#أحمد_ماهر يكتب: حوار مع الله (1)

كتب بواسطة: أحمد ماهر في . القسم منوعات

 


"لا يصدق أنه يقف هنا لا يفصل بين غرفته في الفندق وبين الكعبة سوا ذلك الحاجز الزجاجي .. يقترب ويضع يده على الزجاج في سعاده وكأنه يخبرها أنه بعد لحظات قليله سيكون في أحضانها .. في قلب بيت الله"

الأم : هل ستقف هناك كثيرا يا محمد ؟؟

محمد : لا يا أمي فأنا جاهز حتى نذهب إلى الكعبة .. ألم يحن موعد نزولنا ؟؟

الأم : سأتمم بعض الأمور ثم نذهب إلى هناك .. هل من الممكن أن تساعدني ؟

محمد : بالطبع يا أمي
"يجلس الطفل بجوار والدته ويساعدها في ترتيب الغرفة وهي تراقبه وهي مبتسمه"

الأم : أخبرني يا محمد .. هل أنت سعيد لأنك ستكون في بيت الله بعد لحظات ؟

محمد : بالطبع يا أمي فأنا أنتظر هذا اللقاء منذ زمن ..

الأم : منذ زمن ؟؟ كيف وأنت لم تتجاوز بعد ال 10 سنوات !! أين ذلك الزمن الذي تتحدث عنه "تقولها وهي تضحك"

محمد : أنا رجل ولست طفل يا أمي .. ألست رجلك ؟؟

الأم : بالطبع أنت رجل وأنا أعتمد عليك لأنك رجل ولكن أخبرني ماذا ستفعل عندما ندخل إلى بيت الله ؟
محمد : سأصلي ركعتين ثم أذهب إلى الكعبة .. أليست الكعبة هي مركز الكون وهي أقرب مكان نكون فيه بجوار الله ؟؟

الأم : نعم هذا صحيح

محمد : إذا سيكون هناك حوار بيني وبين الله

الأم : وبماذا ستخبر الله في تلك اللحظة ؟؟

محمد : هذه أسرار بيني وبينه يا أمي "يقولها وهو يبتسم إبتسامه تعكس الكثير من الخجل"

الأم : حسنا يا رجل .. إذهب وتوضأ وارتدي ملابسك لنذهب دون أن نتأخر

محمد : حسنا يا أمي .. دقائق وسأكون جاهزاً

"عظيم ذلك المشهد .. رائعة تلك الأجواء بل تفوق في روعتها ما كنت أتخيل .. لا أشعر أنني أمسك بيد أمي .. فقط أشعر أنني في أقرب مكان إلى الله على وجه الأرض ... هكذا كان يتحدث محمد مع ذاته في تلك اللحظات دون أن يشعر بخطواته وهي تتسابق ليقترب أكثر وأكثر من الكعبة"

محمد : أمي فلتبقي هنا وسأذهب أنا لأصلي بالقرب من الكعبة

الأم : المكان مزدحم وأنا أخشى عليك .. فلتكن بقربي سنصلي معا ثم نقترب سويا

محمد : حسنا يا أمي فلتصلي وسأصلي أنا بجوارك ثم نذهب للكعبة بعد ذلك

" تقف الأم تصلي بجوار السيدات ويقف الإبن في الصفوف الأخرى قريب من الأم .. يصلي وكأنه لم يصلي من قبل .. يصلي وكأنه يقف في صفوف الصحابة والرسل والأنبياء .. تسيل دموعه من شدة خشوعه .. وتزداد نبضات قلبه كلما اقترب من نهاية الصلاة .. فالله ينتظره هناك عند الكعبة.. ينتهي محمد من صلاته وتنتهي الأم من صلاتها فيمسك بيدها من جديد ويتحركوا سويا إلى الكعبة"

الأم : ها نحن إقتربنا .. سأقف هنا أدعي الله ولتذهب أنت لتلمس الكعبة وتتحدث مع الله فهو في إنتظارك

محمد : حسنا يا أمي

"يقولها ويذهب مسرعا يضع يده على الكعبه .. ثم يضع رأسه ويبدأ في الحديث مع الله"

محمد : اشكرك يا الله على كل النعم التي منحتني اياها .. أشكرك على أمي فهي رائعة ودائما ما تغمرني بحنانها تحاول أن تفعل المستحيل لكي تجعلني راضي وتبحث دائما عن سعادتي .. أشكرك لأنك تساعدني في إستذكار دروسي جيدا وتجعلني دائما متفوق في دروسي .. أعتذر منك لأني أقصر في بعض الأحيان في صلواتي .. أنا لا أستطيع دائما أن أستيقظ لأصلي صلاة الفجر في المسجد .. وفي بعض الأحيان أصلي العشاء بعد إنتهاء المباراة .. أنا أعلم أن هذا يجعلك تغضب مني بعض الشيء لذلك أعتذر منك.

"يصمت محمد للحظات وكأنه يتردد في أن يكمل حديثه .. ولكنه يقتل خوفه بداخله .. فهو في أأمن مكان في العالم فكيف يخاف وهو بين يدي الله فيقرر أن يكمل حديثه مره أخرى "

محمد : أريد أن أتحدث معك يا ربي عن بعض الأمور التي تشغلني .. أتتذكر ذلك الطفل السوري الذي غرق في البحر وألقت به الأمواج على إحدى الشواطيء ؟؟ لماذا مات هذا الطفل ؟؟ لماذا يموت كل يوم أطفال كثيره في حروب ليس لهم ذنب في إندلاعها ؟؟ لا أعلم لماذا خلقت الحروب يا الله ..

لا أعلم لماذا يموت الأطفال والبشر دون ذنب ؟؟ ماذا فعل هذا الطفل ليموت بهذه الطريقه .. لقد مات بعد أن إختنق من الماء .. لقد مات العديد من الأطفال إما من طلقات أحرقت أجسادهم الصغيره أو غرقا في البحر دون أي ذنب ..

أعلم أنك تشعر بما أريد أن أخبرك به .ولكني اشعر بالضيق لذلك أتحدث معك .. لا أعلم لماذا توفى والدي وأنا صغير .. لم أبقى معه وقت طويل .. فقد مات وترك كل الحمل على أمي وتركني يتيما دون أب .. فأصبحت أشعر أنني اقل من أصدقائي ومن اقاربي .. أشعر وكأني خلقت لأتعذب حتى أنني كنت في لحظات كثيرة أكره تلك الحياه .. ولكني أحبها فقط من أجل أمي .. أمي التي تتحمل الكثير من أجلي ..

لم أنس نظرتها لي بعد وفاة ابي وبكائها عليه .. لم أنسى كم كبرت سنوات عمرها في لحظات قصيرة جدا وكأنها أضعف من تلك الورقات الصغيره التي تتطاير في رياح الخماسين .. أدعوك يا الله ان توقف كل الحروب التي تقتل الأطفال وكل البشر ..

لقد أخبرنا معلم المدرسة أنك قادر على كل شيء .. فبحق قدرتك تلك أنشر السلام والخير على كل البشر .. أرجوك يا الله لا تجعل قلب أمي يرى الحزن من جديد .. إجعلها سعيده دائما ..

إجعلها معي دائماً واجعلني معها .. فنحن أصبحنا وحيدين وليس لنا سواك في هذا العالم ...

أنا سعيد لأنني تحدثت معك يا الله وسعيد لأنني أصدق أنك ستحفظني وستحفظ أمي من الشرور التي قد تصيبنا .. لو كان ذلك الطفل السوري على قيد الحياه الآن كنت سأخبره أن يأتي معي إلى بيتك ليتحدث معك ويدعو لك يا الله ..

كنت سأأتي به إلى هنا حتى يكون في أمان دون أن يصيبه الموت وهو في ذلك السن الصغير ..

سأخبر كل أصدقائي بأن يحتموا بك وببيتك عندما يشعرون بالضيق و .......

"سقوط رافعة ضخمه على المسجد الحرام وحدوث العديد من الإصابات وحالات الوفاة"

ترتفع روح محمد الى السماء وهو يرى جسده ملقى على الأرض .. يرى بكاء والدته وهي تجمع أشلائه .. يراقب دمائه وهي ترسم لون جديد يكسوا أرض الكعبة ..

ينظر الى الكعبة في ابتسامه ساخره ..

تغيب عن الأنظار وسط زحام المتدافعين !!!


أحمد ماهر