ثقافة الخرفان لا دين لها

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم دستور 2013

 

 

أثناء انعقاد لجنة المائة المشكلة فى العام الماضى لكتابة دستور "ظن" الإخوان انه سيضمن لهم السلطة لعقود طويلة، قمنا فى مؤسسة مصرى للتنمية والتوعية بتفنيد المسودات المتلاحقة التى كانوا يتحفوننا بها، وفى كل واحدة يتزايد عدد المواد الكارثية، والتى تتضح مدى كارثية اغلبها بمجرد القراءة الأولى لها، وليس فقط بعد مقارنتها بالمواثيق الدولية والنصوص المشابهة فى دساتير الدول المختلفة.

 

فى ذلك الوقت كانت تتصاعد أصوات المعارضة تنادى بعدم شرعية لجنة المائة من اساسها، ورفض المبادرات الحقوقية واحزاب المعارضة لمجرد مناقشة ما جاء فى المسودات لأن هذا فى نظرهم يعد اعترافا بشرعية تلك اللجنة. وكنا فى مؤسسة مصرى نناشد الجميع بقراءة تلك المسودات، وبالذات التيارات المعارضة، ففيها من الأسانيد التى تكشف فساد توجه لجنة المائة امام الراى العام أكثر بكثير من اى تنظير حول مدى شرعية تلك اللجنة من اساسها.

 

لكن بالطبع "الغجرية ست جيرانها" وتبارز الجميع بالشعارات وليس بتفنيد المضامين ... فالإخوانجية ومن يحترمونهم صدعونا بانشودة "ده احسن دستور فى الدنيا" ... والتيارات المعارضة أكلت ودانا بهتاف "بااااطل ... بااااطل" .. والإثنان فقدا كامل الموضوعية.

 

ولكن قبل الإستفتاء بأسابيع قليلة بدأت التيارات المعارضة فى قراءة الدستور وتفنيد مواده، ولكن بالطبع بعد فوات الآوان وباسلوب عشوائى غير ممنهج، على الرغم من ان ندوات النقاش المجتمعى التى عقدتها مؤسسة مصرى فى محافظات عديدة اظهرت مدى تقبل المواطن المصرى البسيط للحوار الموضوعى الهادىء وباسلوب طرح الحيثيات وحتى المقارنات المختلفة، مادامت تقدم له بطريقة محايدة غير صاخبة وتحترم عقله وتدرك جيدا احتياجاته ومطالبه. وفى النهاية هو يدرك، من نفسه والنييعمة ما حد قرب له، مدى بُعد المشروع الدستورى المقدم عن الدساتير الخاصة بدول مرت بمثل ما نمر به منذ سنوات عديدة ولكنها وضعت الاساس الدستورى السليم قبل ان تنطلق فى رحلة تقدمها وتطورها.

 

للأسف كانت التيارات الإخوانية والمعارضة تعامل الشعب المصرى وكأن لا عقل له، كاننا قطيع من الخرفان ننساق وراء الصرخات المتشنجة التى تلقننا ان "نعم" هى الدين، او "لا" هى المهرب من المصير الأليم .. بدون اى حيثيات او مناقشات، فالشعب "جاهل" "أمى" "غير واعى" "فقران" "عدمان" "يفهم ايه ده فى الدساتير" ... إلى آخره من الحجج الخرفانية، التى يثبت الشعب يوما بعد يوم أنها ماتكلش معاه عيش وانه ابو المفهومية.

 

ومازالت تلك الثقافة هى السائدة، فعلى الرغم من ان الدستور المقترح حاليا به العديد من النقاط المضيئة والمواد الجديرة بالتقدير والتى تحقق الكثير من آمالنا، فيما لو تم تفعيلها تشريعيا وتنفيذيا، الا ان الأسهل والأكثر رواجا هو ان نحشد بطريقتنا الخرفانية المعتادة ..

 

110113 article2 photo1

"قل نعم للإستقرار"

"نعم يعنى نعم للثورة"

"نعم هو فيه غيرها"

"نعم للقضاء على الإرهاب"

"نعم" "نعم" نعم" ... لا تجادل يا أخ مصرى ... اسمعها مننا وخلى العجلة تدور ونخلص من ولاد ال... هرمة.

"على فكرة .. ده أحسن دستور فى الدنيا" !!!

 

لا احد يحترم حقيقة عقلية الشعب المصرى، او يكلف نفسه العناء بأن يروج لبضاعته بطرح مزاياها وقبول مناقشة عيوبها والدفاع عنها بحيثيات منطقية موضوعية ... وعلى الرغم من ان التاريخ قد اثبت ان من لا يحترم عقلية المصرى يواجه بئس المصير، سواء كان من اتباع مبارك او مرسى، الا ان اللى فيه داء ما بيبطلوش، وديل اللى متعود على الفساد عمره ما يتعدل ابدا.

 

اثناء تواجدنا بمحافظة قنا الجميلة، فى ندوة عقدتها مجموعة مصرى للتوعية الدستورية، والتى نعرض صورها هنا، قدمنا المشروع الدستورى باسلوب فنى كوميدى غير تقليدى، بعرض تصنيفاتنا اللونية مع المقارنات بدساتير اخرى وبالدستور المعطل لاظهار الفوارق وطرحها للنقاش بموضوعية ... ولاحظنا مدى استحسان الحاضرين، وتنهيداتهم الحارة تعبيرا عن ارتياحهم للطرح الذى يحترم عقولهم ولا يسعى لسلب ارادتهم.

 DSC00044

كل الحاضرين من مختلف الأعمار والثقافات كانوا يريدون فقط المعرفة، اغلبهم يبدو انه متجه لل "نعم" ولكنه يشعر بإهانة وكرشة نفس مهولة لأن كافة من "حاضروهم" لم يشعروهم بأنهم يثقون فى انهم كمواطنين يستطيعون اتخاذ القرار بأنفسهم.

 

واحد منهم قال لنا "انا كنت هقاطع لأنى زهقت من الحشد ... خنقونا وزهقونا ... لكن ندوتكم كانت اول ندوة يبقى فيها مقارنات وعرض مزايا وعيوب وسايبين لنا نقرر احنا بنفسنا ... فهشارك بعد ما اقرا كويس"

واحدة اخرى قالت "كل بتوع لجنة الخمسين اللى جم عندنا وكل اللى عملوا مؤتمرات ما كانوش بيفهمونا حاجة ... قولوا نعم .. قولوا نعم للبلد تولع ... قولوا نعم وخلاص .. طب نقول نعم على ايه فهمونا ... طب كان ايه وبقى ايه".

 

DSC00047

وهذا الأمر تكرر فى كافة الندوات وورش العمل التى عقدناها ... فى كفر الشيخ، الإسماعيلية، القاهرة، ومن خلال التواصل الإليكترونى ... كلها جاءت ردود افعال المشاركين فيها متشابهه.

 

للأسف لم يتبين اى من "النخب" أو انصار "الدولة العميقة" أو "رجال الدين السياسى" طبيعة المواطن المصرى ... وانه سايبهم "يتسلوا" ظانين انهم قد ملكوا عقله، ولكنه لم ولن يسكت على تدهور احواله المعيشية ... وهو بالفعل يثور وسيثور ضد كل نظام يفشل فى تحسين احواله المعيشية ... وبسرعة، فالأعذار غير مقبولة.

 

من الاخر:

معاك دستور، معاك برلمان، معاك رياسة ... مش فارقة .... شرعيتك الحقيقية فى رضا الشعب المصرى عنك، وتذكر جيدا ماذا حدث فى "شرعية" اللى قبلك واللى قبل اللى قبلك.

 

فادى رمزى

للإطلاع على باقى صور ندواتنا المختلفة برجاء الضغط هنا