#غادة_بدر تكتب: عابرات في سبيل حياتي

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 


عندما انهيت الزيارة السنوية لمدرستي القديمة اكتشفت ان الوقت قد سرقني ... فلدي موعد مع دكتور الاسنان ويجب علي الاسراع للحاق به ... كان لقائي بأصدقاء الطفولة ومعلميني القدامى ومديرة مدرستي اكثر من ممتع الي درجة جعلتني انسى الوقت وانسي ان لدي موعد مع طبيب الأسنان... وقبل ان اصل الي سيارتي ... اسمع صوتآ يناديني.

انظر لها واكاد لا اصدق نفسي ... فلقد مر وقتآ طويلآ على اخر لقاء لنا ... فغربتي بالكويت وتوغلي يوما بعد يوم في بلاد الخليج ... ثم عودتي للوطن اياماً معدودة كل عام لا تكفى لارتوائى من الأهل فما بالك بالأصدقاء ... افقدني كل ذلك الكثير من التواصل مع الأصدقاء القدامى ... ارتمي في حضنها الجميل .فكم من مرات عديدة ارتمت هي في احضاني... ثم اعود بالذاكرة لأتذكر كيف كانت قصة تعارفي بإيمان.

بالتحديد كان ذلك وانا في السنة السادسة إبتدائي، وبعد تجاوزي صدمة وفاة والدي بفضل احتواء امي لي ومعلمة الفصل العظيمة ميس رقية ... بدأت وقتها مرحلة جديدة من الأتزان العاطفي والنضج الفكري، فتجربة فقدان والدي في سن صغيرة قد علمت علي وانضجتني قبل الأوان.

ولذا عندما صادفتني ايمان في طريق الحياة تعاملت معها بنضوج واحتواء ومنحتها ما وهبتني اياه امي ومعلمتي ميس رقية.

نرجع لإيمان ... فلم تكن ايمان بتلميذة نجيبة يوما مار... بل ممكن ان تصنف بالتلميذة البليدة الكسولة، بالأضافة الي ذلك كانت دائما ما تصل الي مدرستنا متأخرة عن الموعد المحدد ... فقد كانت ايمان كارهة للمدرسة كمحتوى ومضمون ... وبالتالي دائمآ ما كانت تنال من العقاب النصيب الأكبر.

الغريب انه لم يكن لإيمان اي من الأصدقاء ... فدائما ما كنا نراها وحيدة ... وكان لذلك خلفيات قديمة، فإيمان كانت قد انتقلت الي مدرستنا بالعام الماضي فقط فلم تنل فرصتها مثلنا في تكوين صداقات الطفولة ... كما اننا في هذا السن الصغير نسعى دائمآ الي صحبة المتفوقين دراسيا او الموهبين فنيآ او رياضيا، اي ذو الشهرة او على اقل تقدير من كان يمتلك الدم الخفيف او الشكل المقبول.

وقتها لم تكن ايمان تمتلك اي من تلك المميزات ... فدائما ما كنت أرى ايمان عابسة الوجه ... افتكر اني عمري ماشوفت ضحكتها .. وكانت على طول رابطه شعرها وعاملاه ضفيره وشكله كان وحش رغم أن شعرها كان جميل جدا.

المهم في ذلك الوقت كانت المواد الدراسية بدأت تقسم .... كل معلم مسئول عن مادته ... أتذكر الأستاذ المسئول عن مادة الأنجليزي كان له اسلوب مختلف في تعنيف التلاميذ الحاصلين على علامات ضعيفة ... فلم يكتفي بأن يضربهم عصايتين وخلاص ... بل كان يضربهم ثم يبداأ في فاصل من الضحك والتريقة والتسفيهه منهم امام باقي تلاميذ الصف.

طبعا ايمان كانت زبونة دائمة عند معلم الأنجليزي ... فكانت كل شهر تقف امام الصف كله ويبداء الصف كله في الضحك عليها .. ومن هنا أصبحت ايمان أضحوكة الصف، وعند حدوث اي مشكلة بالصف يتم توجيه اللوم والأتهام لها مباشرة بالأضافة الي الإستنزاف المعنوي الذي كان يستنزفه لها مدرس اللغة الانجليزية كل شهر.

كنت بداخلي اشعر بالعطف والحب نحو ايمان ولذا في يوم كنت على وشك الإنفجار من استهزاء الأستاذ بها. وفجاءة وجدت نفسي اقف من على مقعدي واصرخ بصوت عالي في وجه الأستاذ ... كفاية حرام عليك ... انا كل يوم بشوف ايمان واحنا مروحين قاعدة لوحدها بتعيط ... انت فاكرها اية مش بتحس.

الأستاذ رد علي بمنتهى الصلافة وقالي ... دي لو بتحس كان زمانها ماتت من زمان وكمل وصلة الأستهزاء بأيمان وكإني لم اقل شيئا.
هذا اليوم كان علامة لي ... فقررت بيني وبين نفسي ان اكون صديقة لأيمان حتى لو رفضتني ... وبعد أنتهاء الحصة نقلت مجلسي بجانب ايمان وفي الفسحة ايضا جلست بجانبها، وشوية شوية بدأنا نتكلم ونتكلم ونتكلم والكلام مع ايمان لا ينتهى.

أيمان كان لديها شوق للحديث مع احد من سنها ... وباحت لي ايمان بالكثير من الحكايات المخزونة داخلها ومن هذا اليوم اصبحت ايمان صديقتي المفضلة.

في البداية ابتعدت عني باقي صديقاتي المقربات، فقد كانوا يظنون ايمان وباء لابد من الأبتعاد عنه ... ولكن بعد فترة وعند تسليمهم بالأمر الواقع بدأوا ايضا مرافقتنا في اللعب واللهو.

وبالفعل وفي غضون ايام قليلة انا وصديقاتي اعدنا البسمة مرة أخرى إلى وجه ايمان.

المهم في يوم من الأيام، وبالتحديد في حصة الرسم وبعد انتهائنا من رسوماتنا ... جمعت المعلمة كل الرسومات ثم بدأت في الأطلاع عليها وتصحيحها.

وفجاءة صرخت المعلمة فينا ثم قالت ان دي احلى رسمة مرت عليها في حياتها لتلميذه في عمر ايمان على الرغم من ان الرسمة كانت خارج موضوع الرسم الذي خصصته لنا المعلمة .. فقد رسمت ايمان بصورة معبرة صورة لحديقة جميلة مزدانة بالورود والفراشات والعصافير، وتتوسطها أرجوحة جميلة مصنوعة من اغصان الأشجار. تجلس على الأرجوحة فتاتان صغيرتان تعانق يد احداهما الأخرى كما كانت تعانق يدي يد ايمان دائما.

احدى الفتاتان كانت تجعل شعرها على شكل ضفيرة، والأخرى كان شعرها مثلي تماما ... اليد الاخرى للفتاة التي تشبهني كانت تمسح دمعة تساقطت من فتاة الضفيرة.

معلمة الرسم سألت ايمان: انتي اللي رسمتي الرسمة البديعة دي يا ايمان ... ايمان ردت بسرعة: انا رسمتها يا ميس وغادة لونتها ... وده فعلا اللي حصل فلم ارسم رسمتي وشاركت ايمان ابداعتها.

المعلمة اشادت بأبداع ايمان في الرسم وطلبت من الصف كله ان يصفق لي ولإيمان ومن يومها أصبحت ايمان ترسم الرسمة وانا ألونها.
تمر الأيام ويحين موعد امتحان الشهر لمادة اللغة الإنجليزية .. ايمان تجتهد وتحقق بالفعل نجاحاً غير متوقع، فقد فقدت درجة واحدة فقط وطلعت الاولي على الفصل في مادة الأنجليزي.

طبعا الأستاذ مصدقش وقعد يقولها اكيد غشيتي من حد ... (طيب هي هتغش من مين يا غبي) ... فإيمان قد حصلت على اعلى درجة في الصف.

المهم كل تلاميذ الصف فجأة وجدوا أنفسهم تلقائيا بيصفقوا جامد لإيمان ... ايمان انكسفت وحضنتني.

هنا اضطر الأستاذ التراجع عن موقفه، وحتى يحسن من صورته بعض الشئ ... فتح درج مكتبه، وأخرج منه شوكلاته واعطاها هدية لإيمان.
هذا اليوم لم انساه ابدا ... فعند عودتنا الي منازلنا وجدت ايمان تحل رابطة شعرها وتحرره لينطلق في الهواء يداعب خديها.

ينتهي العام الدراسي وتنجح ايمان بتفوق وننتقل سويا للمرحلة الأعدادية ثم بعد عام نفترق ... فلقد سافرت ايمان مع عائلتها لأحدى الدول، فوالدها كان دبلوماسيا معتاد السفر ... ولكن تظل صداقتنا قائمة، فإيمان تطل علينا في الأجازات الصيفية، وبالرغم من الفراق وسنين العمر التي مضت يظل لإيمان مكانآ داخل قلبي.

اه نسيت اقولكم ان ايمان كملت مسيرتها واصبحت الأن فنانة عظيمة يشار لها الينان... وشاركت في أكثر من معرض بلوحاتها الرائعة الجميلة في اكثر من دولة عربية واوربية.

غادة بدر