#نقد_كتاب: عابد المصرى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 هذا بدون اى مبالغة امتع كتاب قرأته بحياتى ..

لم اشعر من قبل بهذا القدر من التشويق و الإثارة و الإنبهار و الفضول مع اى كتاب آخر، سواء كان يحكى عن سيرة ذاتية مثل هذا او كان ينقل لنا مؤلفه تفاصيل رواية خيالية. فطوال صفحات هذا الكتاب الـ 397، بما فيهم الصفحة اللى فيها رقم ايداعه اللى قرأتها لأنى مش عايز اسيبه، لم اشعر بلحظة ملل واحده ... او حتى استطعت ان استنتج ماذا سيحدث بعد ذلك او اتوقع مصير بطل هذه الرواية .. عفواً الملحمة.

انا كنت اظن ان الكتاب يحوى قصة تحكى ماحدث لجندى مصرى شاء حظه ان يعمل فى مكتب المخابرات الحربية بغزة قبل حرب 1967 بشهور قليلة ... اى انها قصة تتشابه مع الناس و الحرب، لنفس المؤلف، او خطوات على الأرض المحبوسة، لمحمد حسين يونس، أو قصر فى الجنة لمحمد زكى عكاشة ..

فالجندى المصرى وقت "الوكسة" كان امامه 3 سيناريوهات، الله يلعن اللى فرضهم عليه، يا إما يعود مشياً للضفة الشرقية فى تحدى بدنى و نفسى مهول، و إما ان يقع فى يد قوات العدو فيؤسر أو يُقتل.

و كنت اظن اننى بقراءة هذه الكتب السابق ذكرها، و كتب حرب أخرى، قد غطيت هذه السيناريوهات تماماً ثقافياً و ادبياً و درامياً ... و لكن هذا السيناريو الرابع الواقعى، الرهيب فى تفاصيله، لم اتصوره ابداً، بل اتحدى ان يستطيع تخيله اى عقل بشرى، فأحداثه تجوب بنا فى سيناء و اوروبا و الإسكندرية و الإسماعيلية و القاهرة و ... قرية صغيرة تسمى نكلا فى محافظة البحيرة.

عابد المصرى ليس فقط جندياً مصرياً لمعت قدراته فى لحظة بطولية معينة يحكى عنها التاريخ العسكرى بعدها لسنوات طويلة، او حتى تفانى فى حبه لوطنه ففداها بدمه ... بالعكس، فهو انسان قريب منا، مطحوناً مثلنا، مكتئباً من تدهور اوضاعنا، خطاءاً يضعف امام اغراءات الخطية،و عدد من قتلهم من قوات العدو بيديه قد لا يتعدى اصابع اليد الواحده ! ..

لكنه يحمل بداخله كل نقاء و صلابة و قوة ارادة الشخصية المصرية، فبالتالى جاء سيناريو حياته اقسى بكثير من سيناريوهات عاشها من عاش، فى الصفوف الأمامية، الحرب بكل ويلاتها. فهو لم يعش الحرب بل ان الحرب قد عاشت بداخله، عاثت فسادا بنفسيته و بسلامة عقله و بدنه ... لقد تقمصته الحرب و عاشت فى صراع داخلى مع روحه و ارادته تريد ان تكسره فلم ينكسر، بل انه ارتضى و احترم شروطها القاسية و استطاع بهدوءه النفسى الغير مسبوق ان يطوّع هذه الشروط لمصلحته و لمصلحة بلده.

لا اريد ان افسد عليكم "متع" قراءة هذه الرواية بالكشف عن اى تفصيلة من تفاصيل الأحداث المثيرة، و لكن حتى اقرب الصورة اكشف عن جانب واحد يعرفكم كم المعاناة التى عاناها، و كيف تعايش معها، و كيف استمرت حربه مع عدوه و مع نفسه لسنوات طويلة.

عابد المصرى خرج فى مهمة استطلاعية مدتها 5 ايام وراء خطوط العدو ... و لكنه لم يعد، بل امضى فى كهوف سيناء أربعة اعوام كاملة ... امضاهم وحيداً ابكماً فى حياة بدائية اختارها برضاه هرباً من حياة المدنية التى لم تنصفه، بل انها اهانته و بعثرت كرامته.

أربعة اعوام متصلة، ده غير الشهور الطويلة المنفصلة من قبلها، أمضاها برفقة كلبة من كلاب الحرب التى تستخدمها فرق الصاعقة، و ماعز جبلى وجدها تائهه. مرت الأيام و صار يتكلم و يتصرف مثلهما، يعتبرهما اسرته و يتحدث مع الكلبة، و كأنها رفيقة حياته ... ساعدها على ان تلد صغارها، فقد مدته ادارة الجيش المتخبطة المهرجلة بجهاز ارسال غير صالح لأن يستخدمه، بالإضافة إلى كلبة طلعت حبلى. فبالتالى اصبح مسئولا عنها و عن صغارها و يصطاد الطعام له و لها و للعنزة التى تمدهم بلبنها.

وفوق كل ذلك كان يقوم بمهامه التجسسية بكل دقة، و تخطى بإرادته و قدراته حدود المهمه "البسيطة" التى كلفتها به الإدارة ... جاب سيناء كلها بحثاً عن المعلومة، ترافقه اسرته من ذوات الأربع دائماً، و الذين يتزايد عددهم كل عدة اشهر و لكنه لم يتخل عن ايهم.

صار عابد رجل الكهف الأسطورى المتعايش مع الطبيعة، طعامه منها و تقشفه تبعاً لظروفها و اعدائه كائناتها الشرسة و العدو الأشرس الذى احتلها ... أى حياة قاسية تلك ! و ماهى طبيعة هذه الشخصية التى تحتمل كل هذا بإرادتها ؟.

كان فى استطاعة عابد ان يعود الى اسرته بعد نهاية مهمته، و لكن ماعاناه من فساد و عنجهية و تخبط و بلطجة قيادات جيشه بعد انسحابه قد جعله لا يبغى الرجوع مرة ثانية. فقد ارتضى هدوء الصحراء رغم قسوتها بديلاً عن راحة المدنية مع فساد الساكنين فيها.

لو اردنا ان نقدم عملاً عن بطولة الإنسان المصرى، و ليس فقط الجندى، و قدراته الكامنه، و عن تعنت السلطة و جهلها و كيف تؤدى بالأمة الى التهلكة، و عن قيمة العمل المنظم و احترام قيمة الإنسان من قيادات فاهمه، و عن طبيعة الحياه فى سيناء و تضاريس جبالها و حيواناتها، و عن اعمال الله و معجزاته التى يضعها فى طريقنا و لا نلتفت بغلاظة قلوبنا إليها، و عن وحدتنا القومية التى تبرز دون شعارات جوفاء رنانة ..

على ان يكون كل ذلك مغلفاً بإطار درامى انسانى رومانسى كوميدى صوفى فلسفى و كمان حربى مخابراتى، فلن نجد افضل من هذا العمل لنقدمه لأطفالنا و شبابنا و للعالم اجمع حتى يتعرف بصورة صادقة علينا و على طبيعة الإنسان الفريدة ... فهو كتاب انسانى به رعشة الحب و ضربات الحرب و ضحكات من القلب و منتهى الفرح و قمة الغُلب.

لقد سما عابد فوق الطبيعة البشرية المعاصرة و التحم مع ارضه، جعل حياته ابسط و انقى و اهدافه اكثر وضوحا و اعداءه اسهل وصولاً، اضاف ببصيرته و ايمانه عيناً ثالثة يرى بها العالم كما لا نراه ... و نقل الصورة التى يراها بكل تفاصيلها إلى من يهمه الأمر، تاركاً الأمور الخارجه عن ارادته بعيداً عن اهتماماته، فقد حصر حياته فى بُعد مختلف اكثر هدوءا و انقى فكراً.

اسلوب المؤلف أسامة الصادق، الذى تعمدت عدم ذكر اسمه حتى الآن، جاء كما يجب ان يكون عند تناول ملحمة مثل هذه على لسان بطلها، الذى امضى معه ساعات طويلة يسجل فيها ذكرياته كواجب أخير يؤديه تجاه وطنه ... فالمؤلف لم يفرض اسلوبه او شخصيته على الأحداث، و يعبر عن رأيه بصورة مقالية بعض الشىء، كما كنت المس فى اعماله السابقه: نص نقل و عائلة الحنونى، بل جعلنا بحسه الأدبى الرائع نرى و نسمع صوت عابد اثناء القراءة ..

أسمعنا المؤلف صوت وحدته و صوت آلامه من افعال بنى وطنه و من متوحشى خـَلْقُه، بكل فصائلهم، و تألق فى وصف الكهف العائلى الذى يشغى بالحيوانات التى تعبر عن رغباتها و الامها بينها و بين عابد، و ذلك فى تواصل "انسانى" غاية فى الشفافية و الرقى و العمق ... مما يجعلنا ننظر بصورة مختلفة لكائنات الله التى تشاركنا هذه الحياة و نستهين دوماً بها.

أسامة الصادق يستحق ارقى الجوائز الأدبية على رسمه لشخصية "روز" الكلبه و "سحاب"، كلب حرب آخر صادفه عابد خلال ملحمته الأرضية، عمق رهيب اضافه للشخصيتان و كأنه جلس معهما و سجل مذكراتهما. لقد نقل لنا افكارهما و انفعالاتهما ... بل و ردودهما على عابد حين كان يحاورهما. فعل كل ذلك بدون ان يدخل فى نطاقات ادبية خيالية، قد تكون مقبولة، و لكنه تمسك بالواقع بكل قوة فى كل تفصيلة ... و هذا اضفى على الشخصيات مصداقية و على كل كلمة فى الكتاب قوة و عمقاً اكثر مما كان يمكن تحقيقه بأى اسلوب ادبى آخر.

لقد اسمعنا المؤلف اصواتا لم ندر بوجودها من قبل، و حفز حواسنا اثناء القراءة حتى اصبحنا نسمع صوت الملائكة فى مشهد ادبى لم استطع امامه منع دموعى من النزول ... فقد عاش عابد بداخلى طوال القراءة، حتى ان ظلمة كهفه اطفأت الانوار من حولى حتى صرت لا اشعر بها.

قوة الكتاب الحقيقية هو انه ارانا طبيعة الإنسان بكل شوائبها و نقاءها، و طبيعة السياسة بكل مصائبها و حنكتها، و طبيعة العسكرية المصريه بكل نواقصها و بسالتها ... لم تؤثر هزيمة على رؤيته او أغشى الانتصار عيناه عن عيوبنا، مما قد يجعله يبالغ فى قدراتنا ... و هذا للأسف مالا يعرفه اغلب من تناولوا انتصارنا فى وسائل اعلامية او وسائط ادبية أخرى.

سيبكم من كل ما سمعناه من برامج و حوارات و احصائيات عن حروب الإستنزاف و معركة العبور، فكل هذه قشور البطولة و تستحق كل الإحترام و التقدير منا، و لكنها لا يجب ان تحيدنا عن رؤية البطولة فى اخلص و اعمق صورها، فالبطولة مع عابد ولدت و نمت بداخله بالتدريج و بدون اى محفزات لحظية خارجية، بل بجيناته و ارادته غذاها و كبّرها حتى صارت البطولة جزءا منه و عنصراً من عناصر تكوينه ... تبدو فى كافة تصرفاته و انفعالاته.

هذا الكتاب يجب ان يقدم كـ "فيلم مصرى" بكل ما تحمله هاتان الكلمتان منفردتان من معانٍ، فيجب ان يتناول القصة سيناريست و مخرج فاهمين و موهوبين، فكتابة و إخراج مشاهد بها انسان يتحاور مع حيوان من اجل تنفيذ مهمه حربيه مع مراعاة بعد نفسى و فلسفى مثلما جاء فى الكتاب لهو امر لا يجب ان يتم تناوله بنظام "سبوبى" تجارى ..

و يجب ان يتوفر لهذا العمل كافة الإمكانيات البشرية الموهوبه فى كل عناصر العمل، فتكلفته المادية ستكون بسيطة للغاية و لكن الإحساس العالى و تميز كل العناصر المشاركه هو السبيل الوحيد لنقل هذا الكم من الجمال و القسوة و البطولة و الحسرة إلى الشاشة.

إن قراءة هذا العمل فى نظرى واجب قومى، فأمثال هذا العابد المصرى يمثلون تاريخ و جغرافية امه بحالها، و بئر من الأمل و الفخر لا تنضب ماءه ابدا.

تحية منى لكل من ساهم فى إخراج هذا العمل، من صانعه عابد إلى ناقله أسامه و حتى مبدعة غلافة ريهام سهيل، التى ظللت بعد قراءة الكتاب اتأمل لوحتها و اتحاور مع تفاصيلها لدقائق طويلة، فكانت احسن سلام و احسن ختام لهذا العمل الذى سيحتل مكاناً مميزاً فى مكتبتى و فى عقلى و قلبى ..

فادى رمزى

اماكن تواجد الكتاب:

دار ليلى (امام بنك ناصر الإجتماعى بشارع قصر النيل)

دار الفكر العربى (94 عباس العقاد مدينة نصر و 27 ش عبد العظيم راشد بالدقى)

دار فكرة (سان ستيفانو مول بالإسكندرية)

للتواصل مع المؤلف و السؤال عن اماكن بيع اخرى: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.