#غادة_بدر تكتب: انا ولطيفة و ... حسين

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم نقد كتاب

 

نستكمل اليوم حديث أول أمس (اضغط هنا) عن لطيفة الزيات وبابها المفتوح ..

وكما جاء فى موقع "إليك كتابى" عن الرواية:

"عكست رواية "الباب المفتوح" فترة هامة من أحداث مصر ... من عام 1946 وحتى 1956 متضمنة مقاومة الشعب المصري للأستعمار الإنجليزي ومعركة بورسعيد، فأكدت على أهمية الالتحام الشعبي والترابط بين كافة أفراد الشعب المصري في سبيل الدفاع عن الوطن.

وقد غطت الرواية فترة هامة في تاريخ مصر الحديث، ولم تسلط الضوء فقط على القضايا السياسية ولكن ربطتها بالقضايا الاجتماعية آنذاك، والتي تمثلت في التأكيد على أهمية مشاركة المرأة مع الرجل في الدفاع عن مصر وأن تخرج المرأة من عزلتها ومن داخل الأسوار التي فرضتها عليها الأعراف والتقاليد..
فالقضية في نظر لطيفة الزيات أكبر من كونها سياسية، فهي تتعداها لتكون قضية عامة تشمل مختلف جوانب المجتمع المصري آنذاك " .... وللأسف الشديد حتى لحظتنا هذه.

سألخص لكم الرواية من منظور رؤيتي عنها ..

عندما قراءت الروية شعرت أنني أرى إزدواجية المجتمع بكل زواياها .. فعصام هو ذلك الرجل الذي ينظر للمرأة كمجرد جسد، أما الدكتور رمزي فهو المثقف السطحي المتغطرس الذي يضع نفسه خلف قناع من المثالية الأقرب منها للألوهية عن البشر، وهو في الحقيقة كغيره من الذئاب الذين يعتبرون المرأه مجرد جسد وواجهة أجتماعية للرجل. أما عن محمود فهو ذلك الرجل المتطلع إلى التغيير ولكن تقهره الظروف وقيود المجتمع.

وهكذا نرى أن كل الشخصيات هي ضحية لمجتمع اتخذ من "الاصول" ستاراً يخفي به ضعفه وقهره ... فيفرز ليلى تلك الفتاة المقهورة دائمًا المغلوبة على أمرها، التى كانت ضحية أبيها، هذا الاب النمطي والتقليدى والذي لا زال نراه في بيوتنا .. هو يعرف الحياة بشكل يبعدك عنها فتفضل الموت شنقآ على العيش معه. وهو يعتقد أن أبناءه مقتنيات وأملاك يحق له التحكم في مصائرهم كما يشاء. فتجده يصادر حق ابنه في العمل الوطني وفى اختيار شريكة حياته.

أما حسين فقد كان هو الحلم الوردي الذي يعيش في خيال ووجدان كل فتاة، هذا الرجل الذي يقتحم عقل المرأة قبل قلبها .. يستأذن ويدق دقات محسوبة قبل أن يغزو حواسها.

أعتقد أنه في أي مكان أو زمان ستستمتع كل فتاة في عمر ليلى بكل كلمة تحتويها هذه الرواية، وستشعر وكأنها بطلة الرواية ... وكأن الرواية تتحدث عنها هي شخصيآ في مرحلة ما من مراحل عمرها.

عندما بدأت بقراءة رواية الباب المفتوح كنت أشعر أن عيني تنفتح على مجتمع ذو وجهين تحكمه العادات والتقاليد واﻷصول متناسيآ تعاليم الديانات السماويه ... ولم تكن صدمتي في مجتمع الستينات ولكن كانت الصدمة في أنني عند قراءتي لتلك الروايه المكتوبة عام 1960 كنت أشعر أن الكاتبه تكتب يوميات حياتنا اليوم بعام 2015 ... فلا زالت كل ازدواجية المجتمع التي ناقشتها الكاتبة بين سطور روايتها متفشية بيننا، بل وتتطور يومآ بعد يوم .. فلأسف الشديد لدينا أرث معقد من العادات والتقاليد البالية.

سنذهب معآ في رحلة قصيرة مع بضع كلمات من فارس أحلام كل فتاة ..

خطاب حسين لليلى:
وانا أحبك يا حبيبتى وأريد منك أن تحبيني ولكنى لا أريد منك أن تفنى كيانك فى كيانى ولا فى كيان إي أنسان ...أريد لك كيانك الخاص المستقل والثقة التى تنبعث من النفس لا من الأخرين....... فأنطلقى يا حبيبتى أفتحى الباب عرضا على مصراعيه واتركيه مفتوحا وفى الطريق المفتوح ستجديننى يا حبيبتى انتظرك لأنى أثق بك وأثق فى قدرتك على الأنطلاق

حقآ أصدقائي وقعت في هوى شخصية حسين .. وهذا ما جعلني أتساءل كم رجلآ في حاضرنا الأن مثل حسين - (فييييييييييييينك يا حسبن)
يقول أحمد خالد توفيق "الأدب الجيد قد يعلمنا الكثير عن الآخرين والحياة.. قد يمنحنا لحظات جميلة من الراحة بعيداً عن المشاكل وحين نفرغ منه نكون قد صرنا أفضل وصرنا أكثر استعداداً لمواجهة الواقع

وهذا بالضبط ما شعرته به منذ سنوات عدة بعد أنتهائي من قراءة "الباب المفتوح" ... شعرت أني صرت أفضل وأقوي كثيراً في مواجهة مجتمع يريد للمراءة أن تذوب في كيان الرجل – يريد لها أن تمحى في سبيل مجده – فتجد الأبن يتفاخر بأن أمه قد أفنت عمرها لأجله- لا أفهم بالتحديد لماذا تفنى عمرها؟؟؟

ساعدتنى قراءتي وفهمي للرواية فى تحرري وخروجي من دائرتي الضيقة وأثباتى لذاتي ... فشعرت أكثر بوطني وبأنتمائي له. وسأروي لكم قصتي مع الأنتماء من خلال ليلى ... فهى قد شعرت بالإنتماء ومشاعر الفرحة تغمرها عندما علمت برحيل الملك عن مصر، والتي قادتها تلقائيآ لأن تتطوع في الحرس الوطني.

كما شعرت بالأنتماء إيضآ وهي في طريقها للإنضمام للمقاومة الشعبية في بورسعيد، فقد شعرت حينها انها اصبحت جزءاً من الكل، وأنتشت حين أدركت مدي قوتها وهي بين الناس تتطلع معهم إلي مستقبل أفضل لوطنهم ... شعور يفتقده الكثيرون منا الآن ..

ثم جاءت نهاية الرواية جميلة ومتفائلة تدعونا إلي تحطيم كل القيود، متمثلآ في أصرار الجماهير علي تحطيم قاعدة التمثال لا رأسه فقط، بما معناه أن التحرر من الإستعمار وحده لا يكفي، فلابد أيضاً أن نتحرر من الحكام المستبدين ومن الفكر السلبي الذي جعل معظم الشعب يقف موقف المتفرج من الحركة الوطنية ... فلا يسعني سوى أن أقول أن من يبحث عن معني الإنتماء عليه بقراءة هذه الرواية الرائعة ... ايضا من يبحث عن نفسه انصحه بقراءتها.

ومن اكثر الحوارات التى أعجبني كثيرآ فى الرواية، ذلك الذى دار بين ليلى وأمها ... فقد أعادني إلي محطة الذكريات مع زوزو (ماما) حبيبتى ..

الأم: أنتي يا تقعدي مجعوصة يا تحطي رجل على رجل .. الناس تقول ايه مش متربية
ليلى: أنا زهقت من الناس مش عايزة أشوف حد
الأم: لا ضروري الناس تشوفوك – يقولوا مستخبية ليه ... كتعة ولا عرجة

وهكذا .. إذا ما امتنعت ليلى عن الدخول للضيوف أتهمتها أمها أنها براوية ما بتحبش حد ... وإذا دخلت لامتها لإنها لا تسامرهم ... وإذا تكلمت لامتها لأنها تتدخل في شئون الكبار ... وإن أطالت جلستها أشارت لها بالخروج ... وإن خرجت مسرعة قالت لها أنتي كنت ملحوقة على أية !!!
ليلى: أنا في الحقيقة أحترت وياكى يا ماما ... كل حاجة أعملها تعطلع غلط في غلط.

الأم: اللي يمشي على الأصول ما يغلطش
ليلى: وأيه هي الأصول؟
الأم: الأصول أن الواحد ... (وتضيف الأم حدودآ جديدة للأصول)

ويبقى لنا أن نعرف أن ذكرى الكاتب تخلد من كلماته وسطوره ... فلم يتبقى لي من لطيفة سوى كلماتها التي لا تزال عالقة بذهني فتجعلني أكن لها كامل التقدير والأحترام .... ففي كتاب "حملة تفتيش" (وهو يعتبر سيرة ذاتية عن حياتها) تسطر الكاتبة هذه الكلمات لتلخص بها مشوار حياتها ...

(أعلم أنا الآن... أن على الإنسان أن يروي الشجرة إلى أن تخضر... و دون أن ينتظر أن تخضر... على الإنسـان أن يروي الشجرة حتى لو لم تتح له فرصة من العمر ليرى الشجرة تخضر ............. ورغم الإضضطهاد رويت الشجرة)

وأخيرآ لا يسعني سوى قول جملتها الشهيرة - أننا لا نتوصل إلي ذواتنا الحقيقية إلا عندما تذوب الذات في شيء ما ... خارج عن إطار هذه الأنا الضيقة.

غادة بدر