#نقد_كتاب: الناس و الحرب

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 عادة كل الكتب اللى بقرأها بتبقى من حر مالى، بس الكتاب ده أعارته لى صديقة، رأت فيه ما قد يمتعنى ويشبع شغفى بالقراءة ... و رأت مدى حوجتى اليه. وبالتالى أقولها بكل بجاحة ... شكلى كده هضرب علي الكتاب يا منى.

هو كتابى الثانى خلال أقل من شهر عن حرب 1967 و 1973، الكتاب الأول كان خطوات على الأرض المحبوسة .. قصة الحرب الأولى من خلال شهادة ظابط مصرى أسير. أما هذا الكتاب فهو قصة الحربين كما يرويها بكل مصداقيه ضابط مصرى مشى، أثناء إنسحابه فى الحرب الملعونه، حوالى ثلث صحراء سيناء القاحله القاسيه، ثم كان فى طليعة من اخذتهم بين احضانها المشتاقه فى الحرب المجيده التى طال إنتظارها.

الفارق بين الكتابين هو ان الأول تستخرج منه دروس تاريخيه و ترى جانب معتم أخفاه إعلامنا، أما فى هذا الكتاب فالصوره أشمل و أدق و أعمق و ... هذا هو المبهر و المهم ... تحمل إنعكاسات رهيبه على واقعنا الإجتماعى و السياسى الحالى.

فى البدايه لم أستسغ إسم الكتاب، احسست انه يفتقد للخيال. قال "الناس و الحرب" قال، ماكانش حد غلب .. يبقى الروايه الرومانسيه تبقى "أنا و الحب" و البوليسيه "الناس و الجريمه" و لو للإطفال تبقى "ده دح و ده كخه". بس بعد أول فصل إنبهرت بدرجة الصراحه والمباشره، و قدرة المؤلف على نقل صوره ملونه واضحه و بدون مونتاج لواقع أسود مرير بكل معانى الكلمه و مازالت تفاصيله محجوبه عنا.

هو كتاب فعلا عن الناس ... وعلاقتها بالحرب، ومدى تأثرها بهذه الضرورة الملعونة او المفتعلة المجنونة ... كيف تؤثر عليهم وتجعلهم بالتالى يبدلون من طبيعة مجتمعهم ... لذلك لا يمكن ان يسمى غير "الناس والحرب"

أثناء قراءة مشاهد إنسحاب المؤلف هو و جنوده، وجدت نفسى واضعاً زجاجة ماء بجانبى طوال الوقت. فوصفه للعطش و الحر جاء نابضاً بالجفاف ..... و يكفى روايته عن الغربان النى كانت تصاحبهم منتظرة سقوطهم، و لما زهقت بدأت تهاجمهم أحياء كلما فقدوا وعيهم، مع روايات اخرى تفيض بالبؤس و الغلب، حتى تجد نفسك تلعن أبو أم اللى كان السبب.

أرانا المؤلف أسامه على الصادق الحرب فى روايته، لشعورك بأن الكلمات تخرج من قلبه، وعرض نماذجاً مختلفه من المصريين على إختلاف صورهم و نشأتهم و اخلاقهم و تعليمهم، لم يعش فى دور الفيلسوف المفكر .. لكنه عرض كل ما حدث لقراء يتفكرون و يحللون. عرض العيوب و الهفوات، بما فيها هفواته هو شخصياً بمنتهى الصراحه، و عرض الإيجابيات كما عاصرها و عاينها ... و بالتالى جعلنى أرى فى الكتاب وصفاً شاملاً للشخصيه المصريه مثل:

المفترى: ضابط المخابرات الذى إستقبلهم عند عودتهم، بعد 3 أسابيع إنسحاب، بالضرب و الشتيمه و كانهم سبب الهزيمة .. و لم يسمح لهم بمكالمة أهلهم أو حتى تغيير هدمتهم اللى قربت تلزق على جتتهم. و بعدها تم شحنهم على القاهره و تركهم يتصرفون بمعرفتهم.

المصرى الشهم: بدو سيناء الذين إقتطعوا من قوتهم و ساعدوهم - البائع السريّح اللى وزع بضاعته مجاناً عليهم - "الحرامى" اللى صعب عليه الظابط المنسحب العائد و سرق علشان يساعده لما لقاه هو جعان و منهار أمام مركز قيادته ليلاً من غير ما حد منهم ما يعبّر أهله.

الرمّه: بدو تركوا الجنود عطشى حتى ينتهوا من سقى أغنامهم - جندى يسرق ساعات و نقود من جثث زملاءه الشهداء - جنود منسحبين يعاكسون نساء البدو الذين أخفوهم لديهم.

المصرى المبتكر: ضابط مصرى إستعان بعصاية مقشه لتحسين أداء مدفع روسى و رفع كفاءته، بفكرة بسيطة وعملية فهلوية ذكية.

المتسلق الفاسد: وظيفة هامة فى المخابرات، حصل عليها ضابط كفء بعد إجتياز الإختبارات و ترشيح القيادة العامة له، و لكنها ذهبت فى اخر لحظه لإبن أحد المسئولين أولاد الـ ... كوسة.

المصرى الفدائى: حقل ألغام يستعصى عليهم عبوره، بدون تردد جنود إقتحموه و فجروا كل الألغام بأجسادهم (إرتعشت رغماً عنى عندما قرأت هذا الموقف .. من تلقائية وصفه أحسست اننى سمعت الإنفجارات بنفسى).

المهمل: سوء معامة الجرحى و علاجهم بطريقه خاطئه كانت هتوديهم فى داهيه؟

المصرى المتكافل المتعاون: الفنانة عزيزه حلمى التى أقامت مع ضحايا الحرب، و قامت برعايتهم و الإتصال بأهاليهم .. بل و إحضار هدايا لهم حتى يعطونها لأحبابهم.

المحدود التفكير: طبيب أثناء الحرب يطلب "أورنيك العيادة" قبل قبول أى مصاب و البدء فى علاجه.

المصرى الواحد الأصل: "أخدت بتار أخوك وليم يا أسامة؟"

المصرى المنظم: نقاط خط بارليف و طرق إقتحامه مماثله تماماً لمواقف التدريب المكثف.

المصرى القائد العادل: قيام رئيس العمليات بإسناد المهمة الصعبة لضابط كفء بغض النظر عن صغر رتبته، فالكفاءة هى المعيار الوحيد كما صرح لباقى الرتب - رفض قائد السرية البدء فى تصوير أحداث الإنتصار فى أحد المواقع قبل قدوم الضابط الذى قاد الإقتحام، من القاهرة، حتى ينال حقه الأدبى و الإعلامى.

المنافق: مندوب الإتحاد الإشتراكى يبالغ فى عدد الضحايا الإسرائيليين الذين قتلهم الضابط و جنوده أثناء إنسحابهم، و للبجاحة يحاول إقناعهم، هم اللى إنسحبوا و قتلوا، بكثرة عدد ضحاياهم ..!! - حديث تليفزيونى يطلب فيه المخرج من الضابط التقليل من اعداد الضحايا المصريين لأن النسبة بينهم وبين ضحايا الجيش الإسرائيلى ليست كبيرة بما يراه من رؤيته "الفنية".

المصرى المظلوم: ضابط شهيد لم تصدر له شهادة إستشهاد، و كانه مات بإنفلونزا على سريره مش بمرور دبابة فوقه، مما حرم عائلته من اخذ معاش شهيد على روحه الطاهره تعين أولاده فى هذه الحياة القاسية.

المصرى الكفء: الجراح المصرى الذى أجرى عملية حرجة و دقيقة فى المخ بمنتهى الكفاءة، مما أدى إلى إنقاذ الضابط من مصيبة.

المصرى الإنسان: فى خضم الحرب، محاولة إنقاذ ضابط إسرائيلى قبل ان تلتهمه النيران. فقد رأى الضابط المصرى فيه، فى هذه اللحظه، مجرد إنسان يتألم.

على الرغم من هذا الكم من الواقعية .. إلا أن الكتاب حمل فى مشاهده العديدة بعض من الأمور الروحانية، التى صاغها المؤلف بمنتهى الرومانسية و البراعة. فيكفى رؤيته لأرواح الشهداء و هى تتطاير من حوله و تذهب إلى أسمى مأوى، و رسمه لهذا المشهد الملائكى بأبدع ريشة أدبية ممكنة .. لكى يجعلك تنسى ما يقاسيه من ويلات و تتمنى أن تكون معه و ترى ما يراه.

على قدر ما نتعلم من هذا الكتاب نشعر بالحزن الشديد، و ذلك عندما نجد أن أبطال هذه الحروب لا يكرمون فى بلدهم ... فهى على حد قول الكاتب: "بلد لا يقدّر من يقوم بعمله، فالمزايا للمسنود و القوى و لكن باقى الرعاع من الشعب العامل فلا ثمن لهم" ... و بالتالى ينهى مذكراته بمشاهد هجرته لأمريكا ... ثم نجاحه فى هذه الدولة التى كان يراها عميلة.

ولكنه يظل يرجع إلى معشوقته الأولى، و يمتعنا بقصص لقاءه بعد سنوات طويلة مع من شاركوه هذه المسيرة التاريخية البديعة.

من الآخر:

يجب ان يُدرّس هذا الكتاب فى المدارس ... فمنه نعرف لماذا نتعرض لكوارث، و أسهل الطرق للتغلب عليها من أجل حياة أفضل لنا و لبلدنا.

فادى رمزى