#نقد_كتاب: أرض الإله

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 


اخر كتاب للموهوب أحمد مراد يحمل اسماً ملفتاً ومميزاً على المستوى الادبى والتجارى ايضا .. فدوما ما تحظى العناوين ذات الصبغة الدينية على انتباه الباحثين عن المتعة او المعرفة الادبية وتكون الأجدر بالشراء فى تلك الظروف العصيبة.

احمد مراد كاتب يجيد السرد الممتع والمشوق كما ظهر فى كتبه السابقه: فيرتيجو، تراب الماس، الفيل الأزرق ... ولكنه فى أرض الإله اضاف للمتعة بعدا تثقيفيا على المستوى التاريخى والدينى، مما يجعله محطة هامه ومميزه فى تاريخه الادبى فى رأيى الشخصى.

الكتاب تدور احداثه فى خطين زمنين ... الأول فى القرن الثالث قبل الميلاد، ايام حكم بطليموس الثانى (فيلادلفيوس) لمصر، اما الثانى فهو وقت خروج اليهود من مصر تحت قيادة النبى موسى، ابان حكم الهكسوس.

تبدأ الاحداث بمقتل الكاهن الأعظم فى معبد الأسوار السبعة بسمنود، وهو معبد للنبى "ادريس" الذى كان يقدسه المصريون القدماء ... نعم ادريس ... زوج ايزيس واخو ست اله الشر. هكذا يبدأ احمد مراد طرحه التاريخى "الموثق أدبياً" فى كتابه هذا. ويزيد من الشعر بيتا حين نعرف ان الكاهن كان يخفى مخطوطات هامة تفسر احداثا سابقة ابان حكم "فرعون" الهكسوسى لمصر ... هكذا كان اسمه ... وكيف تعامل مع القبائل المختلفة الوافدة الى ايجيبت، والتى يعود اصلها الى "يوسف" الذى اصبح الرجل الثانى فى بلاط حاكم مصر لقدرته على انقاذ البلاد من المجاعة خلال سنوات العجاف السبعة !!

وفى الخط الزمنى الرئيسى نرى الكاهن الشاب "كاى" يحاول كشف الاسرار التى كلفت الكاهن الاعظم حياته، ويطارده اليهودى "مردخاى" رئيس قصر بطليموس الثانى، الرجل الثانى فى المملكة على المستوى الرسمى، ولكن واقعيا هو الذى يسيطر على الملك المنشغل بملذاته وبتخليد اسمه وتوسيع مملكته مهما كان الثمن.

الخط الزمنى الثانى يستعرض فيه حياة موسى وصراعه مع "فرعون" وكيف اخرج "المنبوذين" من مصر بحثا عن ارض الميعاد.

يتنقل أحمد مراد بمنتهى الرشاقة بين الخطين الزمنيين ... يقدم جرعات من التشويق بنكهات مختلفة، تارة عن طريق كشف حقيقة تاريخية معينة تجعلك ترى كيف تم تدليس التاريخ واستغلال الدين وهو فيما يبدو سلو بلدنا منذ نشاتها، وتارة اخرى عن طريق احداث قصة حب ملتهبة ومضطربة بين كاى وناديا، رفيقة الطريق التى وجدها كاى خلال بحثه عن الحقيقة، واذ بها تريه ان الحب هو اول حقيقة واجب عليه بحثها واعلانها والعيش من خلالها.

شخوص تلك الملحمة كثيرة، صعاليك وملوك، صانعو احداث ومفعول بهم من تداعياتها، الابطال والمهمشين، الاطهار والداعرين، المخلصين والخونة ... كلها شخصيات مرسومة بدقة وعمق شديد حتى ان بعضها يصلح كبطل لرواية منفصلة ...

شخصيا مثل:
ناديا التى باعت نفسها بدون ان تفقدها تماما، الباحثة دوما عن سلطان الحب ونسيم الحرية ..
عزيز الذى هرب من الظلم ليعيش حياته فى المستنقعات تاركا ابنته الوحيدة ..
قارون المكتنز جسدا وثروة بائع اهله وعشيرته ..
أحمس الشاب قاهر الهكسوس الذى نضج مبكرا جدا واستعان بالعلم لتحرير حبيبته ايجيبت ..
موسى الذى قرر قيادة من لا يمتون له بصلة شفقة واحسانا منه وايمانا برسالة سماوية وجد من خلالها ذاته التى ظل طويلا يبحث عنها.
هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون ... ومن اكتشف المخطوطات القديمة وهدد بكشف اسرارها.
آرام البلطجى المحب الذى يعامل النساء بمنتهى الاستعلاء وهو خاضع "لشوشته" لحب ناديا.
حتى "الكلب" سيربيروس اجاد احمد مراد رسم ابعاد شخصيته وانفعالاته الداخلية.

كلها شخصيات غاية فى الدسامة نجح أحمد مراد تماما فى تطويعها لصالح عمله الادبى هذا، مع الجو الأسطورى لايجيبت والايجبيتيين .. سكان البلد الأصليين ... وجو المطاردات المتلاحقة التى يحاول خلالها كاى ترجمة المخطوطات الثمينة قبل ان يلتفت لحبيبته ناديا ومتطلباتها او ينظر خلفه ليعرف كيف يهرب ممن يطارده.

فى احد المشاهد من الرواية، نعم هى مشاهد وليست فصولاً او مقاطع ... فأحمد مراد لديه اسلوب سرد تصويرى سينمائى خاص به وحده، كان كاى يترجم مقطعا هاما عن علاقة موسى بالفرعون الهكسوسى مدعى الألوهية، واذ بناديا تدخل ملتهمة حبيبها بطريقة جعلته ينسى تماما امر البرديات ... صرخت انا القارىء عفويا "مش وقته يا ست انتى .. وانت ياعم كاى انشف شوية" ... ثم ابتسمت رغما عنى وصفقت للمؤلف فى سرى ... لقد نجح فى اذابتى كقارىء تماما فى احداث الرواية وكم الاسرار التى تستعرضها .. وبالتالى لم اتوقف عن القراءة سوى مرة واحدة رغما عنى منذ ان بدأت الرواية، وانهيتها فى جلستين فقط انفصلت خلالهما عن الدنيا كلها.

لغة احمد مراد فى ارض الإله اكثر بلاغة بكثير من رواياته السابقة، اللغة العربية فصحى وبها مواطن جمال عديدة خاصة فى طريقة وصفه للمشاعر المختلفة، وكأنه تحول لكاتب آخر غير الذى اعتدنا عليه فى الكتب السابقة التى مزج فيها العامية بالفصحى مع كم محترم من "الالشات" المميزة. قد يبدو هذا "نضجا" فى الاسلوب الادبى ولكننى اراه على سبيل "لكل مقام مقال" فمن الصعب جدا استيعاب تراب الماس مثلا بمثل تلك اللغة الفصحى فى ارض الإله والعكس صحيح تماما.

الكتاب فى مجمله، كما أراه، يحمل مشاعر "الغضب" من كم الزيف المصاحب لاسس بناء ارض الإله، ايجيبت الجميلة المهددة من كل الطامعين فى خيراتها ... ومن كم الجهود العظيمة المبذولة لتشويه هويتها وتدليس تاريخها ... وايضا من النظرة الحقودة التى ينظر من خلالها اهل المطامع لكل ما هو "ايجيبتى" اصلى.

كتاب يستحق القراءة بكل تأكيد مرتان على الاقل ... المرة الاولى بصورة كاملة، والمرة الثانية بقراءة فقط الصفحات التى حوت ترجمة "أحمد كاى مراد" للمخطوطات السرية .. بدون ازعاج ناديا والإنشغال بحقوق المراة فى عشيقها التى تنشدها.

فادى رمزى