#غادة_بدر تكتب: لية يا دنيااااااااااااا

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

 

ماما زوزو ... خالتي ميرفت ... خالتي نوال ... خالتي عفاف ... كلهن ارامل ولله الحمد ... عندما تدخل برجلك اليمين عائلة أمي تلاقيها كلها ارامل وايتام ... حاجة كدة تشجعك انك تهرب قبل ما تناسب منهم.

كانت اول من حصل على اللقب هي خالتي ميرفت ... ترملت ميرفت ولم تكن قد اكملت عامها الثامن والعشرون !! ... تلتها زوزو أمي ولم تكن ايضا قد أتمت عامها الثلاثون !! ... ثم تلتهم خالتي نوال الله يرحمها، اخذت اللقب وهي في عامها التاسع والأربعين !! ... اما اخراهم فكانت خالتي عفاف، ترملت عفاف بعد ان تخطت سن الستين مباشرة.

لن اتطرق عن حزن الصبايا اللاتي فقدن ازواجهن وهن في مقتبل عمرهم ... ولكني سأستفيض بالشرح عن حزن عفاف التي فقدت زوجها في خريف عمرها. فقد كان حزن خالتي عفاف عجيب غريب ... اتشحت بالسواد ولم تخلعه حتى سطور هذا المقال ... على الرغم من مرور اكثر من ثمانية اعوام على وفاة زوجها.
فقدت نصف وزنها واصبحت كالمومياء ... خيالا يمشي على الارض حيآ ... بالرغم من ان الخير وفير والحمد لله. قاطعت الزيارات الأجتماعية والافراح والمأتم، وهى الشخصية الاجتماعية والحبوبة جدا.

اغلقت عفاف الباب على نفسها وقررت ان تعتزل الحياة بالرغم من انه لا زال لديها الكثير لتعطيه.

اتذكر حزن امي وخالتي ميرفت ونوال، ولكني اتذكر ايضا انهم على الرغم من حزنهن الشديد وحوزهن على لقب إرملة في سن مبكر الا انهن لم يعتزلن الحياة ... فوجودنا معهن كأطفال صغار اخرجهن من دائرة العزلة والوحدة بسرعة .. فقد ادراكن بفطنتهن مدى احتباجنا لهن ... مما حثهن على ان يتغلبن على حزنهن بسرعة.

وهكذا منحنونا اكبر فرصة للحياة الطبيعية وسط جو خالي من الكآبة او الحزن ..

ولكن حزن خالتي عفاف كان مختلف عنهن .. فبعد ان تزوج الابناء وتركوا المنزل كان زوجها هو السند والرفيق وونيس درب الحياة. وذات يوم صحوت خالتي من نومها فوجدت نفسها وحيدة حبيسة جدران منزل تذكرها كل قطعة فيه بالمرحوم. .. انها تشعر بان انفاسه تلاحقها في كل مكان ... خالتي حرمت على نفسها ان تطبخ طبخة هنية كان يحبها المرحوم وتتذوقها وتستمتع بها من دونه ... حرمت على نفسها السفر مع اولادها والاستمتاع بالرحلات من دونه.

كل عائلتنا ترى ان خالتي عفاف قد جنت او اصاباها الهوس، وكثيرا ما اسمع خالتي ميرفت تبرطم لأمي وهي تلوي شفتيها وتقول (يا حسرة علينا ... امال احنا نعمل ايه اللي بقالنا اكثر من اربعين سنة مترملين ومن غير راجل)

وحدي شعرت بخالتي وقدرت حالها ... فقد كانت رحمة الله بأمي وخالتي كبيرة، فوجودنا معهن قد ملأ عليهن حياتهن فلم يشعرن ببرودة الوحدة وانينها.

ندخل في الموضوع:

صديقتنا اليوم ... صديقة هبطت علي من السماء لتذكرني اننا كلنا في الهوا سوا، ومن يعتقد انه هو فقط الذي يعاني فهو واهم فكلنا مبتلون وفي الصبر ماضون ... لم يكن بيني وبين هالة سابق معرفة ولكنها توسمت في الخير فأرسلت لي هذه الرسالة عبر الماسينجر.

:مساء الخير مهندسة غادة معلش انت ما تعرفنيش بس انا كنت بقرا ليكي كتاباتك الجميلة و شايفة ان لينا بعض الاصدقاء المشتركين ... عموما اخش في الموضوع علي طول، انا شفت ليكي من فترة بوست بتطلبي فيه مساعدة الناس في انك تجدي انسانة امينة تقعد مع مامتك، و ما تكنش شغالة علي اساس طبعا اننا عارفين ان الزمن بقي منيل اليومين، دول خصوصا الستات الكبار الواحد بيخاف عليهم.
المهم اني محطوطة في نفس الموقف و بدور علي حد ممكن ياخد باله من ماما، لاني في الكويت فقلت يمكن تكوني من خبرتك السابقة تعرفي مكان او طريقة توجهني اعمل ايه ؟؟ عموما انا نمرتي xxxxxxxx واسمي هالة ...يا ريت في اي وقت فاضية ممكن نتكلم و شكرا ليكي.

تاني يوم وانا راجعة من الشغل كلمت هالة ... لان ده تقريبا الوقت اللي بكون فاضية فيه ... بعد مكالمتي مع هالة اكتشفت فعلا اننا كلنا هالة ... هحكيلكم قصة هالة بأختصار يمكن تقدروا تساعدوها.

هالة تقريبا من نفس جيلي ... سأطلق عليه اخر الأجيال الحونيينن.

والد هالة ووالدتها لم ينجبا غيرها هي واخوها حسن ... فقد اكتفيا بهم حتى يتمكنا من تعليمهم احسن تعليم وبالفعل قد كان ... فقد تخرجا الأثنين من كليات القمة.

وسرعان ما مرت الأيام و وجد حسن نصفه الثاني وتزوج بعد ان سبقته هاله ... وككثيرون من إبناء هذا الوطن تركت هالة وحسن الوطن وبحثوا عن لقمة العيش بدول الخليج ... سافر حسن إلي السعودية واستقر هناك ... اما هالة فقد سافرت مع زوجها ولكن الي الكويت ... بدأوا حياتهم العملية هناك وعملت بجانب زوجها في مجال الهندسة وانجبوا البنين والبنات ... كبر البنين والبنات وألتحقوا بمراحل التعليم المختلفة وهكذا قدر لهالة الاستقرار بالكويت.

بعد زواج حسن وهالة وسفرهم واستقرارهم في بلاد الغربة ... عاش الوالدان بالقاهرة وحدهم في حالة انتظار دائم ... أنتظار وشوق لزيارات الأحباب هالة وحسن وعائلاتهم.

في بعض الأحيان كان حسن يصدر لهما تأشيرة لزيارة السعودية للأعتمار ولتقصير الوقت عليهم، وكذلك كانت تفعل هالة ... مرة واحدة تتذكرها هالة حتى الأن ... فلقد حاولت فيها ان تستضيف ست الحبايب وحدها نظرا لأنشغال والدها بأمور عدة بالوطن ولكن الغالية رفضت وابت التحرك دون رفيق العمر والكفاح ... ففي الأونة الأخيرة تحولت علاقة والد هالة ووالدتها الي تؤام لصيق اكثر منها زوجين.

في العام الماضي، وبالتحديد في شهر أغسطس، خيم الحزن على حياة عائلة هالة ... فلقد توفى الوالد وترك ست الحبايب بعد رحلة عمر دامت لأكثر من خمسين عاما ... منهم ثلاثون عاما ملتصق فقط بوالدة هالة.

صحت والدة هالة ثاني يوم بعد وفاة المرحوم لا تصدق نفسها ... ظلت لأسابيع عدة لا تخرج من منزلها في انتظار عودة المرحوم ... تتعامل وكأنه لم يرحل ... قلب هالة لم يكن ليحتمل ان تترك والدتها وحدها، فبعد انقضاء ايام العزاء انفض المعزين من حول امها ... كل ذهب لحال سبيله. خافت هالة ان تترك الغالية فتركت كل شىء لأجلها ... تركت كل شىء وجلست معها ... تركت اسرتها في الكويت ... زوجها ... اولادها ... عملها.

في البداية اصر حسن ان يشارك هالة المسئوليه، فهي امه ايضا، ولكن عندما طالت مدة رعاية هالة لأمها ... شهر ... اثنين ... ثلاثة .. اصرت هالة على عودة حسن لحياته، فهو رب الأسرة ولدية مسئوليات جمة. وقالت له بالحرف الواحد: لن يخدم امي احدا غيري ... فالبنت هي التي بتشيل امها مش الولد ... كتر خيرك يا حسن عملت اللي عليك وزيادة ... ارجع لبيتك وشغلك.

غياب هالة عن اسرتها طال فأرتبكت حياة اسرتها بالكويت وأختل توازنها ... اولادها لا يتابعون دروسهم كما كان بالسابق، هالة فصلت من عملها ... ففي الغربة لا مجال للظروف والمأسي.

تمر الشهور تضطر هالة للعودة لأسرتها ... اسابيع قليلة تمر وتضطر لمغادرتهم مرة اخرى فهي لا تحتمل ان تترك الحبيبة وحدها فتعود مسرعة للقاهرة ... اسابيع هنا واسابيع هناك.

تزامنت هذه الأحداث مع صدور بعض القوانين الكويتية ... فمنذ حوالي عامين مضوا فاجئتنا دولة الكويت بأصدار قانون خاص بزيارة الوالدين ... فقد منعت كل الزيارات لمن هم فوق سن الخامسة والستين، وهناك بعض الحالات التي تستثناها الدولة طبعا بالواسطة وبدفع مبالغ مالية مهولة من تحت المائدة، مع شرط ان لا تزيد مدة الزيارة عن الشهر واحد ولا يجدد.

وهكذا فدولة الكويت تعمل جل ما في وسعها حتى نعيش كأبناء عاقين لمن انجبونا وافنوا أعمارهم لأجلنا.

للأسف لم يكن في امكان هالة ان تصدر زيارة لأمها لتعيش معها، ولا هي قادرة على ان تطيل الزيارة عندها وتترك اسرتها ... فهكذا ارتبكت حياة هالة واصبحت غير قادرة على مواصلة حياتها كما بالسابق، فلا حياة اجتماعية ولا عملية ولا شىء سوى الذهاب كل اسبوع لمكاتب الطيران لمحاولة الحصول على ارخص سعر لتذكرة طيران.

وعندما شعرت هالة بالتعب وأن حياتها قد أصابها الخلل في كل ركن من أركانها قررت ان تستعين بي، حيث علمت انني ذات سابق خبرة في موضوع البحث عن جليسة لأمي.

بعد معرفتي بقصة هالة شعرت ان الله كان بنا رفيقآ رحيمآ، فنحن ثلاثة بنات وولد ... لم يتغرب غيري من أخوتي والباقي مستقرون بجانب الغالية يتناوبون رعايتها ... اختي الصغيرة تسكن بعدها بشارع واخي ايضا قبلها بشارع ... واختي الكبيرة تأتيها من اخر الدنيا وتمكث في منزلنا لأكثر من ستة اشهر متفرقة بالعام وانا اعمل المستحيل لأحصل على استثناء للسماح لها بزيارتي بالكويت حتى لو كان شهر او شهرين بالعام، واحاول انا ان ازورها باقي أيام السنة المتفرقة.

وبما اني من هواة النظر الي نصف الكوب المملوء، فانا ارى ان الحياة كانت بالفعل رفيقة بأمي فقد تركها زوحها بسرعة قبل ان تلتصق به خمسين عاما فتتعلق به فيصبح الفراق صعبا والوحدة قاسية ... تركها معنا نضلل حياتها وتروي ظمأها بنا.

في النهاية أصدقائي ... انا وامنية وايمان واميرة ورحاب وزينيب وغيرنا الكثير ... نشعر ان كلنا هالة ... ولا نعلم ماذا نفعل معهم ... أنتركهم للوحدة تأكلهم ؟؟ ام نتركهم لخدم لا نعرف من اين اتوا ومتى سيتركوهم وكيف سيتعاملون معهم ؟؟ ان العمر يمضي بهم ويكبرون ويعجزون عن ادارة حياتهم بأنفسهم ... اتكون مكافئتنا لهم ان نخذلهم؟؟.

هالة صديقتي لها ايضا حياتها، ولن يكون الحل ان ننصحها ان تترك حياتها واولادها وتتفرغ لمراعاة امها لرد الجميل ... وحتى ان ارادت هالة ... فكلي ثقة ان امها سترفض وتأبى ان تفشل حياة ابنتها في سبيل ان تظل بجانبها ترعاها.

أحترت ولذا فأنا في انتظار حلولكم لهالة صديقتنا وغيرها الكثير ممن يعانون.

غادة بدر