غادة بدر تكتب JOB OFFER

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

صديقي ... هل تقبل يوما ان تصبح زوجتك مديرا عليك؟ 

قبل ان تتسرع في اجابتك، سواء برفضك الموضوع برمته أو تقبلك له بمنتهى السماحة والأريحية، في البداية اعطي لنفسك فرصة جيدة للتفكير المتروي ... فالموضوع قد يبدو بسيطا او مضحكاً في بدايته... ومن الجائز انه سيترأى لك مشاهد عديدة للقديرة شادية والفنان صلاح ذو الفقار من فيلم مراتي مدير عام.

ولكن صديقي لا تضحك ولا تسرح بخيالك بأبتسامات بلهاء لا معنى لها .. فالمشكلة ليست بنكتة، ولكنها واقع ملموس او كابوس يهدد الكثير من عشس الحياة الزوجية السعيدة.

فلنقترب معا من حياة سماح وحسين لنلمس معا تجربتهم بأنفسنا ..

سماح وحسين زملاء دفعة واحدة ... تعارفا وتحابا منذ السنة الاولى لهم ... في اثناء دراستهم الجامعية كان حسين هو الأكثر تفوقا ولكن سماح كانت الأكثر ذكاء ... وبحكم تكوينها الأنثوي العقلانى، الذي يميل الي التركيز والاستذكار لساعات اطول، كانت في اوقات كثيرة تتنافس مع حسين على مراكز الصدارة في الدفعة، ولكن لم يحدث يوما وتفوقت عليه ..

لكن في العام الأخير حدث ما لم يكن في حسبان حسين، فلقد جاء ترتيب سماح الأول على الدفعة وأحتل حسين، الذي كان قد سلك التدريس في الجامعة، حلمه الأول والاخير، .. المركز الثالث.. !!!.

عينت سماح معيدة بالجامعة، ولكن احقاقا للحق كانت سماح تتمنى ان يكون لحسين نصيبا ايضا ولكن حظه العاثر ان الجامعة لم تعين في هذه السنة الدراسية غير معيد واحد وهو الحاصل على المركز الاول فقط ... ولكن جاءتها التعزية سريعا، فلم تمر سوى شهور قليله الا وحسين كان قد استلم عمله كطبيب في اكبر مسنشفى استثماري بالقاهرة ...
وهكذا تزوج حسين من حبيبة القلب وزميلة الدراسة سماح في حفل صغير يناسب إمكانياتهم المادية.

وبعد مرور أكثر من عامين يصحو حسين من نومه على صوت رنين هاتفه ... تسمعه سماح وصوته يغرد في عشهم الصغير ... ثم يصيح: مش معقول بجد ... كام ... طبعا موافق ... مافيش كلام.

يغلق حسين الهاتف وهو يصفر ... وسماح تلاحقه كظله ... مين ده يا حسين ؟؟ رد بقى يا حسين .. طيب هو ايه اللي مش معقول !!!... حسين لايرد ويمسك بالموبايل ويفتح الالة الحاسبة ويبدأ في اجراء حسبة بسيطة ... ثم يخبر سماح بأنه عازم على السفر للعمل فى الكويت مع صديقهم عصام.

سماح تتعجب .. عصام مين ... ثم تكمل: عصام الخايب اخر دفعتنا .. يصرخ فيها حسين ويقول اهو عصام اخر دفعتنا ده اللي مش عجبك بياخد الف دينار في الشهر ... عارفة يعني كام بالمصري ... شفتي بقى يا فالحة يا ست الدكتورة يا الاولى على دفعتنا.

تصرخ سماح فيه .. طيب وانا اعمل ايه ماجستيري ... دكتوراتي ... حسين بكل ثقة تستقيلي طبعا وتسيبي الملاليم اللي بتقبضيها وتيجي تشتغلي معانا ... بلا دكتوراة بلا نيلة

وبعد مرور عشرة أعوام اخرى، وبعد محاولات فاشلة عديدة في الإنجاب، تقف سماح امام حسين تترجاه في ان يذهبوا معا لمقابلة الدكتور السويسري بيتر ... فليس امامهم سوى اسبوع واحد فقط وهي مدة زيارة الدكتور للكويت. ثم تجلس سماح على ركبتيها وتمسك بيد حسين وبمنتهى الحنان تحاول أن تنعش ذاكرته ان هذا لم يكن حلمها وحدها بل حلمه وامنيته الوحيده في الحياة ... ثم تكمل حديثها قائلة: حسين ... انت عارف الدكتور ده مختص في نفس الحالات المشابهة لحالتك ... وعلشان كدة انا متأكدة ان الأمل بقى قريب جدا منا وحلمنا خلاص قرب يتحقق ويبقى حقيقة.

وبعد مرور ثلاثة أعوام اخرى ... تسارع سماح من الانتهاء من عملها مستأذنة ساعتين مبكرة.

هي تعلم جيدا ان هذا يضعف من مركزها في العمل، فقد كثرت اذونتها في الفترة الاخيرة، فساعات دوامها طويله تنتهي بالساعة السادسة مساء، وقد كان ذلك مقبولا قبل تشريف ولية العهد ابنتها ... حبيبة قلبها ... التي لا تقوى على فراقها وتشتاق لها كثيرا خلال كل هذه الساعات الطوال.

سماح بعد ان انجبت جودي قدمت في اكثر من مستشفى خاص، ولكن كلها كانت لا تناسبها، فأغلبها يعمل بنظام فترتين عمل ... فترة صباحية وفترة مسائية .. فسماح لا تريد لأبنتها ... هبة السماء لها بعد كل هذا الانتظار ... ان تتربى بين يدي فلبينية..

تفكر سماح في ان حسين في الفترة الاخيرة أصبح انانيا جدا، فهو لا يشعر بها ... وكيف له ان يشعر بها ودوامه ينتهي في تمام الثانية ويسارع للعودة للمنزل والاستمتاع باللعب مع الحبيبة .. فرحة العمر كله.

كان ابتعاد سماح عن ابنتها كل هذه الساعات يعطيها دفعة قوية لتفكر بشكل جدي في الاستقالة، ولكنها دائما في اخر لحظة تتراجع ... فلديهما اقساط الفيلا التي ابتاعوها منذ عامين بالتجمع الخامس ... كما انها تريد تأمين مستقبل جودي فلازالت صغيرة وانجابهم لها في سن متأخرة ليس في صالحها ... كم ان هناك حقيفة لا يمكنها انكارها ... فهي بالفعل لا تقوى على الجلوس في المنزل وان يقتصر جل طموحها على ان تكون فقط ربة منزل، وبالاخص انها حققت في عملها ذاتها وطموحاتها واصبح لها اسم لامع في عالم الاطباء بدولة الكويت.

فجاءة تلمع في رأسها فكرة ذهبية ... لماذا لا تقدم اوراقها للعمل بنفس المستشفى الذي يعمل فيه زوجها ... ان مواعيد عمله تناسبها كثيرا ورواتبهم تفوق رواتب القطاع الخاص، فهو مستشفى اشبه بالقطاع الحكومي ولكن بكوادر ومميزات خاصة.

تتقدم سماح بأوراقها دون ان تخبر احداً، حتى حسين لم تخبره فليس لديها ادنى امل في الفوز بالوظيفة...

وبعد مرور ستة اشهر اخرى، وبعد ان ذادت خلافات سماح مع مديرها لكثرة استئذانها ... وبعد ان نست سماح موضوع تقديمها اوراقها للألتحاق بوظيفة مديرة قسم امراض النساء بمشفى زوجها .. تفاجأ سماح بمكالمة هاتفية تخبرها ان عليها العروج على المستشفى الذي يعمل به زوجها باكر لأجراء المقابلة الاوليه مع المدير العام ... لأن اوراقها قد تم قبولها. وفي حال اذا اجتازت وتخطت المقابلة بنجاح فعليها بعدها اجراء مقابلة اخرى نهائية مع مدير قسم الموارد البشرية للأتفاق على الراتب الشهري والبدلات.

لم تصدق سماح نفسها فطارت فرحا الي زوجها لتبشره بالبشرة السعيدة ... ستعود زميلة له ولكن ليس على مدرجات الجامعة ... ستعود زميله له في العمل .. سيذهبون معا ويعودون من العمل معا وسيلعبون مع ابنتهما ايضا معا ... انها الحياة التي لطالما راودتها في احلامها.

تفاجئت سماح بردة فعل حسين الذي ثار ثورة عارمة ... حيث رفض حسين الامر برمته
وكان أول فرمان اصدره هو عدم ذهاب سماح لمقابلة المدير العام للمشفى، فهو لا يقبل ان يعمل في المشفى كطبيب عام وتعمل زوجته معه في نفس المشفى في مركز اعلى منه، فالوظيفة التي قدمت عليها سماح وظيفة مديرة لأحدى الاقسام بالمشفى ... لم يكن نفس القسم الذي يعمل به ولكن الكادر الخاص بها سيكون اعلى منها وقطعا سيكون راتبها ضعف راتبه.

وعلى الرغم ان حسين يعلم تماما ان ذمتهم الماليه واحدة، ولم تفرق سماح يوما بين راتبه وراتبها.. ولكنه لن يسمح ابدا بان تكون شوكة سماح أعلى من شوكته في منزلهم.

بدأ صوت سماح يعلو ويعلو ويعلو ولأول مرة تفتح قلبها على مصرعيه... وتشكو له انه لا يشعر بمعاناتها وتعلو انانيته فوق كل شىء، ولأول مرة تصر سماح على موقف لها في الحياة ... وبالفعل تكسر كلامه وتذهب للقاء المدير مبررة لحسين موقفها انه لربما لن تنجح في المقابلة ولا يكون هناك داعي لكل هذه المشاحانات والمجادلات... فليس عليهم ان يستبقوا الأحداث.

وبعد مرور ثلاثة اشهر اخرى على اخر نقاش بين سماح وحسين ... تقف سماح في نفس المكان وفي يدها ورقة عرض العمل (Job offer) والتى استلمتها من المستشفى الذي يعمل فيه زوجها ..

امسكت سماح الورقة بيدها وهي تلوح بها لحسين موضحة له انها لن تتنازل عن وظيفتها التي نالتها بكفاءتها وسمعتها الحسنة التي تسبقها في كل مكان، كما انها ايضا لن تتنازل عن الراتب الذي يعادل ضعف ما تتقضاه في المستشفى الذي تعمل فيه .. كما انها ايضا لن تتنازل عن الدوام المريح الذي يسمح لها بقضاء وقت اكبر مع ابنتها.

وفي مقابلها يقف حسين شارعا سيفه مهددا بالانسحاب من حياتهم والسفر بعيدا وليبدأ كل منهما حياته من جديد مودعا كل الماضي، وسيترك لها ابنته قرة عينه لأنه يعلم بانها في حاجة لحنانها في هذا السن أكثر من اي شىء اخر في هذه الحياة، كما انه لن ينسى ان يعطيها حريتها قبل ان يرحل عنهم.

اصدقائي ..

لسنا هنا امام قصة خيالية من وحي خيالي الخصب او فيلم سينمائي من تأليف مؤلف محترف ... بل انها قصة حقيقة لأحد اصدقائي . . فالأن حسين راكب راسه وسماح مصرة على عدم التنازل عن حلمها ... مع العلم ان سماح تحاول بين حين واخر ان تنعش ذاكرة حسين بكل الاحلام التي تنازلت عنها لأجله هو فقط ... بداية من حلم ان تصبح دكتورة في الجامعة تدرس للطلبة والطالبات ... ومرورا بحلم تنازلها عن امومتها لمدة أثنى عشرة اعوام غير عابئة بتقدمها في العمر ودخولها في مرحلة قلة الخصوبة ... ولكن للأسف رأس حسين لا تلين بل تزداد صلابة يوماً بعد يوم.

قصة حسين وسماح قد تتكرر كثيرا في مجتمعنا، وبالأخص بين قصص الحب التي تبدأ في مدرجات الجامعة وتنتهي بالزواج ... ففي العادة تحرز الفتاة تقدما ملموسا في مجال العمل عن الفتي الذي يماثلها في العمر ... فيواجهان معا مشكلة العمر.

نحن هنا اما مشكلة خراب بيوت ... فبماذا تنصحون اصدقائي سماح وحسين؟

وهل يمكن اى منكم، ان كان في نفس مكان حسين، ان تتخطوا هذا الحاجز النفسي وتتقبلوا فكرة ان تكون زوجتك في مركز اعلى منك في نفس مكان العمل؟؟؟؟؟

غادة بدر