#سها_المنياوى تكتب عن: متحرشون

كتب بواسطة: سها المنياوي في . القسم نقد كتاب

 

مساكين هؤلاء الكتاب الشباب في سوق مثل تلك الايام، التي يفكر فيها الناس أكثر من مرة قبل شراء حتي ابسط الاشياء فما بالك بالكتاب .. غذاء الروح والنفس. وكيف نتذوق المواهب في خضم غابة من ارتفاع اسعار الورق و انتشار الطبعات الشعبية وسرقة الكتب عبر شبكة الانترنت ؟؟

تقدم دار ميريت للنشر رواية لكاتب موهوب شاب في باكورة اعماله اسمه كريم عيسي ... وهذا الكتاب يحمل عنوان " متحرشون ".

لا تتعجل في الحكم بأنها قد تبدو لك +18 ، فالرواية دراسة تحليلية متعمقة للتحرش وجذوره بشكل أدبي متميز وصياغة رائعة بنهاية مفتوحة لا تشفي ظمأ كثير من القراء.

تبدأ الرواية بمقدمة تفصيلية ... بل شديدة التفصيل .. لحي شعبي داخل القاهره وهو دار السلام، تشمل كل ساكنيه، ليمهد لك خلفية لنشأة شخصيات الرواية الثلاث نور ويوسف وأديب.

ثم تعتمد تقنية الحكي في الرواية على طريقة تقسيمها لأربعة اجزاء كل جزء مخصص لشخصية منهم : نور قدري ووالده، أديب الشاعر و يوسف سليمان عبدالنور، ثم الشيخ عبدالعزيز عبدالحق ... لكن لسبب مجهول يجعل الكاتب من نور وقدري حكاية تروى بضمير الغائب، بينما يحكي أديب قصته بنفسه وبضمير المخاطب للقراء ... ربما ليقربك منه أكثر ومن اختلاف بناء شخصيته وقصته الدرامية الشجية التي عزفها الكاتب ببراعة ... بعدها نكمل باقي الاجزاء مع الابطال بتقنية الحكي بضمير الغائب.

وقد تشعر وانت تقرأ ان الابن البكر للكاتب هو "نور قدري"، والذى قد أخذ ما علي وجه طاجن الابداع للكاتب - فأفاض في التحليل والتعمق لنور ووالده حتى تفهم وتتعاطف و تتوحد معهما دون ان تعرف نهاية الاب المغرم بولده ... وبالتالى لا تجد أى تعاطف مع خيانة الاب لكن فقط تتفهم خوفه من هاجس الجنس الذي اراد ان يحمي ابنه منه فدفعه اليه دفعا.

اما باقي الشخصيات فقد أفاض في تحليلها العميق لكنك عزيزى القارىء ستشعر ان الافاضة ووهج الابداع حاز عليهما قدري وولده نور أكثر من أديب والشيخ، في حين يظهر العمق في شخصية يوسف جيدا علي حساب زوجته وحبيبته سوسنة.

قد لا نصل لسبب برود سوسنة وعزوفها عن الزواج ثم قبولها الزواج واستمرار برودها، وقد زادها التحرش برودا ونفورا فوق نفورها لكنك تظل متأثرا ومعجبا بقدرة الكاتب علي التأثير فيك.

يسحبك الكاتب بنعومة وتمكن شديد ليربطك بالشخصيات، لينسج دراما متينة تشد انتباهك وتثير أشجانك، حتى ينتهي المطاف بجميع ابطال الرواية فى محطة مترو الانفاق حيث التدافع و بيئة التحرش، وبالخصوص محطة مترو العتبة ( منه لله الكاتب جعلني أخشي الذهاب اليها او المرور بها حتي).

الزمن داخل الرواية متداخل يذهب الي الماضي ويجول الحاضر بسلاسة ونعومة جيدة.ومع بداية كل فقرة يفرط الكاتب قليلا في سيل الحكم والتحليلات التي تتعلق بما سيقدمه لنا، مما يزيد مساحة التشويق لما سنراه.

اما اللغة فهي تتماشي جيدا وجو الرواية، وعن نفسي أري العامية ومابها من ألفاظ - التي قد تبدو صادمة- تأتى خدمة واقعية الرواية، مما يذكرنا بواقعية خيري شلبي العظيمـ فيما عدا التفريط والتكلف الذي يصاب بهما الكاتب عند وصف تأثير مفاتن المرأة علي الرجل داخل احداث الرواية.

بشكل عام الرواية بداية قوية وترسيخ لمكانة الكاتب وسط الروائيين الشباب، فيما عدا غيظ القارىء من شغفه وفضوله الغير مشبع من جانب الكاتب لبعض المشاهد وعدم اجابته على اسئلة مثل :

مواجهة سوسنة لنور قدري وأديب وزوجها , ماذا حدث بها ؟
( لا يمكن ان تتركنا في تلك اللحظة أيها الكاتب وترحل الي صفحات أخري)
وماذا فعل قدري بعد فرار نور ؟
وما تأثير حوار غادة وامها علي وجدان نور الصبي ؟ وهل زوجها ممتنع عن التحرش لانه مشبع جنسيا ؟
ماذا يجعل شهد شغوفة بيوسف ولما استعدادها للدخول في علاقة محرمة رغم انها يبدو عليها العفة والاباء امام ولع الرجال بها ؟

لكن رغم التحليل المفصل والمتميز لدوافع التحرش والمتحرش، لا توجد اجابة، وربما اراد الكاتب ان يطرحها ليفكر القارىء معه عله يلقي حجرا في بحيرة المشكلة وهو : لمسة لا تشبع الرجل وتقهر المرأة فقط ... فكيف تشفي الجائع ؟

التحرش لم يشبع نور، بل أن شغف ابيه الجنسي لم يجعله متحرشاً بل جعله خائنا لكن غير متحرش ؟

استمتعت حقا بالرواية وشخصياتها وربما رأيت ملامح من تلك الشخصيات في حياتنا تحيط بنا. وتتميز الرواية بأنها لا تتركك حتي بعد أن تترك صفحاتها فتظل مؤثرة بك و بتفكيرك.

سها المنياوى