#نقد_كتاب: سجن الموتى

كتب بواسطة: سها المنياوي في . القسم نقد كتاب

 
"Gentleman agreement" هو هذا الاتفاق غير الموقع أو الموثق بين طرف وطرف، وفى حالتنا هذه الطرف الاول هو القارىء والطرف الثاني كاتب العمل الفني ..

في رواية سجن الموتي – باكورة انتاج الروائي الشاب الموهوب أحمد أسامة - يأخذنا الكاتب الي عالم غريب خيالي بالكاد نتخيله ولا نوقن لوجوده ولا نعلم عنه شيئا على الاطلاق. وانا هنا أتحدث بمنطق عقلي الذي لا يقبل كل ما يسمع، لكنني قمت بتوقيع الاتفاق المذكور اعلاه بيني وبين الكاتب الشاب، وقد أقنعتني موهبته وأخذتني الي العالم الذي يتحدث عنه دون ارادتي.

الرواية صادرة عن دار نون للنشر، احدي دور النشر الحديثة المليئة بروح وافكار واقلام شبابية متألقة ...

بداية تصميم الغلاف متألق ويتماشي تماما مع روح ومسار الرواية، وهو للمصمم الشاب اسامة علام.

الرواية من حيث الشكل متماسكة وابدع في المسك بخيوط ربطها الكاتب، هى تتحدث عن هذا البرزخ المجهول اللذي يقع بين عالم الموتي و حياتنا الدنيا، فالموت حقيقة والحياة حقيقة نعيشها وما بينهما يخوص خيالنا لأبعد مما نتخيل.

الكاتب يأخذنا الي حيث ارض المنتحرين وارض الموتي المفقودة جثثهم، وذلك من خلال جملة "اكرام الميت دفنه" ... ويبدو ان الكاتب قد بحث عن سر تلك الجملة كثيرا وحاول فك شفرتها بروايته الممتعة.

بطل الرواية سليم – الطبيب الشاب يدخل عالم الموتي وسجنهم مرتين، ليعود الي حياتنا الدنيا بلعنة ظالمة تستفز القاريء وتستفزني انا شخصيا ... لنسأل لماذا يحكم الشياطين وما ذنب الاجيال ان ترث لعنة الجد ثم تنتقل كالعدوي من الجد الي الحفيد ثم من الحفيد الي صديق لا ذنب له فعلا ؟!! ربما تكون الاجابة الموازية لهذا منطقيا أن لا ذنب لاولاد آدم فيم اقترفه هو ،فنزل من جنته لنهبط بعضنا لبعض عدوا.

ما اجمل أن يجعلك عمل فني تفكر !!

وما اروع الفكرة في زحام الافكار التي تطاردها السياسة وعالمها البائس او المجتمع الفاسد حتي نخاعه او العلاقات الاجتماعية المتشعبة بدوائرها المحيرة ... اختار الكاتب هذا العالم البعيد عن ادراكنا، قد نصل الي اعتابه احيانا ... لكننا نهابه خشية للمجهول.

وربما هرب الكاتب بنا من مستنقعنا الي عالم آخر لنتساءل: هل نحن في دنيانا نعيش نعمة لا نستشعرها؟ ويبقي السؤال المحير لي شخصيا: لماذا بعد ان انفصل الجسد عن الروح تظل هناك مسئولية عن الجسد ؟ فإن دفن توجهت الروح الي عالم آخر ربما اكثر راحة !!

تأخذك الرواية بأنفاس متلاحقة لاهثة، لتظن بعد عدة مشاهد أكشن أن الحل في الطريق لتحبط بنهاية دائرية متجددة وتظل اللعنة قائمة ظالمة ...

أعود هنا لأمسك الكاتب من "رقبته" ... فبعد أن امتعنا بأسلوبه الساحر لماذا يكون لانقاذ بطل الرواية ثمناً باهظاً سخيفاً، وهو اللعنة المتوارثة ... فمن الممكن ان ينقذه الله جل جلاله دون مقابل ؟!!! هه؟

أخيرا الرواية ممتعة وجيدة ... واذا كنتم تريدون ان تفهموا ما اتحدث عنه طوال المقال فلتقرأوها لتعودوا ممسكين برقبة الكاتب متسائلين، و ربما مهنئين.

سها المنياوى