#غادة_بدر تكتب: رحلة عم فانوس

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

أنا ورمضان لدينا الكثير من الذكريات، وكلها ذكريات طفولة جميلة ... فأنا من جيل عاش طفولته حتى الثمالة. ولدي اعتراف قد يصعب علي امرأة في مثل عمري الإعتراف به ... أنا وكلي فخر من جيل الفانوس ابو شمعة ... الجيل الذي كان يجوب الشوارع مشيآ مشدوا بأغنية وحوي يا وحوي.

أنا من الجيل الذي كان يصحو من نومه على صوت المسحراتي ... اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم..
اصحى يا نايم وحد الرزاق ..
رررررررمضااااااان كاااااررررريم ..

اصدقائي ..

بأختصار لقد ولدت في زمن افلام ابيض واسود وكبرت ونمت مداركي على مسلسلات اسامة انور عكاشة وهرمت وأنتهى بي المطاف على افلام السبكي.

و حكايتي مع الفانوس تتلخص فى التالى:

بدأت مثل كثيرون غيري بالفانوس ابو شمعة وانهيت طفولتي بالفانوس ابو بطارية وهذا كان اخر هعدي بفوانيس رمضان.

وقتها كانت لدي صديقة طفولة أسمها هناء ... كانت من اسرة في نفس مستوانا المادي والإجتماعى تقريبا ... وكان منزل هناء ملاصقآ لمنزلنا وعلى الرغم من ذلك امتلكت هناء الكثير من الرفاهيات التى لم احلم بإمتلاك مثلها في هذا الوقت ..

هناء كانا لديها مصادر دخل خارجية ... فلديها خالة تدعى وداد ... كانت قد سافرت الي الكويت منذ زمن ... (زمن العز واكل الوز) ... ولعب الزهر مع الخالة وداد وافتتحت سلسلة من محلات بيع الحلوى بالكويت ... وهكذا عندما كانت وداد تعود للوطن في زيارات خاطفة ... كانت تعود محملة بالهدايا لهناء ابنة اختها الوحيدة.

وبما أن هناء بنت على ولدين فلذا دائما ما تجدها تقف وحيدة في شرفة منزلها مدلدلة الرأس تنظر للمارة ... وأتذكر في هذه الفترة كنت قد اثبت لأمي فشلي الذريع في مساعدة اخوتي وتولي اي مهام منزلية عليها القيمة ... فأوكلت لي امي مهمة شراء الاغراض المنزلية الطارئة من السوبر ماركت الذي يقع خلف منزلنا ... وهى مهمة فشلت فيها إيضآ ..

المهم كنت في كل مرة انزل إلي الشارع اجد هناء تنادي علي بصوت عالي وتستحلفني ان امر عليها لنلعب سويآ حتى ولو خمسة دقائق، وعندما تيأس وتتاكد من انني لن أصعد لها لأن لدي تنبيهات صارمة من أمي بشراء ما اوصتني به والرجوع سريعا للمنزل ... ما كان لها سوى ان تحضر لعبة رائعة من التي احضرتها لها الخالة وداد في اخر زيارة لها وتدلدلها لي من شرفة منزلها ... وتكون غالبا لعبة كهربائية مستوردة لم تنزل بعد إلي الاسواق المصرية أو بالكتير ممكن تشتريها من أسواق بورسعيد.

أتذكر يومها جيدا ... كنا في شهر رمضان وارسلتني امي لشراء بصل لإعداد طعام الأفطار ... وقفت هناء في الشرفة وفي يدها فانوس رمضان كهربائي سحري ... يغني وحوي يا وحوي. وحده كدة رباني ... ظلت هناء تفتح زر المصباح فيضيء الفانوس وتصدر منه اصوات وانا اقف من تحت رافعة رأسي وفاتحة فمي كالبلهاء ... فلقد تخيلت الفانوس مسكوناً بعفريت ... وفي النهاية سال لعابي وانهارت كل مقاومتي فصعدت درجات السلم في سرعة البرق ..

ظللنا انا وهناء نلعب بالفانوس السحري حتى اظلمت الدنيا واوشك المغرب على الاذان وعندها كنت قد شبعت من اللعب ... عدت إلي منزلي ونسيت حتى ان احضر البصل الذي طلبته مني امي لتحضير وجبة الأفطار ... وكان اول من فتح باب منزلنا الحاكم بأمره زوزو أمى ... قابلتني زوزو بوجه متجهم صارم فقطعت علي نغم وحوي يا وحوي الذي كنت ادندن به ... فأخرس لساني ونلت نصيبي من ابو وردة.

والحقيقة انه دون اي قصد او نية مبيتة كانت هناء سببا غير مباشر، دون ان تدري، في انزال امي الكثير من العقوبات علي.

بعد ان تزوجت وانتقلت الي الأراضي الكويتية نسيت موضوع الفانوس، فلدي كل دولة عربية طقوس خاصة بها في الاحتفال بشهر رمضان، وهنا في الديرة بالكويت فأن البطل الاول لشهر رمضان هو القرقيعان، الذي كنت قد افردت له مقالأ سابقاً، والفانوس يحتل مرتبة متاخرة فيها.

وهكذا نسيت الفانوس ونسيني هو ايضا ... حتى قررت حماتي ان تتعطف علي بزيارة رمضانية لتعيد لنا بهجتنا وسعادتنا ... فنشعر معها بكل الاجواء الرمضانية التي نفتقدها في الوطن.

جاءت حماتي بحقيبتها الكبيرة المحملة بكل خيرات الوطن ... فتحت الحقيبة فأخرجت منها الزفر (البط والحمام والأرانب و....) ومن ثم الفطير المشلتت وجميع انواع العسل
ومن ثم جميع انواع الجبن وبالأخص الجبن الرومي، وجميع أنواع اللب وبالأخص اللب الأسمر ... و .... اه لسه في حاجات كتيرة بتجيبهالنا حماتي ... فحماتي لا تنسى شيئاً من خيرات المحروسة، فحتى الملوخية الخضراء بتجيبها معاها ... فهى سيدة منزل بكل ما تحمله الكلمة من معنى ... ربة منزل بصحيح (من اللي خلصوا من زمان) على الرغم من انها كانت مربية فاضلة على درجة وكيل وزارة.

المهم بعد ان انتهينا من افراغ جميع محتويات الحقيبة، وجدت لفافة ملفوفة بأوراق الهدايا الملونة البراقة ... سألتها وكلي فضول: ايه ده يا طنط ... دي هدية؟ ... لمين هه لمين هه..... هه هه هه؟

ردت بطة (حماتي): دي هدية حبيبي
انا (وانا اتحسس اللفة) : مين انا ؟... انا صح يا طنط؟

بطة: تخطف العلبة من يدي وهي تعقد حاجبيها .. دي بتاعة يوسف

انا وفضولي طالع من عيني: طيب فيها ايه؟

بطة: جبت فانوس رمضان ليويو ؟

انا: بجد يا طنط ... وبسرعة اخطف العلبة من يدها مرة اخرى وأقطع ورق الهدايا عن العلبة فأفوجيء به يطالعني وكان ناقص يطلع لي لسانه ... علاء الدين جالسا على مصباحه البلاستيكي ... وما انا لمست يدي زره بالخطأ وجدته يشدو بصوت يشبه الشريط المسفوف، خالي من اي دفء ... اغنية وحوي يا وحوي.

أنا بخيبة امل: ايه ده يا طنط دي لعبة بلاستيك مش فانوس رمضان !! فين الفانوس ابو شمعة ؟

بطة تضحك وكلها حسرة وألم: ده كان زمان قوي ده انتي قديمة قوي يا غدغود... دلوقتي الفوانيس كلها بقت صيني.

المهم تمر الايام والشهور والسنين وتحدث المعجزة ... معجزة تعويم الجنية ... اه والله صدقوني طلعت معجزة ... فبالفعل كما قال المثل القديم... مصائب قوم عند قوم فوائد ... اه يا ولاد تصدقوا ان الإدارة المصريه كانت حكيمة وعبقرية كمان وذات بعد نظر في تعويم الجنية المصري ... فلم يكن القرار قرارا اعتباطيا كما ظن البعض (اكيد انا مش منهم طبعا) ...بل كان قرار له بعد نظر منقطع النظير.

فهذا العام وبعد ان اصبح الدولار الامريكي يوازي ثماني عشر من نظيره الجنية المصري ... وبعد صدور بعد القرارات الخاصة بفرض ضرائب اضافية على استيراد بعض البضائع الغير استهلاكية ... ادى كل ذلك ألي جعل المستورد المصري يفكر اكثر من مرة قبل استيراد فوانيس رمضان من الصين، ولذا حدثت المعجزة وبداءت من جديد مصانعنا وورشنا الصغيرة في العمل على انتاج فانوس رمضان صناعة مصرية ... عودة محمودة.

واخيرا ... إليكم الخبر الهام:

اصدقائي ابشركم ..

فبعد ان كان الفانوس زجاج وبشمعة ومن ثم خشبي ومن كام سنة عملوا منه خرز ظهر هذا العام فانوس الألباستر ... حد يسألني يعني ايه ألباستر يا هندسة ... هشرحلكم .... الألباستر ده نوع من انواع الرخام وفكرة استخدام رخام "الألباستر" لصناعة فانوس رمضان، ترجع إلى الرغبة فى ابتكار منتجات يدوية جديدة باستخدام الخامات المتوفرة داخل مصر، فرخام الألباستر يعتبر خامة مصرية لا توجد فى أى دولة أخرى، كما أنها معروفة عالميا نظرا لاستخدامها فى صناعة التماثيل الفرعونية.

كما توجد ميزة أخرى لتلك المادة، هو أنها بخلاف جميع أنواع الرخام الأخرى، تعتبر مادة غير معتمة بما يمكن استخدامها فى الإضاءة، يعني ممكن ان تضع داخل الفانوس شمعة ونرجع تاني لأيام وحوي يا وحوي ... طبعا بالأضافة الي انه يمكن استخدامة كقطعة ديكور مضيئة رائعة.

انا سامعة واحد بيصفر وبيقول رخام ايه ... هي الست دي اتجننت وده هيكون بكام ان شاء اللة؟ هي مش واخدة بالها اننا مش لاقين ناكل... قال ألباستر قال.

اصدقائي .. بالنسبة لتكلفة إنتاج الفانوس، احب أوضح أنه يتم استخدام "هادر" محاجر الألباستر لتصنيع الفوانيس، وذلك للإستفادة من الخامات بدلا من هدرها، خاصة أن حجر الألباستر يعتبر من الأحجار مرتفعة الثمن ويصل سعر المتر منها إلى ألف جنيه، إلا أن استخدام الهادر يسمح بإخراج منتج متميز بتكلفة مناسبة.

لي صديق من جروب مدرسة العحوزة الخاصة اسمه مصطفى ... مصطفى يهوى الأعمال اليدوية ... مصطفى فنان بكل معنى الكلمة... لديه مشروع صغير يصمم تصاميم بديعه وينفذها في ورشة صغيرة يملكها ويعرضها للبيع على جروب خاص به على الفيس بوك بأسعار اكثر من رائعة ؟؟؟ ده الي جانب عرضها في معرض صغير خاص به.

امس فتحت الفيس فشاهدت تصميم بديع لفانوس رمضاني ألباستر بزخارف رائعة ... وبسعر اكثر من ممتاز... فانوس من انتاج مصطفى.

امانة عليكم لو حد جاي من المحروسة ليجبلي فانوس ألباستر من عند مصطفى ... الفانوس صورته فوق مش عايزه استعباط ... ومصطفى عندكم على الفيس بوك وكمان رمضان لسة مجاش يعني مافيش ايوتها حجة وكل رمضان وأنتم طيبين.

غادة بدر