنها مستحيلة )).

(( كان بونابرت مصمما علي الوفاء بوعده يوم زعم أن الفرنسيين لم يأتوا إلا أصدقاء و محررين و كان هذا ضرورة حربية و سياسية لا مناص منها لحملة صغيرة العدد في خضم من شعب معاد متعصب عديم الثقة سهل الانفعال لذلك نوى أن يدفع نقدا ثمن جميع المؤن المشتراه و الاشغال التي تؤدى للحملة .. و لما كان رصيده من النقود ضعيفا و لم تكن بالاسكندرية دار لسك النقود لم يكن بد من القروض و من مبادلة بعض السبائك الذهبية و الفضية التي إستولت عليهاالحملة في مالطة باسعار غير مجزية و نشأ عن هذا بطء شديد في عملية تموين الجيش )).

(( أما وسائل النقل فلم تكن متيسرة كان كثير من الخيل في حالة سيئة و كان عددها علي أى حال لا يكفي و إضطر معظم الفرسان إلي السير علي الاقدام و قد أثقلتهم العدة و السيوف التي يحملونها و كانت عربات التموين و المدفعية تجرها الخيل غاية في الفوضي فتركت فرقة ديزيه بغير مدفعية .. وعلاجا للموقف إعتمد بونابرت إلي حد ما علي معاهدة عقدها في 5 يوليو مع نفر من شيوخ القبائل العرب فأغرى بمعاونة السيد محمد كريم ثلاثة عشر شيخا من كبار شيوخ البدو علي التوجه إلي مقر قيادته و هناك أجلسوا في دائرة توسطها بونابرت... و تم الاتفاق علي أن يمد البدو الفرنسيين بثلاثمائة جواد و خمسمائة جمل يدفع ثمنها نقدا و أن يؤجروا لهم 1000 جمل و جمال ويردوا الاسرى الذين أسروهم أثناء زحف الفرنسيين علي الاسكندرية و لسوء الحظ لم يتم تنفيذ شيء من هذا كلة إلا رد الاسرى .. فقبل أن تسلم الخيل و الجمال وصلت رسالة إلي البدو من علماء القاهرة و مشايخها تدعوهم للجهاد ضد الغزاة )).

اثناء السير من الاسكندرية للبيضة عبر الصحراء كانت المياة و المؤن قد نفذت و أصبحت الرحلة في مجملها تحت وهج شمس يوليو عذاب فكتب ديزية إلي نابليون .

(( إننا في حالة سيئة جدا ))و ((أضاف أنه ما زال ينتظر مدفعيته و أن علائق الخيل نضبت و نحن نحاول أن ندبر أمورنا قدر المستطاع )).
وقد أجمل نابليون بعد عشرين سنة موقف جنوده في العبارة التالية (( إن المسافة بين الاسكندرية و دمنهور خمسة و أربعين ميلا و هذا السهل يرويه عادة فيضان النيل و لكن حدث أنه لم يرو في سنه 1797 و كنا في الفصل الذى ينخفض فيه مستوى الماء في النيل إلي أدناه و جفت الابار ولم يتمكن من العثور علي المياه علي طول الطريق من الاسكندرية للبيضة و لم يكن الجيش معدا للزحف في منطقة كهذه و قد عاني الامرين من حرارة الشمس و قلة الظل فكره هذه السهول المهجورة و كره البدو علي الاخص )).

في الساعة الثامنة من صباح 6 يوليو يقول فرتزى في نوبة إبتهاج(( كانت البئر مملوءة بماء عذب سلسبيل يكفي جيشا من 40000 رجل فيا لها من مفاجأة لذيذة يا لها من فرحة غامرة و عينت فرقة من الرماة لتقف حول بئر الكريون منعا لتكرار ما حدث من عراك حول آبار البيضة وفي أقل من نصف ساعة كانت الفرقة كلها قد روت ظمأها )).

(( كان إرسال أربع فرق أى نحو 18000 رجل بغير مؤن كافية عبر الصحراء مخاطرة متعمدة و إن كنت نسبيا صغيرة لقد وصلت الفرق كلها بين 6 و 9 يوليو و بدت خسائرها علي الورق ضئيلة بضع مئات ماتوا أو إنتحروا أو قتلهم البدو أما الباقون فقد (زحزحوا حدود الطاقة البشرية ) و هي عبارة كان يطيب لبونابرت ترديدها لقد كان اليأس و العذاب ثمنا تافها لقاء إسبوع يكسب )).

(( سارت الامور مع جنود ديجا إجمالا خيرا مما سارت مع الفرق الاخرى و قد أدهشهم أن يخرج ماء شرب صاف و هم يحفرون علي بعد ياردات من ساحل البحر وكانت الاميال القليلة الاخيرة الباقية علي رشيد أرضا خشنة لم يكن بد من أن ينتشر فوقها مزيد من جثث الجنود الذين ماتوا عطشا أو رموا أنفسهم بالرصاص و لكن منظر رشيد كان مفاجأة سارة حين بلغها اول المشاة حوالي ظهر 8 يوليو و كان الخيالة قد دخلوها في الصباح دون أن يلقوا أى مقاومة ( كان جميع السكان علي عتبات بيوتهم و جميع الحوانيت مفتوحة ) السكان رحبوا بالفرنسيين وقدموا لهم الخبز و الماء و الفاكهه (بالثمن بالطبع ) وكانت الاسعار معقولة و الطعام متوفرأما المدينة نفسها فقد بدت اوروبية بالقياس إلي الاسكندرية و بدت رشيد للجنود غاية ما يشتهون مكانا للاستراحة و لكنهم ما أن ذاقوا مباهجها 24 ساعة حتي إستأنفت الفرقة زحفها في صباح 10 يوليو تاركة خلفها حامية صغيرة .))

((كتب الكولينول لوجييه يقول : إننا نسير بحذاء النيل مخترقين منطقة طيبة الزرع و السكان يصطفون علي جانبي الطرق ليرونا في سيرنا و يحيوننا و مظاهر الرخاء تبدو في كل شيء فالفلاحون يرتدون ثيابا حسنة و عليهم سيماء الرزانه و المهابة أما النساء فيطلقن زغاريد كهديل الحمام تعبيرا عن سرورهن .. علي أن من الناس من يشكو و يتبرم و لو في جنه حافلة بالنساء المزغردات و كان الجندى مينيه واحد منهم فقد كان يشتكي من نقص الجراية )).

(( وصلت طلائع فرقة ديجا إلي الرحمانية في 11 يوليو في نحو الوقت الذى وصل فيه أخر رجال الفرق الاربعةالذين لم يتبطروا عندما طالعهم منظر النيل و حقول الشمام )).

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس