قصر فى الجنة، ودعوة لـ #محمد_زكى_عكاشة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

  عرفته فى أغسطس 2009، وكان اللقاء أدبيا ومن طرف واحد، فقد لاقيته من خلال كتاب قصر فى الجنة، عن قصة بطولته فى حرب أكتوبر ... سردها بمنتهى التواضع والبساطة والسلاسة وبحس أدبى غاية فى الشياكة. بعدها التقيت به فى عدة ندوات وفعاليات، تباينت مواضيعها وان كان شغفه وامله فى ان ينصلح حال البلد هو اقوى رابط بينها ... فكلها كانت حول المستقبل وكيفية تحقيق الآمال الموضوعة، وكيف من دروس الماضى نستطيع شحن ايجابية فى واقع متخبط ومتألم.

كانت لقاءاتنا تليفونية متباعدة، وكنت أخرج من كل لقاء بيقين ان تعبير "دولة العواجيز" لا يرتبط بالسن بل بمنهج التفكير المتجمد التقليدى الفاسد، فهو أبعد ما يكون عن الفكر رغم تقدم عمره. فهو كان مؤمنا جدا بالشباب وثوريا لأقصى درجة، ويؤمن بالعلم واللجوء للحلول غير التقليدية، وضرورة ان تتوافر لدى الرئيس القادم "الرؤية" فالرئاسة ليست بالدراع ولا بالإرتكان الى أغلبية ... وهو ما يتضح من الحوار المصور المرفق فى نهاية المقال، والذى كان لى شرف إجراءه معه يوم 16 يناير 2012، على هامش مؤتمر خاص بالحلول العلمية المطلوب تطبيقها فى سيناء.

رجل افتخر بمعرفته وبأننى نلت مساندته، فقد كان كاتبا ومتابعا لمجلة مصرى ولنشاط مؤسسة مصرى التى اشرف بانى من ضمن مؤسسيها. وكان ينتوى لقاء بعض من قراءها وكتابها من خلال سهرة عشاء نيلية ظللنا نؤجل فى موعدها تبعا لتداعيات الاحداث الجارية، ولكن شاء القدر ان يحرمنا من لقاءه معنا ومع الفائزين فى مسابقة "ابحث لتعرف" التى دارت حول حرب أكتوبر المجيدة.

خبر وفاته جاء صادما لى شخصيا، فقد كنت اتمنى ان استزيد من معرفته ومن متعة مناقشته ... وكنت ارى فيه الطاقة وقوة التصميم والإرادة على المساهمة فى التغيير بكل ما يمكن بذله من فكر وجهد. 

الله يرحمه ويكرمه بقدر الفائدة والطاقة الإيجابية التى منحها للعديد من معارفه ومن تابعوا افكاره واراءه وانشطته ... وأترككم مع عرض لجانب غير مطروق بكثرة من جوانب شخصية عميقة وثرية مثل شخصية اللواء محمد زكى عكاشة، وذلك من خلال نقد كتبته ونشر فى مجلة مصرى يوم 30 أغسطس 2009، وتصدر غلاف الكتاب غلاف المجلة فى هذا العدد:

"ده تالت كتاب أقرأه هذه السنة عن حرب 1967 و 1973، و يجمعهم كلهم إنهم بقلم ... أو بمعنى أصح بقلب و إنفعالات و ذكريات 3 ظباط عاصروا هذه الحروب و عصرتهم. بدأتها مع الأسير محمد حسين يونس فى خطوات على الأرض المحبوسة، ثم مع المنسحب أسامه الصادق فى الناس والحرب ... ثم جاءت التالتة، اللى اكيد مش حتبقى تابته، مع الطيار محمد زكى عكاشه فى قصر فى الجنة.

وبما أنه طيار، فقد أثر هذا على أسلوب نقله و كتابته، فقد حلق بنا فوق أزمنة هذه الحروب و مراحلها المختلفه ... أعطى لنا صوره شامله ثم أنقض على مواقف معينه ليعرضها لنا من وجهة نظر الحرب نفسها ... يعنى إيه الكلام ده؟ أقول لكم.

هذا الكتاب كان من الممكن ان يُسمى "الحرب تتحدث عن نفسها"، فالكاتب أسلوبه حيادى تماماً فى عرض أحداث كل موقف إنسانى حدث أثناء و بسبب و عن طريق هذه الـ "حرب". ظهر هذا بشدة فى فصل "إنسان و بند أوامر" فهو عرض للتسجيل المكتوب لكل حدث كما يقيد فى الوحدة العسكرية، يتم التسجيل طبعاً بطريقة عسكرية بحتة ..

يعنى مثلا خروج وحدة مؤلفة من 3 ضباط و 20 جندى يتم تقييده باليوم و الساعة. ثم البند التالى يتم تسجيل عودة 2 ضابط و 12 عسكرى باليوم و الساعه ... عرفتم البند التالت حيبقى إيه؟ تمااام، تسجيل إستشهاد 9 افراد: فلان و مستحقاته كذا ... و فلان و مستحقاته كذا ... إلخ. البند اللى بعده، تسجيل تصريح اجازه، ثم تسجيل عهده .. إلخ.

مش بقول لكم الحرب هى اللى بتتكلم ... فهل تعتقدوا حتبكى على كل واحد يستشهد !!! لأ طبعاً دى حرب، يعنى إنعدام المشاعر فى تكوينها و كمان هى واخده على كده. يبقى المواقف بالنسبه لها مجرد مفارقات تحكى لعرض تصريفات القدر او عجائب البشر او لتسجيل الحاله السياسيه و الإجتماعيه فى هذه الفتره.

محمد عكاشة ترك الحرب تتكلم براحتها، و ساب الإنفعالات و الإنطباعات علينا ... فى بعض الأوقات نقل، بدون تعليق منه، بعض اللمحات الإنسانية مثل: الصلاه قبل القيام بالطلعة، والميكانيكى اللى بيقبل الصاروخ قبل إقلاع الطائرة، أو طفل فى زمننا هذا يسأل جده: هو أنتم حاربتم إسرائيل ليه؟ مش الحرب وحشة ... و إنت تفهم اللى تفهمه، فهمتم الفكره؟

لم يستطرد الكاتب فى الشرح أو التبجيل أو التمجيد أو الرثاء ... فضحايا الحرب شهداء، بس كفاية ... مش محتاجه شرح زيادة. الكتاب فقط شرح إزاى و ليه و علشان إيه، و إنت يا قارىء تفهم اللى تفهمه. الراوى عايز يخلص ضميره و ينقل ما شاهده و سمعه، لربما يستفيد من يقرأ مما كتبه.

ضايقنى بعض الشىء عدم الترتيب الزمنى للفصول ... فهو يقفز ما بين مآسى و امجاد وكواليس حروب اليمن و يونيو و أكتوبر و الحاضر المتجه بقوه نحو توكر. لكن كما قلت الحرب تنقض على مواقف معينه و ترويها ... وهى بسطوتها تختار ما يناسبها وقت ما يناسبها، لربما أراد الكاتب أن يفصلنا فى كل فصل عما قبله، يعنى كانه بيقول لنا: ها شفتم الحرب بيحصل فيها إيه؟ طب خدوا بقى الحكايه دى ... ثم بين الفصول يحشر فصل يستعرض فيه مدى تأثير الحرب على زماننا.

تألق محمد عكاشه فى فصل "عزاء 5 نجوم"، فبعد ان قرأنا مواقف تشيّب الأقرع عن الحرب ... إستضافنا معه فى عزاء شخصيه مرموقة راحله إمتلأ بالمرموقين اللاحقون له بعون الله. "مراميق" ولاد ... مراميق، كل منهم فى طريقه لنهب نهيبه و بيحاول يسلك اموره فيها، و كلنا عارفين إن المراميق على اشكالها تقع و تعز خدمة اللى زيها موووت. كل ده و صاحبنا عكاشه، بتاع إسمها إيه دى حرب أكتوبر، قاعد يا ولداه بيهرى و يُنّكت (ده برضه الإنطباع اللى نقله مش وصفه)، و هو قاعد يسمع عن ولاد العم اللى بقى إسمهم فى كل معاهدة دولية وتجارية وناقص ينزلوا لنا من الحنفية.

الفصول الوحيدة التى وجد محمد عكاشه ان إنسانيته بإنفعالاتها يجب ان تطغى على ما يكتبه، كان فى أول فصول الكتاب ... و ذلك عندما حكى عن مشاعره عندما كلف بنقل خبر إستشهاد أحد الضباط إلى أسرته، فصل بديع أبدع فيه محمد زكى عكاشه و نقل لنا ما يدور بداخله بطريقه سينمائية ناعمة.

أيضاً جاء أخر فصول الكتاب "إعتصام الشهداء" موجعاً جداً، فالمؤلف، مش الراوى بقى، يتخيل كل الشهداء و قد إعتصموا لما شافوا حال البلد ... بيسألونا بغضب: هو أحنا متنا علشان الحال يبقى كده؟ يعنى أخر أعمالنا إسم على حيطة و حتة شهادة لعائلاتنا !! لو كنا عرفنا كده كنا سبنا نجمة داوود على أرضنا.

أنهيت الكتاب و أنا متضايق من عيب رهيب فيه ... فهو قصير للغايه (200 صفحه)، مش بقول كده قال يعنى علشان أبين جماله ... لأ، ده عيب محورى و خطير. فكتاب مثل هذا، يتناول مواقف حربيه إجتماعيه تبدأ من حرب اليمن و حتى أكتوبر مع تلميحات على الزمن الحاضر لا يمكن، عفواً فى اللفظ، "يتسلق" فى هذه الصفحات القليله. الموود إنقطع فجأه و بسرعه مما أفقد الكتاب عامل مهم جداً فى رأيى المتواضع، و هو إندماج القارىء معه.

فى كتاب محمد حسين يونس كنت أشعر أنى بجانبه فى زنزانة أسره يوم بيوم، و مع أسامه الصادق رجلى وجعتنى و زورى إتشقق من وصفه للتعب و العطش اللى مر بهم أثناء إنسحابه. أما مع محمد عكاشه فإنى إضطررت أن أقرأه مرة أخرى حتى أكرر الجرعة. ربما يكون قلة عدد الصفحات و الروايات قد تم لأسباب إنتاجيه ... لكنى كقارىء ماليش دعوة، فبالتأكيد جعبته مليئه بالكثير جداً ... فلماذا هذا البخل علينا؟"

هكذا كتبت وهكذا استمتعت ... الله يرحمه بقدر ما دافع عن تراب بلدنا وجاهد من اجل نصرتها حتى آخر أيامه بيننا، وندعو الله أن يجعل مثواه كإسم كتابه .. قصر فى الجنة.

فادى رمزى

حوار أجريته مع اللواء محمد زكى عكاشة فى 16 يناير 2012:

060414 article3 photo2