1-الغزاة ...يستعدون في طولون

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد )

جميع المذكرات للحكومة الفرنسية (تقريبا ) ((أيدت الاستيلاء علي مصر و خلعت عليها صورة براقة فمناخها صحي و قدرتها الانتاجية الكامنة لا حد لها و أهلها طيعون و في الامكان زراعة محاصيل جديدة كالنيلة و قصب السكر و يمكن شق قناة من السويس إلي البحر الابيض و يستطيع الاف الفرنسيين ذوى الجراءة و الاقدام أن يستوطنوها ليزرعوا الارض و يتجروا في بضائعها أما من الناحية العسكرية فليس في العملية مشقة و أما الشائعات عن الطاعون و الرمد المتوطنين في البلاد فمبالغ فيها إن لم تكن كاذبة )).

وهكذا شد نابليون الرحال لغزو مصر ..فجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن لقد كان هناك (نيلسون البريطاني فاقد العين و الذراع الايمن ) و الذى يحمل حقدا و غلا لا حدود لهما علي الفرنسيين .

رباعية (فرنسا، المماليك ، الانجليز، الباب العالي ) موضوع حدوته ستمر كادراتها يوميا أمام حضراتكم إبتدا من باكر رغم أن الشعب المصرى الذى يدفع الثمن بشكل مستمر لم يظهر في هذه الكادرات المتتالية إلا قليلا.

((في الساعة السادسة من صباح 19 مايو 1798 أصدرت بارجة أمير البحر الفرنسية ((لوريان )) بمعني الشرق التي يقودها الكابتن (كزابيانكا ) الامر بالاقلاع إلي سفن اسطول القافلة التي تجمعت في ميناء طولون.

و مرت نحو مائة و ثمانين سفينة خلال الساعات الثماني التالية امام لوريان التي كانت تشمخ فوقهن كالحصن بمدافعها ذات الصفوف الثلاثة المزود كل منها بأربعين مدفعا . ثم راحت سفن الاسطول تمخر العباب في شيء من المشقة متجهه صوب كورسيكا بعد أن صادفتها ريح نشطة.

ولابد أنه كان مشهدا يبهر الانفاس فقد ضم هذا الاسطول القهار ثلاث عشر بارجة تحمل 1026 مدفعا ،و 42 فرقاطة و مركبا خفيفا و زورق بريد و غيرها من صغار السفن و 130 ناقلة من شتي الانواع. وعلي ظهرها نحو 17.000 جندى و مثلهم ملاحين و جنود بحريين و أكثر من الف قطعة من مدفعية الميدان و 100.000 قطعة من الذخيرة و 567 عربة و 700 حصان .. و كان المقرر أن ينضم إلي الاسطول قبل وصولة إلي غايته التي لا يعرفها (غير حفنة من الرجال ) ثلاث قوافل أصغر من جنوة و أجاكسيو و شفيتا وبها يبلغ مجموع الرجال زهاء 55.000 و مجموع السفن 400 .

هذا الاسطول يشغل في عرض البحر مساحة تتراوح بين ميلين و أربعة أميال مربعة.

وحين القي مراسية أمام البقعة التي إنتهي إليها مطافه كان مشاهدوه من البر لا ينظرون بحرا بل سماء و مراكب( فوقع عليهم خوف عظيم و وهم جسيم ..شيء لايقدر ) هكذا كتب نقولا الترك و هو شاعر عربي أرخ لما وقع بعد هذا من أحداث ))

علي ظهر البارجة لوريان وقف الجنرال بونابرت عضو المجمع العلمي و القائد الاعلي للقوات البرية و البحرية التي تؤلف (الجناح الايسر لجيش إنجلترا ) يرقب السفن و هي تنساب أمام بارجة القائد و تحيها أثناء عبورها و إذا كان إنسان يعرف الغرض من تجريد هذه الحملة فهو هذا الانسان و لكن أحدا من الناس لا يستطيع إلي اليوم أن يعرف علي التحقيق الدوافع التي حفزته لتولي قيادتها و لعله هو نفسه لا يعرفها .))

في 12 إبريل 1798 إصدرت الادارة الفرنسية سلسلة من القرارات ..

(( فصدرت التعليمات لبونابرت أن يستولي علي مالطة و مصر و يطرد الانجليز من مؤسساتهم في الشرق ما إستطاع سبيلا و يشق برزخ السويس و يحسن ألاحوال المعيشية للوطنيين في مصر ويحتفظ بعلاقات طيبة مع الباب العالي وقدر بوجه عام أن ستة أشهر تكفي لتحقيق الاهداف العاجلة و التمهيد لتحقيق الاهداف البعيدة ، و عندها يعود الجنرال بونابرت تاركا خلفه قوات كافية ،فإذا لم توافق إنجلترا علي الصلح بشروط مرضية يتقلد قيادة القوات المخصصة لغزو بريطانيا العظمي )).

في ذلك الزمن بعد الثورة و إعلان الجمهورية كان هناك خلافا تنافسيا حادا يشوبه الحذر و التوجس بين فرنسا و إنجلترا وصل إلي أن بدأت حكومة الادارة الفرنسية تعد العدة لغزو الاخرى وعينت بونابرت لقيادة جيش الغزو المسمى (جيش إنجلترا ) ..

و لكنه بعد جولة تفتيشية سريعة لمناطق الغزو المفترض ..كتب لحكومة الادارة تقريرا يقول فيه (( إن الموارد العسكرية و المالية المتاحة ناقصة نقصا شديدا و أنه ربما كانت اللحظة المواتية للغزو قد فاتت إلي الابد و أن علي فرنسا أن تختار بين ثلاث : فإما أن تعقد الصلح مع إنجلترا ،و إما تغزو هانوفا بدلا من الجزر البريطانية و إما أن تستولي علي مصر فتقطع بذلك شريان الحياة بينها و بين الهند )) .

و إستقر الراى علي غزو مصر الذى كان واردا منذ فترةلا تقل عن عشرين سنة وتأخر القيام به عدة مرات أى لم يكن (( بونابرت أول من فكر فيه )).

كتب (فوفليه دبوريين ) سكرتيرنابليون الخاص في مذكراته ((إن بونابرت حين رحل إلي مصر كانت تملأ جانبيه أطماع جديرة بالاسكندر الاكبر و نقل عنه قوله (ليست أوروبا سوى تل صغير حقير كل شيء هنا يبلي مع الزمن لقد إنقضي ما كسبت من مجد و اوروبا الصغيرة هذه لا تتيح مكانا كافيا للامجاد فلا بد إذن من الذهاب إلي الشرق لان كل مجد عظيم لم يظفر به أصحابه إلا في الشرق )).

(( ولقد إعترف هو لمدام (دريموزا ) إعترافا أكثر تحديدا !ذ قال : في مصر وجدت نفسي و قد تحررت من قيود حضارة مزعجة كانت الاحلام تملأ راسي و رايتني أؤسس دينا و أزحف علي أسيا و أنا أمتطي فيلا و علي رأسي عمامة و في يدى القرآن الجديد الذى كنت سأؤلفه ليلائم حاجاتي .. و كنت في مشروعاتي بين خيرات العالمين و أسخر لمنفعتي مسرح التاريخ كله و أهاجم قوة إنجلترا في الهند فأجدد بهذا الفتح الاتصال بأوروبا القديمة .

لقد كانت الفترة التي قضيتها في مصر أجمل فترات حياتي لانها كانت أحفلها بالاحلام )).

(( أيا ما كانت أفكار نابليون صباح ذلك اليوم في طولون فما شك في أن الكثرة الغالبة من رجاله و الذين كانوا علي متن سفنه لم يشاركوه الاحلام لقد كان البحر ثائرا و أصاب دواره كل رجل فيهم لاسيما من كانوا بالمراكب الصغيرة . ))

وقبل ذلك في العاشر من مايو عندما إستعرض جنوده عقب وصوله إلي طولون قبل الابحار قال لهم (( أيها الضباط و الجنود لقد حضرت من عامين لاتولي قيادتكم و كنتم يومها علي ساحل ليجورا تعانون الفاقة و العوز في كل شيء حتي لقد بعتم ساعاتكم لتشتروا ما تحتاجون وقدتكم إلي إيطاليا حيث أعطيتم كل شيء بسخاء فهل بررت بوعدى لكم .))

الجنود أجابوه بصيحة واحدة ((نعم )).

فواصل بونابرت خطابه قائلا (( حسنا دعوني أخبركم أنكم لم تفعلوا بعد للوطن و لا فعل الوطن بكم ما فيه الكفاية .

و إني الان قائدكم إلي بلد تفوقونه بأعمالكم المقبلة ما قمتم به إلي الان من أعمال تدهش المعجبين بكم و ستؤدون للجمهورية خدمات يحق لها أن تنتظرها من جيش لا يقهر و إني أعد كل جندى أن يحصل عند عودته لفرنسا علي ما يكفيه لشراء ستة أفدنه من الارض )).
و مضي الخطاب علي هذا المنوال دقيقة أو دقيقتين تلته هتافات (( تحيا الجمهورية الخالدة ))...

((لقد كانوا يتقبلون في سذاجة شعارات العهد الوطنية فلقد ترك أغلبهم أسرهم و بيوتهم قبل سنوات و إنخرطوا في الجيش متطوعين دفاعا عن الجمهورية ضد الطغاة .))

إنه نفس سيناريو كل الغزاه و الفاشيست السابقين و اللاحقين الذين كانو يحلمون بأن ما عليهم إلا أن يمدوا أكفهم فتستسلم بقرة (حاحا) لكي تحلبها الايادى المغيرة.

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس