#سوران_نادى تكتب: سماسرة الموت

كتب بواسطة: سوزان نادى في . القسم منوعات

 

شاءت الأقدار فى ذلك اليوم، الذى أدعو فيه الله نهارا وليلا أن يمحى من رأسى ذكراه والا أقضى مثلة مرة أخرى أبدا، أن أذهب لزيارة قريبة عزيزة على قلبى قد آشتد عليها المرض وتم نقلها لإحدى المستشفيات التابعة لعملها.

ما رأيته هناك كان أشبة بكابوس يخنق إنساناً فى ليلة بائسة وطويلة.

المشهد كان عبثيا للغاية، الكل يتطلع بنهم من إين يأتى بالمال ... العيون حائرة والأفواه غائرة بأسنان حاده كالسيف، تبحث عن فريسة جديدة تهم بإلتهامها.

تلك الساحة الممتلئة بالضعفاء الذين يفترشون الأسرة، وإذا لم توجد فلا مانع من إفتراشهم الأرض ايضا، ولكى يصبح المشهد أكثر بؤسا وقذارة يحوم حول المريض الكثير من الوحوش التى لا تمت للإنسانية بصلة ... أهدافهم محدده وهى كيف "يلقط رزقه" من هذا الجسد الذابل الشاحب بعرض بعض المزايا المغرية على من معه من أسرته وذويه.

فإذا كنت حائراً لا تدرى مالذى يجب فعله بمريضك، الذى شاءت الظروف إن تأتى به إلى فوهة الموت تلك والمسماه بمستشفى، فعليك دفع المال لبعض العاملين فى المكان لكى يدلوك ويرشدوك على الخطوات التى يجب أن تسلك فيها وفقا لرؤيتهم هم ولمنفعة جيوبهم وكروشهم فقط.

كلها خطوات بسيطة تبدأ برحلة البحث عن الطبيب المعالج، راجيا من الله أن يأتى لبضعة دقائق كى يتفحص الحالة التى معك،
وبعد إن يظهر وسط الجموع الغافرة فى حجرة المرضى، كالهلاك المنقذ ... أقصد كالملاك المنقذ، عليك أن تكون يقظ الذهن وتسأله سريعا على كل ما يجب فعله لمريضك، لأنه بإلتفاتة صغيرة منك سوف يختفى الطبيب عن عينيك ... وتبدأ من جديد فى رحلة البحث عنه مرة أخرى.

وإذا أردت سريراً آخر اكثر راحة وإنسانية، عليك دفع بعض المال حتى يكشف لك أحد العاملين عن مهاراته وشطارته فى إحضار هذا السرير، وفوق كل هذا سوف يغمرك بفيض هائل من مشاعر الحب والحنان واحتوائة لمريضك وخوفه عليكم وعلى مصلحتكم.

جزاه الله خيرا !!!

واذا لم تسير وفق أهوائهم سوف تجد الوجه العابس المتجهم، الذى يكشف عن أنياب حادة لو طالت تمزيقك أربا اربا انت ومريضك ما تأخرت ابداً.

اما عن الضوضاء والهرجلة والإشتباكات والمشادات التى تقوم وتهدأ مابين الثانية والأخرى فحدث ولا حرج.

كان يوما مريرا بالنسبه لى ... قضيت بضعة ساعات مرت كالسنوات، مشاهدها السيئة لن تغيب عن مخيلتي ابدا ... ومن أسوأ تلك المشاهد كان مشهد لمريضة كبيرة السن مطروحة على الفراش تصرخ بشده من كثرة الألم. وابنها بجانبها حائر لا يستطيع تركها للبحث عن الطبيب الذى يغيب عن المرضى أكثر من ساعة ثم يظهر من جديد.

وعند ظهوره مرة أخرى صرخ فيه الأبن مستغيثا حتى يتابع حالة امه بسرعة لأنها تتألم.

وما كان من الطبيب إلا وان رد عليه بإنفعال وبصوت حاد قائلا: (أمك مصابة بعده جلطات فى المخ وسوف تنتهى قريبا)

كم هى أليمة تلك الجملة، على نفس الإبن الذى صفعة الطبيب بدون رحمة بكلماتها. بل أن وقعها كان اليماً ايضا على نفس كل المرضى وأقربائهم الموجودين فى الحجرة.

مشهد أخر لا يقل ألما ... صوت صراخ فى الخارج، رجل يصرخ بصوت جهور طائحا فى كل من بالمستشفى، مهددا وواعدا بالإنتقام. فيسرع بعض الممرضين الموجودين فى الغرفة لغلق بابها جيدا.

أعتقدت انه إحد الإرهايين الذين قرروا تفجير المكان، ثم أكتشفت أن رجلا قد مات ومن يصرخ هو ابنه، متهما كل من فى المستشفى بالإهمال الذى ادى إلى قتله.

والغريب فى الأمر أن كل الاطباء والممرضين كانت وجوههم جامدة ومشاعرهم متبلدة، وكأنهم قد خلعوا قلوبهم قبل الدخول، بل والآكثر استفزازا كانت تعتلى شفاهم ضحكات صفراء، وكأنهم غير مبالين بتلك المعارك التى تقام بمستشفاهم بين ليلة وضحاها، يبدو ان ذلك التبلد جاء بسبب أعتيادهم على هذه الأمور ومعاصرتها كل يوم. وتلك مصيبة كبيرة إذا كان تفسيرى هذا صحيحاً.

هذا يعنى أنهم أقرب إلى القتلة والسفاحين، وابعد ما يكون عن كونهم ملائكة رحمة كما يقال عنهم.

تحول المكان، الذى من المفترض أن يكون أكثر الأماكن إنسانية ورحمة، إلى مجزرة بالمعنى الحرفي للكلمة. وما أشد وأقصى الماً وبؤسا مما يحدث فى مستشفياتنا الأن وفى ذلك العصر، على الرغم من ان مطالبنا بسيطة ... وهى أن يتم معالجة مرضانا بكرامة وبإنسانية، وطبقا للامكانيات المتاحة لن نطلب اكثر من ذلك على الرغم من انه من حقنا ..

الا يكفى المريض آلامه وغياب طرق علاجه، حتى يعانى ايضا من اهدار كرامته وانسانيته ؟؟

سوزان نادى