#نقد_كتاب: متى سكن المصريون مصر؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 

ما الذى يمتعك او يبهرك فى اى كتاب تقرأه؟ بالتأكيد براعة المحتوى، افكار الكاتب ورؤيته، موضوع الكتاب وما يناقشه او يكشفه ... هذه هى الاجابات المتوقعة ... لكن أن يبهرك الكتاب أكثر باخراجه الفنى وبالأسلوب المبدع فى طرح محتواه ... فهذا يجعل من الكتاب طفرة فى عالم الكتب المطبوعة، وليس مجرد كتاب آخر ينضم لاخواته على احد أرفف المكتبة.

إن كتاب متى سكن المصريون مصر، للكاتب أحمد فهيم والذى نشرته مؤسسة دوم ضمن سلسلة ببساطة التى تهدف الى التشجيع على القراءة ونشر الثقافة، هو التطور الطبيعى للشكل المعتاد للكتاب بصفة عامة والتاريخى بصفة خاصة ..

فكما نعرف كلنا ان قراءة كتب التاريخ ضرورة انسانية، فمنها نتعرف على امور كثيرة عن ماضينا ونحدد اين نحن فى حاضرنا، ولكنها بالتأكيد تكون مهمة ثقيلة، فكتب التاريخ لا تنافس مجالات القراءة الأخرى فى عوامل جذب القارىء المختلفة ... ولكن اسلوب المؤلف أحمد فهيم، وخفة دمه، والاخراج الفنى المبدع فى كل صفحة، قد جعلا من تلك الرحلة التاريخية متعة غير مسبوقة وسبق أدبى ثقافى فى دنيا القراءة.

الكتاب يدور حول العصور التى يطلق عليها ما قبل التاريخ، العصور الحجرية القديمة والحديثة ويجيب على سؤال :عملت ايه يا حلو لما نزلت الوادى؟ ... الحلو المقصود هنا هو المصرى القديم، حيث يعرض الكتاب اسلوب معيشته وطرق حصوله على غذائه وطبيعة مسكنه وعلاقته مع بيئته وكيف تبلورت معتقداته وتشكلت الهته ...

ايضا يقارن المؤلف بين المصرى القديم وأى قديم من باقى الحضارات المعاصرة وقتها ... ويجيب على اسئلة هامة ومن المفيد جدا معرفتها، الا وهى: إشمعنى الفخار وقع منهم فى الشام واستخدمناه احنا هنا؟  ... وينتهى الى ان "الصعايدة يكسبوا" فى الفخار وفى امور عديدة اخرى. وذلك فى طرح معلوماتى مبهر تعلمت منه الكثير جدا.

يناقش الكتاب كيف تحول تقديس المراة الى تقديس الزعيم الرجل ... ويطرح علينا تاريخ حضارة المعادى، التى نشات بالقرب من حلوان منذ قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة ... وقبل ان تنحصر حاليا فى الكورنيش ودجلة وشارع 9.

الكتاب معاصر فى طرحه، ويقدم تساؤلاتك باللهجة العامية وبخفة دم مصرية، مطعمة برسومات كاريكاتورية تنسف فكرة ان الاجداد لابد وان يكونوا مكشرين ولا يتمتعون ابدا بروح الدعابة ... فالكتاب يخرج عن اى كليشيهات معلبة، تحد من رؤيتنا على النظر بموضوعية وبطريقة علمية محايدة ... وذلك حتى نتعرف، بطريقة سلسلة ومحببة، على تاريخنا بدون قوالب محفوظة صبها التعليم الفاشل فى عقولنا، وايضا بدون عنجهية فارغة بان مافيش زينا فى الدنيا.

الكتاب يوضح كيف كان اجدادنا محظوظين بتواجدهم على ارض مصر الطيبة ... وكيف تطوروا تدريجيا مع باقى البشرية، وتميزوا حضاريا لاسباب علمية ولظروف بيئية اجادوا استغلالها.

ويكشف الكتاب عن مفاجأة .. وهى انه لا يوجد ملك اسمه مينا موحد القطرين على مدى التاريخ المصرى كله، فكل هذا شغل بولوتيكا من مجموعة من الكهنة ... ارادوا ان يكتبوا اسطورة التوحيد بين مملكتى الشمال والجنوب، حتى يشتغل عليها كل فرعون لتعزيز اركان السلطة، فهو وحده، اسم الله عليه، الذى يحافظ على تلك الوحدة وبدونه ستتفكك الدولة.

تلك هى الفزاعة المرعبة التى يجب ان نشكر الفرعون ليل نهار على انه يحمينا منها، مع ان مجرد تواجد النيل والمصالح العديدة المشتركة كانت اسباب الوحدة التدريجية بين التكتلات البشرية المختلفة فى الصعيد والدلتا، بدون اى داعى لتدخلات سلطوية فرعونية.

مليار شكر للمؤلف والرسامين المبدعين، محمد حاكم وسمير عبد الغنى، وأحمد عاطف المسئول عن الاخراج الفنى، وللكاتب خالد الخميسى صاحب مؤسسة دوم للثقافة المسئولة عن اصدار تلك السلسلة.

الكتاب يستوجب القراءة بكل تأكيد .. بل اكثر من ذلك اطالب بان يصبح هو منهج التاريخ للمرحلة الابتدائية ... كما هو بدون اداء اى تعديلات عليه، فهو عمل ادبى تاريخى فنى يمكن ان تستخرج منه المعلومة بسهولة وتضمن ثباتها فى اذهان اطفالنا، وايضا تمتعهم وتحببهم فى التعليم بصفة عامة والقراءة بصفة خاصة.

ارجو اقتناء هذا الكتاب الهام والمقارنة بينه وبين مناهج التاريخ التى يتم اطلاقها عاما وراء عام مفترسة عقول اولادنا ... ومع المقارنة ستدركون لماذا كانت حضارتنا قديما من اقوى حضارات الدنيا، ولماذا نحن اليوم نعانى لو رايحين من مدينة نصر لشبرا.

فادى رمزى