#نقد_كتاب: blink

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 

عارفين المقولة بتاعة: "كنتى فين يا لأ لما قلت آه" ... أهو الكتاب بقى بيدور حول انطباعنا الأول عند مواجهة اى شىء جديد، وكيف كان احساسنا رايح تجاه ال "لأ" ولكننا، لعوامل اجتماعية بيئية عقائدية معينة، قلنا "آه" ..

بكلام أكثر علما واقل عاميةَ ... مالكولم جلادويل فى كتابه هذا يعرض لنا كافة مايحدث بداخل عقولنا، طوال ثانيتين تدور خلالهما كل الأفكار الممكنة حين نواجه امراً ما، او شخصاً ما، لأول مرة ... ففى خلال هاتين الثانيتين، او رمشة العين الأولى، يكوّن عقلنا صورة كاملة متكاملة عن هذا الشىء ... سريعاً ما تتحول لحقيقة مطلقة، وتحدد سلوكياتنا تجاه هذا الأمر بعد ذلك لسنوات طويلة ..

حيثيات هذا الحكم العقلى السريع تعتمد طبعاً على كل الكليشيهات التى كوّناها خلال مشوار حياتنا، وبالتالى يبحث العقل البشرى عن اقرب كليشية يفسر به وله هذه الصورة .. وذلك لأن العقل يريد ان ينسب اى شىء جديد لشعور او افكار قديمة، فهذا اسهل طبعا من ادخال معلومات جديدة على النظام الفكرى، واجهاد العقل فى تحليلات وتفسيرات لوضع اسس تعامل او اراء جديدة ..

وفى نفس الوقت احيانا ما يكون هذا الإنطباع الأول، لو كانت عقولنا معدة جيدة على المستوى الثقافى والتعليمى، هو الأكثر صحة والأقرب للحقيقة .. بل هو الذى يكشفها من اول ثانية .. عفوا من اول ثانيتين بالتحديد. فبالتالى "نفقس" الجديد ونحدد مدى اصالته فوراً، ولا يستطيع هذا الجديد ان يؤثر على "بصيرتنا" الحادة و"فراستنا" الغاية فى الحساسية ..

الكتاب عبارة عن حواديت، الواحدة وراء الأخرى، بعضها يحكى عن مواقف كان فيها الإنطباع الأول صادقاً، وكيف افاد هذا صاحبه، والبعض يحكى عن مواقف كان الإنطباع صادقاً وتم كبته، او مشوشاً نتيجة لتفاصيل معينة محيطة لحظة تكوينه، وبعض المواقف تروى كيف غير هذا الإنطباع دوماً من طبيعة استقبالنا لأشياء معينة، بل انه فى بعض الحالات اودى هذا الإنطباع المشوش بصاحبه فى داهية.

يعنى مثلا نقرأ عن متحف فى امريكا اشترى تمثالا اثرياً بملايين الدولارات، وطبعا اخضعه للفحص والمحص ولكافة الإختبارات لمدة سنتان ... وفى النهاية وثق فى اصالته وكاد يدفع بالكامل ثمنه. ولكن يأتى خبير معين بالصدفة ويلقى عليه نظرة واحده، فيشعر بمزرعة فئران تلعب فى عبّه، يطفو على سطح عقلة كلمة واحدة: طازة او Fresh ... التمثال "طازة" زيادة عن اللزوم، وكأن القرون لم تمر عليه ..

طبعاً يواجه بكافة النتائج التى توصلوا اليها، ومنها اختبار علمى لتحديد العمر، وايضاً يوجد تفسير لحالة التمثال الممتازة هذه نتيجة لظروف حفظه واكتشافه، ولكن يظل "جيرى" يلعب فى صدر خبيرنا ... وبالفعل يتم اجراء اختبار أخير ويُكتشف صحة وجهة نظره، وأن المزور الذى يريد بيعه قد استخدم تقنية متقدمة للغاية ويصعب كشفها تضلل اى باحث يدقق فى التفاصيل ولا يعطى لحدسه الفنى، المشبع بخبراته السابقة، اى فرصة للتعبير عن مكنونها.

ايضاَ تأتى قصص عن رجال شرطة اساءوا استخدام اسلحتهم اثناء المطاردة، وذلك بسبب "لون" بشرة المشتبه فيه، فبالتالى صارت كل تصرفاته مريبة وحركات يديه تشير الى حيازته على اسلجة وفى النهاية يطلع انه كان بيطلع المحفظة ... وقصص أخرى عن غياب المنطق والتفكير العقلانى بعد مطاردة بوليسية شرسة، حيث يتسبب ازدياد ضربات القلب والإثارة الناجمة فى جعل هاتان الثانيتان مركزتان على تفصيلة واحده غير ذات اهمية، وبالتالى تغيب عن الشرطى حقيقة واضحة ... مثل ان المشتبه فيه الذى كان يطارده كان خائفاً فقط فقرر الجرى هرباً.

أجمل القصص تلك التى جاءت فى النهاية، حين عرض المؤلف كيف جرت اختبارات لإختيار عازف لإحدى آلات النفخ فى اوركسترا ميونخ الألمانية ... حيث جرى الإختبار بينما العازفين وراء ستار يخفيهم تماما عن اللجنة المعينة للإختيار، وذلك لأن احد المتقدمين كان ابناً لموسيقى معروف للجنة، وبالتالى ارادوا ضمان نزاهة الإختيار والشفافية (عالم أول بحق ربنا). وبدأ الإختبار وكل عازف يقدم برقمه وليس اسمه، وعلى اللجنة تحديد من الأحق منهم بالوظيفة المرموقة ... عازف آلة نفخ تسمى Tromboneأو الترومبيطة كما نسميها (زى البوق كده بس فيه عصاية رايحة جاية تتحكم فى صوتها)

المهم، ما ان جاء الدور على العازف رقم 17 حتى صاحت اللجنة من فرط اللذة ... وقالوا "هو ده اللى عايزينه". وبالفعل شكروا باقى العازفين ومنهم من لم يأت دوره اساساً. ثم جاء وقت ازاحة الستار .. وفوجئت اللجنة بأن هذا "العازف" الفذ فى الحقيقة أنثى. بينما تلك الآله "رجالى" حسب العرف والتاريخ، وبالتالى لو كان الستار غير موجود لربما فشلت العازفة فى الإختبار .. لأن "الثانيتان" عند كل عضو لجنة كانتا ستبثان اشارة بالرفض بناءا على الأفكار المسبقة المخزنة فى العقل ... وبالتالى سيتم التركيز على اسباب الرفض، وليس على ما اذا كان العزف مقبولا ام لا.

ويذهب الكاتب فى تحليله الى اننا فى حالات معينة نصبح مثل مرضى "التوحد" autism مركزين على تفصيلة معينة وغير شاعرين بما يدور حولنا او بتفاصيل اخرى مكملة للصورة ... والغريب ان هذا التوحد، حين يتلاشى، يؤثر على كافة تعاملاتنا واراءنا بعد ذلك ... ولهذا من الخطورة تجاهله او الإعتماد على "موضوعيتنا" و"عقلانياتنا" التى تجعلنا نبدل اراءنا حين نكتشف عدم صحتها، أو نقرر على امر ما بعد "دراسة" ..

يعنى كلها فى اول ثانيتين يا عينيا، ولو لم تعرف كيف تهذب من هذه الخاصية واعادة اكتشافها وتفهمها وايضاً جعل الآليات والمعتقدات التى ترتكن عليها تأتى عن قناعة حقيقية وبعد دراسة وليس عن حفظ وصم زى ايام المذاكرة ... عندها ستحقق طفرة فى اسلوب حياتك المهنية والإجتماعية والأسرية.

وبما انهم فى الخارج يحترمون العلم ويقدسون التخصص فيه ... فقد شرعت جامعات عديدة فى اجراء ابحاث طويلة ومتعمقة حول هذه المسألة، حيث ياتى متطوعون ويتعرضون لتجارب مختلفة فى مجالات عديدة ويقاس انطباعاتهم الأولى ... فمثلا يشاهدون فيلماً، أو منتجاً معيناً، أو يأتون ازواجاً ليقاس انطباعات الباحثين النفسين المتخصصين فى المشورة الزوجية عليهم.

ونتيجة لإجتهادهم وتفانيهم فى عملهم يصلون إلى تحليلات دقيقة لآثار هاتان الثانيتان على وجه كل شخص، فما يدور بداخلك يظهر على وجهك ولو للمحة سريعة ... وهناك، مع التوغل فى دراسة هذا الأمر، خبراء يستطيعون استنتاج تصرفاتك، وقراءة ما يدور بداخلك ... أو من الآخر "قراءة أفكارك".

هاتان الثانيتان غاية فى الأهمية عند رجال الدعاية والإعلان، وعند العاملين فى المجال الفنى ... فعن طريقهما يستطيعون العمل على خلق انطباع اول لا يمحى بسهولة، تجاه فنان معين او علبة تونة ... المهم ان هاتان الثانيتان يجعلانك تشترى منهم ما يبيعونه.

والأمثلة فى الكتاب كثيرة وشيقة، ومنها مطرب امريكى مغمور كانت له جماهيرية كبيرة فى الحفلات العامة ... ولكن فى التليفزيون وباقى عناصر الميديا فشل، وذلك لأنه ينقل خلال الثانيتين انطباعات معينة تجعله مرفوضاً، ولكن على المسرح انت تكون منبهرا بعوامل كثيرة مثل الجو العام ومن بجانبك لحظتها وبقوة الموسيقى، فبالتالى يشتت كل هذا الثانيتان ويجعل تأثيرهما غير واضح او فعال.

لكن ما اثارنى شخصياً هو تجربة قامت بها احدى الجامعات، لقياس تأثير اللحظات الأولى عندما يواجه الطلبة استاذا جديداً على اداءه باقى العام وعلى رأى الطلبة فيه من بعدها ... فبالتالى قاموا بأخذ راى الطلبة فى مواقف عديدة حول اساتذة معينين، بل عرضوا عليهم مقاطع فيديو تتباين فى طولها او قصرها لقياس مدى تأثر انطباعاتهم الأولى وهل تغيرت بعد ذلك ام لا .. يعنى يطلب منهم ابداء الرأى بعد ساعة كاملة، ثم بعد دقائق قليلة، ثم بعد دقيقة واحدة .. ثم بعد ثوان ... ووجدوا ان الأراء تقريبا متطابقة، بغض النظر عن الوقت المتاح، بين طلبة مختلفين حول نفس الأستاذ بنسبة تقترب من 80% .. مما يعنى ان انطباعات الطلبة الأولى اللحظية صادقة تماما ومعبرة عن الرأى الموضوعى الذى جاء بعد تقييم طويل المدى.

اللى ابهرنى هنا هو "ثقافة" أخذ راى الطلبة فى اساتذتهم فى الجامعة، وتحديد مدى قبول او رفض استاذ معين على اساسها، ومعرفة كيف يحاول الأستاذ تحسين انطباعات الطلبة الأولى استفادة من هذه الدراسة العملية ... ساعتها قلت فى بالى إيه الجراءة العلمية دى، ده لو اتعمل بحث زى ده عندنا حتلاقى الأساتذة ماشيين ورا الطلبه بالفلكه، يستجرى طالب يقيم استاذه، بموضوعية او من غير موضوعية، فى جامعاتنا، وكمان يتسمع لرأيه ويتعمل بحث عليه .. لقد كفروا بالآلهة !!!

أمر آخر توقفت عنده بشده .. وهو إعطاء اسم Adaptive unconsious، أو اللاوعى التكيفى ... على هذا الجزء من المخ المسئول عن الإنطباعات الأولى جاء غاية فى الدقة والتحديد، وقد صار هذا الجزء مجال ابحاث جديدة فى علم النفس، وكلها تعمل من اجل محاولة فهم الطبيعة البشرية، ومساعدة الإنسان على ان يتعرف جيداً على قدراته ويصدر قرارات اكثر حكمة عن طريق معرفة، او بمعنى اصح إحترام، إنطباعاته الأولى وشحذها كوسيلة دفاع اولى امام اى قرارات خاطئة ..

لقد توقفت فى الحقيقة عند ملاحظة الفارق "الثقافى" الكبير بينهم وبيننا ... فهم اخذوا لمحة انسانية وحولوها لعلم غاية فى التخصص والعمق ووجدوا الآليات التى تمول ابحاثهم ، ووجدوا من يجد تطبيقاتها التجارية والإقتصادية والإنسانية.

بينما نحن مررنا بنفس اللمحات الإنسانية، ولكننا افرزنا: "عينى الشمال بترف من الصباحية" و"الفار بيلعب فى عبى من ساعتها"... وتوقفنا هنا وكأن البحث فى هذه الأمور الغيبية، مش مكتوب لنا.

الكتاب قد يعيبه الإسهاب المبالغ فيه فى بعض الأحيان، واستخدام الوصف اللغوى لشرح تعبيرات الوجه المختلفة فى فصل غاية فى الأهمية من الكتاب ... وطبعا الشرح كان صعبا ان لم يكن مستحيلاً، فكيف تشرح مثلا الأجزاء المتحركة فى التكشيرة ... وربما كان من الأفضل وضع رسومات توضيحية لعضلات الوجه المختلفة حتى يمكن المتابعة.

من الآخر:

لو لك فى كتب علم النفس يبقى لازم تقرأه، ولو مالكش .. برضه لازم تقراه، فأسلوبه شيق واقرب للحواديت ويجعلك اقرب كثيرا من التعرف على نفسك، ومعرفة كيف تشحذ من بصيرتك وتشحن بطاريات فراستك ؟؟؟ ... ياااه .. ستكون امورا كثيرة اسهل مش كده.

فادى رمزى

ملحوظة:

اول ما رأيت الكتاب جائنى انطباع ان لغته سهلة وسلسة ... لم اعرف مصدر هذا الإنطباع، وكان هذا الإنطباع صحيحاً. ولكنى عرفت السبب بعد اندماجى فى القراءة فى هذا العالم الجديد. فالعنوان نفسه عبارة عن كلمة لها وقع سلس، وايضاُ لأن الحرف الأول فيها مكتوب b، وليس B بالكابيتال كما هى العادة. هذا جعلنى ايضاً اشعر ان الكلمة خرجت من سياق معين وتم وضعها كما هى على الغلاف (صدقنى وما تبصش فوق)... وبالتالى هذا اثار شوقى للقراءة.