#فادى_رمزى يكتب عن: زينة الحياة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 

من العادى جداً أن يرن موبايلك أثناء قراءة اى كتاب، أو أن ينادى عليك أحد ما ليطلب منك أى شىء ... و عندها إما ان تتوقف للحظات لتأدية المطلوب ثم تعاود القراءة أو أن تتجاهل الرنين أو تقول "ثانية واحده" حتى تنهى فقرة ما او فصل من فصول الكتاب أوشكت على انهاءه ...

كل ده عادى و وارد جداً ... إنما اللى مش عادى و نااااااادر جداً هو أن تتوجه حواسك كلها لتلبية واجبات القراءه و متطلباتها، حتى أنك لا تسمع اساساً موبايلك و هو بيرن أو يجعلك هذا لا تلبي النداء على إسمك قبل مره أو إتنين، مع التصاعد متوقع طبعاً فى طبقة صوت المنادى و طريقة نطق إسم المنادى إليه و ذكر "أنبل" صفاته.

هذا التواصل النادر أثناء القراءة حدث معى أثناء قراءة هذه المجموعة القصصية "الثقيلة" للغايه ... هى تعتبر من أكثر المجموعات القصصية، التى قرأتها مؤخراً، تشويقاً ...

و عندما أقول "تشويق" أعنى أن عقلك قاعد على قرافيصه ينتظر ما تسفر عنه الأحداث، أو منبهراً بكم الصراعات و الإنفعالات الداخلية التى تكشفها الكاتبه أهداف سويف بمنتهى السلاسه، و كأنها تشرح للقارىء كيفية عمل صينية فراخ بالبطاطس مثلاً ...

تقول مثلاً فى إحدى القصص : "تبدو لها الفترات السيئة و كأنها مسلسل من الحمامات فى فنادق العالم، تحبس نفسها، تقىء و تبكى، أو تجلس على الأرض تقرأ الليل كله بينما ينام هو، غير مبال، فى اسرة كبيرة تسخر منها" ...

يعنى بعبارات قصيرة و موجزه و بسيطة طلعنا بتفاصيل علاقتها بزوجها و جغرافية علاقتهم هذه، و كيف كانت هى الزوجة المنبوذه المحبطه و المكبوته، و التى تتفجر مشاعرها داخلياً، فى هذه اللحظات السيئة فى الغربه، محطمه بذلك روحها و كيانها ..

متهيألى الشرح الممل بتاعى أخد كلمات أكثر بكثير من النص الأصلى، و هذا يثبت "دسامة" أسلوب الكاتبه ... فهى لا تسترسل بلا داعى و كل عباراتها تضيف ضربة ريشة تكشف عن تفاصيل أخرى من تفاصيل الشخصية التى تتناولها، و تناولها لنا على طبق من ذهب، فى قصصها.

القصص كلها لها محور نفسى واحد ... و هو الإحساس بالغربه، و ليس كما جاء فى غلاف الكتاب الخلفى بأنها "تتحرك على الخط الفاصل بين الشرق و الغرب و تستحضر علاقة المهاجر بجذوره". فالخط الفاصل مثلاً فى قصة "أذكرك" هو بين شرقنا و شرق آخر خليجى الطابع و الملامح، و فيها نعيش مع سيدة مصرية حامل تنتظر دورها فى الولادة بعنبر النساء بمستشفى خليجى.

أو نتعايش مع قصص اخرى تحكى عن هجرة مواطن بداخل وطنه أو محاولة إكتشافه لعالم جديد غريب عنه من أجل فهم أكثر و قبول أكثر إقناعاً لعالمه هو (كما فى قصص السخان و تحت التمرين و المولد مثلاً)، و هذه القصص مثلاً مافيهاش أى غرب او هجره، بل هى شرقية شرقية حتى النخاع.

لكن للحق يوجد بعض القصص التى تتكلم عن الشرق و الغرب و موضوع المهاجر و جذوره ده، و هم بالتحديد قصة "عودة"، و فيها نستمع لكل ما يدور بداخل زوجة عادت وحيده من بعد طول غربه لشقتها القديمة ... و قصة "زينة الحياة" حيث نرى كيف تتفاعل نفسياً الأجنبية المتزوجه من مصرى مع هذا الزوج اللى داخل ببلده عليها، و قصة "ميلودى" التى نتكلم فيها بلسان أفكار زوجة أجنبية تضطرها ظروف عمل زوجها للعيش فى دولة بترولية.

لكن حتى فى هذه القصص كنت أرى الكاتبه تضع كل فكرها فى توضيح مفهوم الغربه و تأثيرها على الطبيعة الإنسانيه، و لكن من زوايا مختلفه قد يلعب الصراع بين الشرق و الغرب دوراً ما فيها، و لكنه ليس الدور الأساسى فى وجهة نظرى المتواضعه.

أكثر القصص التى ابهرتنى هى قصة "المولد" ... و فيها عائشة، زوجة الديبلوماسى المرموق و التى تشعر بالملل من طبيعة الشوكه و السكينه و الرتابة التى تغلف حياتها الزوجيه، و بالتالى تنبهر بجو المولد و الزار و طريقة إخراج الأرواح الشريرة من الأجساد التى أنهكتها ظروف المعيشة، فسلمت نفسها للسحر الأسود بشعوذته و جهل القائمين عليه، و بحقيقة وجوده كعالم مايعلم إلا ربنا بيه.

مصدر الإبهار الحقيقى فى القصة ليس فى أسلوب أهداف سويف و روعة وصفها لما يدور بداخل الشخصية و فى شرح الأجواء المحيطه بها ... كل ده "عادشى" جداً، اللى مش عادى بقى هو إن المتكلم فى هذه القصه هو ... الروح الشريرة أو العفريت الساكن بداخل عائشة !!

نعم .. نكتشف مع تفاصيل القصه و فى أوائل صفحاتها هذا، حيث يحكى لنا هذا العفريت ما يراه بداخل عائشه و انطباعاتها عندما تدخل إلى عالمه هو ... جديده موووت دى مش كده ؟

تلي هذه القصه فى الإبهار قصة "السخان" ... و فيها شاب يعيش مع والدته و اخته المراهقه، بعد وفاة والده. و هذا الشاب وجد أنه من الأسهل ان يقفل على نفسه كل ابواب الدنيا و يتفرغ للتعبد من أجل نول نعيم الآخرة. حياته من البيت للجامع لدروس القرآن التى يلقيها. و لكن شيطانه لا يتركه لحاله، بالعكس فما أسهل اللعب فى دماغ منغلقه مثل هذه..

شيطانه يحعله يرى الأنثى فى أخته المراهقه، و "يوزه" كثيراً على الإهتمام بتفاصيلها و البنية ياعينى مش واخده خوانه ... و فى النهايه يستعيذ بالله و يقرر ان ينهى هذه المعاناه، و ذلك بالطريقة المنطقيه الوحيده التى تتفهمها عقلية مثل عقليته، و هو أن تتحمل البنية كافة عواقب كونها أنثى فى مجتمع شرقى يراها عورة ولابد من وأدها ...

يقرر الأخ أن يدفن أخته حيه بإلقاءها فى مصير ليس لها أى قول فى تحديده، ولا تستطيع حتى امها ان تعارض هذه "المشيئة" التى تستمد قوتها من كون "راجلهم" التقى الورع هو صاحبها.

أما قصة "شى ميلو" فدى بونبوناية المجموعه، فيها "ميلو" سيدة يونانية عجوز مقيمة فى القاهره و تمتلك مطعماً صغيراً تمضى فيه كل يومها ... و تتقابل ميلو مع ابنة إحدى صديقاتها المصريات، و تبدأ فى إسترجاع الماضى الجميل بينها و بين نفسها بينما الأخرى تحكى لها صعوبة حياتها فى مجتمعنا كمطلقة ... و وسط كل ذلك تتداخل تفاصيل مشتركة فى حياتهما ترينا كيف و اين إختارت ميلو الوحده، بينما إبنة صديقتها تحاول جاهدة ان تهرب منها.

ميلو تنفعل كمصرية و تفكر كأوروبية، و لكنها وسط كل ذلك تشعر بغربة موحشه و هى داخل بلدها. فقد اساءت الإختيار، أو بمعنى آخر تركت لقلبها و هى فى شبابها ان يقرر و يختار، بدون ان تضع عقلها فى الصورة حتى تنال ما كان متاحاً وقتها امامها.

إن أغلب القصص تحتاج إلى التركيز الشديد حتى لا يفوتك تفاصيل هامه و تضيع منك فرص للمتعه الأدبية المقدمه، و قد لا تستطيع مثلى ان تنهى القصة بدون ان تسترجع قراءة بعض صفحاتها حتى تتأكد من المفهوم اللى وصل إليك، او حتى تسترجع تفاصيل صغيرة أوقفتك أثناء القراءة كلحظة وداع آخيرة، قبل ان تترك شخصية هذه القصة و تتناول غيرها.

و لكن قد يزعجك بعض الشىء شيئان:

1- كون القصص مترجمة من الأصل الإنجليزى، مع إن الكاتبة مصرية و لكنها وجدت فيما يبدو أنه من الأفضل كتابة الأصل بالإنجليزية ثم الإشراف على ترجمتها بعد ذلك. هذا سيزعجك فى بعض الفقرات القليلة التى تجد أن الترجمة الحرفية أنقصت أو طمست الكثير من المعنى المطلوب مثل:

"مررنا بتجربة ميتافيزيقية منذ أيام قلائل، أليس الوقت مبكراً لواحدة جديدة؟" ... عندها ستجد عقلك يقول بتلقائية Indeed Mr. Watson, what a splendid remark ... فيه بالذمة حد مصرى حيتكلم مع مراته المصريه كده ؟؟؟

لكن للحق الحوارات أغلبها مصرية عامية و شعبية للغايه ... مثل: "طول عمر راسها ناشفه - لما تطلع فى مخها حاجه-ولا حد يقف فى سكتها" أو "الواد حيتحسد لازم نلبسه سلسلة و نحط له فيها حجاب" ... اموت و اعرف النص الإنجليزى هنا كان إيه بالظبط !!!

2- نهايات بعض القصص جاء مبتوراً و غير مشبع، لى على الأقل، و أخص بالذكر قصتى "عودة" و "زينة الحياة" ... انا مبدئياً من عشاق النهايات المفتوحه، و لكن مش مفتوحة لدرجة إنك تقع فيها فجأه بدون ما تعرف إن دى النهايه ... و تقعد تبل صوابعك ليكون فيه صفحه لازقه فى أختها و فاتك قراءتها !

لكن فى النهاية هذان العيبان غير مؤثران على الإطلاق، و لا يظهر تأثيرهما إلا على فترات متباعده و ليس فى كل الكتاب، و تظل المجموعه من أمتع ما قرات كما ذكرت، و بالنسبة لى اصنف هذا الكتاب ككتاب يسنحق القراءة مرة أخرى، فمتعته فى المرة الثانية اتوقع ان تكون اكثر.

من الآخر :
أعتقد أن اهداف سويف تستحق البحث عن باقى كتبها ... علشان نعرف إيه آخرتها.

فادى رمزى