#نقد_كتاب: خطوات على الأرض المحبوسة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 وقعت فى حب هذه الرواية أول لما قرأت الإهداء الذى كتبه المؤلف فى أول صفحة، حينث قال: "إلى والدى الذى هجر سريره و نام على الأرض طول فترة نومى على الأرض فى الأسر" .... ياااااااه إيه كم الشجن و الجمال و العواطف النبيلة اللى فى هذه الجملة القصيرة.

الكتاب قديم، صدر قبل ذلك عام 1983 كطبعة أولى، ثم طبعه ثانية بعدها بـ 14 عاماً. و أخيراً أعادت دار الشروق نشره عام 2008 فى قسم "نصوص متميزه" الذى ينشر فيه ما قد نسى من الأدب العربى المتميز و الذى قد تكون دهسته ظروف الحياة و تاه عن عقل القارىء وسط كم الكتب المنشوره المتتالية.

المؤلف محمد حسين يونس، كان ظابطاً فى القوات المسلحة أثناء حرب 1967 و وقع فى الأسر هو و 5000 ظابط و جندى أخرين. و عندما عاد بعد 10 شهور قرر كتابة ملحمته و ملاحظاته و إنطباعاته، و الأهم من كل ذلك النتائج المستخلصة من هذه التجربة ... الكاشفه كثيراً و المريره أكثر.

و بعد شد و جذب مع المخابرات الحربية، نجح فى الحصول على الموافقة على نشر تجربته الثرية فى صورة رواية، تخيل فيها ظابط مهندس يحكى لطبيب نفسى تجربته فى المسماة بالنكسة، و التى علمته الكثير عن بلده و أهلها.

هى رواية تصلح لكل العصور، فهى ترينا كيف يتحول الفساد السياسى و الحكومى إلى كارثة وكيفية تحول الأمة إلى كيان عشوائى همجى مهمل يبدو متماسكا، و يرسم لنا المؤلف بمنتهى البراعة الأدبية كيف يتصرف المصرى وقت الأزمة، كيف يتصرف و يتطرف فى التعامل معها .... لا فارق بين متعلم و جاهل، فالكل يغنى على ليلاه، و ليلاه هو فقط بدون اى مراعاة لكرامة أو تقاليد أو قيم حقيقية تربى عليها.

أما المحترم المتحضر الذى مازال يحتفظ بعقله فى مكانه، فمصيره الإنزواء و النظر إليه ككائن مريض مجنون يتكلم بألسنة غريبة لا مكان له أو أذان لها وسط هذا المجون الذى يبدو وكانه يملأ الحياة كلها.

فاجأنى محمد يونس بهتاف الجنود وهم فى الأسر بحياة موشى ديان ولعن عبد الناصر ... وذلك طلباً للشراب، فالصورة الخيالية للجندى المصرى التى بالغ فى رسمها الأعلام قد قاربت على ان تلغى من تفكيرنا النظر إلى طبيعته البشرية البسيطة والقريبة منا ومن ملاحظاتنا فيمن حولنا ... فالجندى بشر مثلنا، قد يكون جسوراً و قد يكون فأراً ... قد يكون بارعاً أو خيبةً، هو مصرى مثل كل من نراهم حولنا .. إن إحترمه النظام فداه بحياته و إن لم يحترمه ينسى تعاليم دينه ويصبح كارها لوطنه.

أرانا محمد يونس صورتنا فى مرآة قديمة واضحة، لا تعترف بعوامل التشويش أو الإهتزاز المغيبة لعقولنا ... أرانا انفسنا كمأسورين ومعتقلين بداخل مشاكلنا، و لكننا لا نحاول حلها ابدا بتعاوننا، بل نبرع فى التصدر فى اى هايفة. خنافة أو إعتراض على نصيب الأسير فى الفرخه، وفى نفس الوقت إستسلام تام لحالة الحمامات المذرية.

يبين لنا الكاتب فى روايته التواكل اللى على أصوله، حتى و لو كان على أخلاق العدو الإسرائيلى و مدى كرمه...! و عرض لنا كيف يتم إستثمار الوقت فى أسوأ صورة ممكنة، وكيف تتحول عناصر التسليه لفساد أخلاقى، وكيف يتم تجاهل النظام أمام النعرة القبلية وتطبيق قوانينها بالبلطجة و العافية.

الرواية كلها يوميات متفرقة، توضح الحياة اليومية للأسير الظابط المهندس المثقف الذى يحاول إصلاح كون الأسر و لا يعرف، يحاول التثقيف عن طريق عقد ندوات للمناقشة فيتهم بالهرطقة، يحاول ان يشرح لزملائه كيف يتعامل معهم العدو بأسلوب نفسى و علمى مدروس، ولكنه يصطدم بغلاظة العقول و النفوس.

تفرغ المؤلف لدراسة العدو و مقارنته بالوطن، عرف لماذا يعاملونهم بقسوه فى اول الأمر ثم بمنتهى التحضر و الرقى باقى فترة الأسر، فهم يتبعون منهجاً متقدماً فى علم النفس و المخابرات، و الكل يعمل على تطبيقه و إحترامه وليس كل واحد بدماغه. هم لا يرونها حرباً بين دولتين بل صراع حضارات. حضارة تنظر تحت أرجلها و حضاره أخرى ترى المستقبل البعيد غاية فى القرب، متسلحين فى ذلك بالماضى و دروسه و الحاضر وإستغلال ظروفه. يعلق المؤلف على ذلك فى جزء اعتبره من أبدع ما كُتب فى اى رواية سابقة قائلاً:

"نحن فى مواجهة تحدى حضارى ... إما ان نقبله ونكون أو نتجاهله و نزوى، وفى حالة قبولنا للتحدى والتطوير لن تكون هناك قضايا شكلية. إذا إمتلك العرب عناصر التحدى الحضارى، أى إمتلكوا لغة العصر و طوروا إمكانياتهم وإستغلوها أفضل إستغلال، فستذوب إسرائيل داخل الأمة العربية كما ذاب اليهود دائماً فى وسط المسلمين و المسيحيين طوال التاريخ، و هذا سينزع من إسرائيل أشواكها و مخالبها الممثلة فى تكوينها الإستعمارى ... ولكن هل نحن لدينا الثقه فى انفسنا؟"

يتبنى المؤلف الصوت الهادى الراقى الواعى عند عرض أفكاره و قص روايته، يتعرض للمقارنة بين دولتين .. بل بين الطبيعتين ... بمنتهى الحياد و العقلانية. لا يؤخذ عقله بجمال الزيارة التى نظمها الأسرائيليين للأسرى لمستوطنات (الكيبوتز) و لمدن مختلفة، من ضمنها تل أبيب، فهو ينبهر بحساب و لكن لا يدمى يداه بالتصفيق. فهم يستحقون تقديره على المجهود الكبير الذى بذلوه لتحويل جزء من شرق أوسط إلى أوروبا و امريكا بكل ما تحمله هاتان القارتان من تقدم علمى وحضارى فى كافة المجالات .. و كل ذلك فى زمن يعتبر قياسى.

هم يقولون له: "بص على نظامنا. إحنا متأكدين إننا حنتعاون فى المستقبل، فمصلحتنا فى التعاون". وهو من جانبه يناقش و يجادل بالتى هى أحسن، يفهمهم إنه فاقسهم .. فنحن لدينا مقومات أكثر مما لديكم، وبالتالى لو "إستفدنا من تجربتكم" فلن نحتاج لكم، بل أنتم من يحتاج لنا على الرغم من ضعفنا و فوضى حياتنا.

ثم ينتقل بنا فى نظرته الواقعيه الكاشفة المتعمقة إلى مرحلة الإفراج عن الأسرى و رجوعهم للقاهره، حيث تحتجزهم المخابرات الحربية فى الكلية الحربية كإجراء أمنى، منعاً من تسرب اى جاسوس. و هو لا يعترض على ذلك على الرغم من شوقه الرهيب لرؤية أهله و لوعتهم هم على رؤيته ... مما جعلهم يرابطون بجانب سور الكليه الحربيه أملاً فى ان يلمحوه و لو بالصدفة.

يتفهم هو هذه القسوة، فمصلحة الوطن فوق الحفاظ على روابط اى أسرة .... لكنه يتعجب و يغضب من تفتيش حاجياتهم من وراء ظهورهم، و من سرقة سجائرهم التى عادوا بها من الأسر .... و ينهار عندما يجد أن الـ 200 جنيه العهدة التى أسر بها، و التى قد إئتمن العدو بذات نفسه عليها و لم يخن الأخير الأمانة، بل و سلمها له قبل الإفراج عليه، فوجىء بأن سيادة اللواء القاهرى قد أخدهم منه بعد ما طلع عينه أسئلة عنهم، و فى النهاية لم يعطه وصلاً بهم......حمد الله على السلامة يا يونس .. نورتنا.

يشرح الطبيب النفسى التخيلى فى نهاية الرواية كل ما يدور بداخل بطلنا، أو "صديقنا" كما أسماه المؤلف بمنتهى البراعة، وضح لنا تفاصيل صغيرة لها معان كبيرة، و أيضاً قرارات مصيرية حياتيه لها أسباب مقبولة ومنطقية ... و تثير الحسرة على حاله و حال الأمة كلها.

الرواية تقع فى 310 صفحة، ثم تأتى بعدها 70 صفحة من المقالات المختارة التى كتبت عتها. أبرز مافيها ان هذه الرواية لم تحدث اى صدى على الرغم من كونها تتعرض لموضوع قتل الأسرى كما يرويه شاهد من أهلها، فقد فضح هذا السلوك الوحشى الذى كان يتبعه الجيش الأسرائيلى فى أول الحرب عندما كان مايزال يخشى من الجيش المصرى.

هذا يعنى أننا عرفنا هذا الموضوع منذ عام 1983، و لكن الوعى الشعبى و السياسى إنفجر بعدها بـ 14 عام عندما قرأنا مذكرات شاهد من أهلهم يعترف فيها بهذا الموضوع ... و كان التصرف الإيجابى الوحيد هو إننا لقيناها فرصة لطبع طبعة ثانية من هذا الكتاب ... أهى سبوبة حلوه جاتلنا من حيث لا ندرى، فسبحان الله موزع الأرزاق.

من الآخر:

كتاب لا يُـترك من يدك قبل أن تقرأ آخر صفحة، و لن يترك صداه عقلك حتى يقضى الله امراً كان مفعولا.

فادى رمزى