#غادة_بدر تكتب: لسة كتير قوي

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

قررت ونفذت ... يا ترى قررت ايه؟ ... قررت اضربها صرمة واسافر ... بلا شغل بلا قرف ... ما هو زي ما زوزو (أمى) بتقولي ... الشغل عمره ماهيخلص يا بنتي عمرك هو اللي هيخلص.

وهكذا قررت أضربها صرمة واختلس ايامآ معدودات للسفر الي بلاد الانجليز، ليس لرؤية بلاد الانجليز فلقد سافرتها من قبل، ولكن لرؤية ابني الغائب عنا لأكثر من ستة اشهر. وبعد مفاجئتي لإبني ... قرر هو أيضأ ان يفاجئني بأعداد برنامج ترفيهي لأمه الاميرة القادمة من عبق الشرق ... وفي غمرة فرحته بقدومي نسى وهو يعد برنامج الرحلة ان امه على مشارف الخمسين.

وهكذا ومنذ اول دقيقة وطئت قدماي المدينة الانجليزية كامبردج وانا ألهث وراء ابني ... فقد كان برنامج الرحلة يتكون من زيارة كل الأبنية والمعالم والجامعات التاريخية، بالأضافة إلي كل أضرحة أولياء الله الصالحين الموجدين بمدينة كامبريدج ... هذا برنامج الصباح، اما في المساء والسهرة دعوات عشاء وسهر مع زملائه في الكلية حتى الصباح.

وفي أثناء رحلة اللهث والجري وراء هشام للحاق به ... زهق الواد من أمه العجوز البطة . وطق من جنابه.. فهي تمشي مشية السلحفاة وهو يمشي بسرعة البرق .... فارق زمني بسيط ياخوناااااا تقريبا ثلاثون عام بس. فقرر مرة اخرى ودون الرجوع إلي ان يفاجئني باستئجار عجلة او دراجة او زي ما كنا بنسميها في الزمانات بسكلتة ... بصراحة في الحتة دي لن الوم هشام على احلامه ... فأنا السبب في هذه الكارثة ... فلطالما اوجعت رأسه بقصص بطولاتي العنترية في قيادة الدراجات ايام الصبا والطفولة .... ولا الأمريكاني اللي كنت بعمله ده كان حكاية..

وهكذا وبعد مرور أكثر من ثلاثون عاما على ركوب اخر دراجة رياضية كنت امتلكها ... اشترتها لي امي بمناسبة نجاحي في الأبتدائية ... قرر هشام مرة اخرى ان استعيد معه الماضي بذكرياته الأليمة.

لن أكذب عليكم ... حاولت في اليداية الرفض والتملص من ركوب الدراجة فقد تملكني الخوف وشعرت برهبة كبيرة ... فثلاثين عامآ ليست بالأمر الهين، وكمان الصراحة ماكنتش فت في السواقة ولا الأمريكاني والكلام الفارغ اللي كنت بنتش بيه على هشام ...
حاولت بالفعل الهروب من الموقف - حتى بدأت رحلة سرحان وتوهان وتأملات في البشر الذين يمرون من حولي، فوجدت امراة سبعينية تقود دراجتها في همة ونشاط ... وما بتقعش ولا بتنكسر رقبتها ولا حاجة.... من داخلي حسدتها وشعرت وقتها بالعار من نفسي. وقلت ليه يا بت يا غادة ما تحاوليش- مش يمكن ... تستعيدي مع ابنك الشباب الداخلي اللي راح منك من زمن.

وهكذا تمكن هشام من إدارة عجلة الزمن بالعكس.

المهم يا اصدقائي ... بعد ان تمكنت بالفعل من قيادة الدراجة، واستعدت مع ابني ايام الشباب والرعونة ... قرر هشام مرة ثالثة ان نتأهب للخطوة الثالثة، وهي السفر سويا الي بلدة قريبة من كامبريدج لنستمتع برؤية الطبيعة الخلابة ... هههههه رؤبة الخلابة الطبيعة..... اه والله بجد.

في زحمة الحياة ينسى ابني انني اصبحت امراة خليجية حتى النخاع، متعتها الوحيدة اصبحت منحصرة في التسوق والشوبنح ... قال طبيعة خلابة قال. اعترضت تذمرت ... ودبدبت في الأرض وقلت انا عايزة انزل اشتري هدوم .. جزم ... شنط. انا مش عايزة طبيعة ... ولا عايزة خلابة ... وفي النهاية رضخت له كالعادة.

عدت من رحلة مدتها ثلاث ساعات، قيادة للدراجة تخللها الوقوع اكثر من مرة واصابات عديدة في كاحلي وساقي ... عدت من الرحلة وكأنني تبدلت، وكأن الزمن قد عاد بي ثلاثين عاما الي الوراء ..

هل الهواء النقي وسط المزارع هو ما ابدلني؟ .. يمكن
هل الخروج والانطلاق بلا قيود هو ما ابدلني؟ .. يجوز
هل الصراخ وسط الطبيعة واخراج الطاقة المخزونة هو ما ابدلني؟ .. لربما

هل مصاحبتي لأبني وزملاءه هو ما ابدلني ؟؟ ... او هل او هل ؟؟؟ لا اعلم ولكن ما اعلمه انها اياما قليلة مع ابني بلا قيود اخرجتني من روتين حياتي اليومي المعتاد الممل، فأفاقت جزء داخل نفسي كان نائمآ منذ زمن في سبات عميق.

شكرا هشومي ..

نيجي للمهم ..

كامبردج مدينة جميلة تحترم ادمية الانسان، فهناك طرق مخصصة للدراجات ... وهكذا قلما ما تجد شخص بريطاني يمتلك سيارة لها عوادم او كوارث بيئية ... على الرغم من ان ظروفهم المادية جيدة وتسمح بذلك بسهولة. ولكن قلة قليلة فقط هي من تمتلك سيارات .. والشعب كله راكب عجل ... انه شعب عرف سر الحياة ... وحكومة تحترم أدمية شعبها ... انه الفرق بين شعب يريد أن يعيش حياة متجدده متدفقة بالحيوية ... وشعب يريد التحسر على ما ضاع منه.

على فكرة لسة عندنا فرصة يا شعب ويا حكومة.

لم تنتهي الرحلة بعد ولم تنتهي ايضآ دروس الحياة.

في رحلة العودة اركب الأيندرجروند – يعني مترو الأنفاق

لم تكن أول رحلة لي في اوربا والبلاد المتقدمة فقد سبقتها رحلات اخر وكانت اولهم بالعام ٢٠٠٥ وقبل غزو الأنترنت عالمنا ... ركبت وقتها ايضا الأيندرجروند وانبهرت بشعب لا يترك الكتاب من يده ... فقد كان اكثر من سبعين في المئة من مستخدمي المترو يمسكون الكتاب في يد والساندوتش في اليد الاخرى، يستمتعون بالقراءة دون التطلع لأي متطفل حولهم ... ابهرتني هذه الشعوب بثقافتها وحبها للمعرفة والتعلم في اي وقت وفي أي سن.

المهم ركبته مرة أخرى بعد مرور اكثر من عشرة اعوام على هذه الرحلة، ركبته بعد اقتحام الانترنت عالمنا ... وياريتني ما ركبت :-(

اختفت الكتب وحلت محلها الهواتف النقالة ... وعلى الرغم من ذلك احسنت الظن بهم ولما لا احسن ... فهولاء هم ابناء اوربا والبلاد المتقدمة ... وقلت لنفسي اكيد يا بت يا غادة دول بيقروا كتب الكترونية جوا التليفونات بدل الورق الملوث اللي بيوسخ الأيد ... تكنولوجيا بقى.

وبعد تلصصي ببعض النظرات التطفوليه في هواتفهم .. فوجت ان اغلب ركاب عربتي كانوا يتطلعون الي صور اصدقاءهم على مواقع التواصل الإجتماعي او يشاتون مع أصدقاء اخرون او يتلصصون على حياة أصدقائهم... من الاخر كدة .... الله يلعن الانترنت على الفيس على مايكل.

ذلك لا يمنع أن ارى ورقة ملقاة داخل أحدى عرباته لمحها احد الركاب فيجثو بسرعة على ركبتيه ويلتقطها ليحتفظ بها معه حتى ينزل في محطته فيتخلص منها في سلة المهملات.

تذكرت هذا الموقف بالأمس وانا في طريقي الي عملي ... ففي الساعة الثامنة صباحا بنهار شهر رمضان الكريم في دولة تعد من الدول الأسلامية ... دولة الكويت ... خطأ غير مقصود من سائق باص عام هندي الجنسية ... فقد كسر بالخطأ على سيارة فخمة ... تبدو بعجلاتها الضخمة اقرب الي شاحنة ضخمة من سيارة .. وتبدو اكثر غموضا بزجاجها الأسود الفخم ... يقودها شاب كويتي من المؤكد من فخامة هيئة السيارة .. أنه ذو مركز عائلي ومالي وثقافي اكثر من جيد.

فجأة اجد الشاب الكويتي يطارد السائق الهندي ويفتح زجاج سيارته الفامية ويقذف منها بشىء يكسر به الزجاج الخلفي للباص فيتهشم الزجاج تماما ويتطاير في كل انحاء الشارع ... زجاج الباص العام الذي تملكه دولته ... ثم يلف الدوار بأتجاه معاكس ويرجع ويعود إلي طريقه وكأن لم يحدث شئ ... يعود والفرح يملئه بإنتقامه من السائق الهندي المسكين بتدمير مملكة عامة لشعبه هو ... عنده حق فكيف لهذا الهندي المقيم يتجرأ ويكسر عليه.

خلاصة التجربة ..
أصدقائي ... لا ترفضوا التغيير او الخروج عن مألوف حياتكم ... حتى ان جاء في اواخر العمر.

غادة بدر