#نقد_كتاب: ظل الأفعى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 
طوال قراءتى لهذة "الرواية" يتردد فى أذناى مشهداً من فيلم Mamma Mia، عندما غنت ربّة التمثيل ميريل ستريب أغنية Dancing Queen و فيها تحث كل سيدة على ترك دور التابع المطيع الأمين للرجل، و تتصرف كملكة متوجه بكل معانى الكلمة.

و لكن يوسف زيدان يذهب أبعد من الفيلم "بشوية" ... فهو يطلب من الأنثى أن تعرف اصولها، و تقرأ كيف كانت مكانتها طوال 30 ألف عاماً من حضارة الإنسان قديماً ... حينما كانت مصدراً للحياة الدنيا بمعجزة الميلاد التى حبتها الطبيعة بها، و ربة السماء و خالقة الأرض و كل من عليها.

القصة أحداثها كلها تقع فى ليلة 30 يونيو من عام 2020، و تبدأ بخطوات ذكورية يخطوها زوج يعانى من تمرد زوجته، و بالتالى يستعين بسطوة جدها ذو الخلفية العسكرية حتى "يقومها" و يجعلها تؤدى دورها كوعاء لرغبات زوجها بدون اى خروج عن النص ... و يحذرها من ان تخطو وراء خطوات أمها.

أما أمها فهى محور القصة ... فهى من تم "وأدها" و هى حية، بأن ابعدوها عن ابنتها بعد وفاة زوجها لأنها أرادت أن تربى الإبنة على "طريقتها"، و بالتالى تنشأ متشبعة بمواريث تاريخية نجحت فى طمسها جحافل متتالية من الحضارات الذكورية.

يحاول الزوج أن يستأنس أنثاه، و يلجأ للمخدر حتى ينالها و هى لا حول لها ... و قبل أن تكتسب، من إتصالاتها السرية بأمها، كامل القوة ... و تكون هذه هى القشة التى قصمت ظهر الخنوع و الخضوع فى روحها، و عندها تهل عليه و علينا الرسائل الواردة من أمها، و التى استعانت بها لتتثقف و تتعلم بدون الإستعانة بمناهج مشكوك فى نواياها ..

و من هنا تبدأ فعلاً "الرواية" !

فى ال 55 صفحة الأخيرة من الرواية (135 صفحة) يعرض لنا يوسف زيدان رسالته ... عفواً رسائل الأم إلى ابنتها. رسالة وراء رسالة تعرض لإبنتها فيهم نتائج قراءاتها و ابحاثها، و تنسف كافة المفاهيم السائدة بأن أهم سمات الحضارة تخلو من تاء التأنيث الأخيرة ... و تكشف لها كيف أن "التأنيث لإسم الشمس ما بعيب ... ولا التذكير فخرٌ للهلال" كما قال المتنبى فى أحد اشعارة الصادمة للمجتمع وقتها.

و لكننا نلمس جولات الأم فى عقل إبنتها من خلال عرضها لعبادات إنانا و عشتار و أرتميس و ايزيس ... كيف إبتهل الرجال لهن بالترانيم و إرتضوا بأن يقتطعوا جزءاً من اجسادهم و يعلقونه على تمثال الربة، "متطهرين" بذلك من دنسهم و حتى يكونوا صالحين للزواج من إمرأة، أو من الـ "صورة الإنسانية للإلهة" ..
كل هذه الروايات تتداخل و تتفاعل حتى تزيد من نضج الإبنة، بينما الزوج منشغلاً بمطالعة مواقعه الجنسية و اصطياده لعاهرات الشبكة العتكبوتية، و إخفاء خلفيته الفقيرة، ثقافيا قبل مادياً، عنها ... و ذلك حتى لا يعطيها فرصة للشعور بتفوقها.

تحلم هى بترنيمات ايزيس القائلة: "وحدى انا سأبقى ... و أصير كما كنت قبلا ... أفعى، خفية، عصية عن الإفهام" ... و تشرح لها امها ان ألهات الحضارات القديمة كن يتخدن من الأفعى شعارا، و بالتالى كانت الملكات، حينما كان من الطبيعى أن يكون الحاكم إمرأة، مثل نفرتيتى و حتشبسوت و غيرهن، يتخذن من الأفعى شعاراً ...

و كانت الأفعى مقدسة ... و "القداسة فعل الجماعة، لا الأفراد ... فلا يوجد مقدس فى ذاته، و لايوجد مقدس إلا فى مجتمع، و الإيمان فى اساسه دينى، يقوم على الغيب و العقل عقالٌ له ... بينما التقديس أساسه تأملى، يقوم على التحقق من عمق و رفعة الشىء المقدس". و ما فعل الولادة الطبيعية إلا فعل يشابه فعل الأفعى حين تتخلص من جلدها القديم لتنبثق "الحية"، أو الحياة مرة أخرى.

ثم جاءت اليهودية و خلطت بين القداسة و الإيمان ... و القت بالأفعى إلى الجانب المظلم من المفاهيم الحياتيه، و معها بالمرة حواء رمز الغواية ... و لكن تم انقاذ التفاحة فيما يبدو فى آخر لحظة، فقد نجحت، بلذاذة طعمها و رونقها و تضحياتها المتواصلة من أجل إشباعنا، فى أن تبقى فى الجانب المضىء الخيّر الغير مثير للشهوات الذكورية التى تتحرك فوراً بإشارة أنثوية أفعوانية صغيرة و لو كانت بمثقال ... شعره.

المرأة دائماً مكرّمة فهى الوالده .. بينما الرجل هو الأب و ليس الوالد. فهو لا يلد، بالمعنى الحرفى للكلمه. و حتى فى اشد عصور الجاهلية كانت المرأة مكرمه ... و لو كان بالفعل يتم وأدها فكيف إذا تناسل "الجاهليون"؟، لما أطلقوا اسماء انثوية على قبائلهم، مثل كندة و ثعلبة و بنى أمية (تصغير أم)، و كيف برزت وسطهم خديجة بنت خويلد و هند أم معاوية؟

مثير للجدل يوسف زيدان هذا ... و هو فى "رسالته" هذه لا يبغى رضاء الرجل او كسب انصاراً من المدافعين عن حقوق المرأة، فهو يراهن "قد افرغن أنفسهن من الأنوثة الحقّه" ... بل هو يبغى الحقيقة المطلقة و إعادة التقدير لظل الأفعى على الأرض ... الظل الحقيقى و ليس المشتت بين أداء أدوار ثانوية، تاركاً البطولة المطلقة لمن لا يستطيع تأديته مفردا ... و بالتالى يخرج فيلم الحياة مشوهاً و ركيكاً.

الكتاب ليس برواية فهو يفتقد لعناصر درامية كثيرة، و ليس بدراسة فهو ذو صفحات قليلة لا تشبع و لكنها تفتح النـِفس فقط للثقافة.

و قد يكون سبب ذلك هو كونه قد صدر قبل الرواية الملحمية عزازيل، و قبل الدراسة الوافية "اللاهوت العربى" .. و بالتالى شعرت كثيراً أثناء القراءة أن المؤلف يقول لنا "ها ... حلو الكلام، أكمل فى السكه دى ولا ايييه النظام؟" ثم فى مواضع أخرى يقول "لاااا ... كفاية عليكم كده لتلسعوا منى". و بالتالى انتهت آخر صفحة و انا مازلت ابل اصابعى و افرك فى الصفحة لتطلع واحدة تانية لازقة فيها.

أسلوب يوسف متنوع للغاية، و واقعى حتى الثمالة ... فهو يكتب بالفصحى الراقية السلسة كل ما يدور بداخل و ما بين الإبنة و أمها، و بالعامية "المشهيصة" فى الحوارات الذكوريه، خاصة فى اضافة تعبيرات تحشيشية مثل "مزهللة" للتعبير عن حالة معينة من النشوة حينما تتذوقها بعد طول انتظار أو لأول مرة. ثم يعود إلى العامية "الوسطية" الدارجة فى المرات القليلة التى يتحاور فيها المذكر مع الأنثى.

و لكننى لم افهم مغذى التاريخ الذى حدده باليوم و الذى تقع فيه الأحداث ... و لم افهم أيضاً لماذا وضعها فى قالب مستقبلى، عام 2020، و بدون اى لمحات خيال علمي قوية تعزز هذا الجو العام الذى اختاره ... و ربما يكون المعنى فى بطن الشاعر او يكون واضحاً و لم اتبينه وسط هذا الكم من نبش الحقائق والمشاعر.

من الآخر:

الكتاب ليس مهيناً للرجولة، و لكنه يقيسها ... فدرجة تأففك من الأفكار المطروحة تحدد مدى ثقتك فى رجولتك، و تستطيع أن تحدد بنفسك مدى نضجك و درجة تقبلك للرأى "الآخر"، حين يتفّه المؤلف ما وصل لك عن الأنوثة من الآخر.

أما بالنسبة للقارئات ... فسرعة قراءتك و قوة تنهيداتك، يتناسبان عكسياً مع مكانتك و تقدير من حولك لطبيعتك، فإذا زادت السرعة و القوة، يبقى اهلاً بيكى فى منطقتنا، و تبقى الأنثى بداخلك شاربة المر من كيعانها.

فادى رمزى