#سها_المنياوى تكتب: لم اتناول العشاء بعد

كتب بواسطة: سها المنياوي في . القسم منوعات

 

 

استيقظت بعد يوم عصيب ليلة أمس ..

قمت بالطواف في أنحاء شبرا بعد جولة سابقة بقلب القاهره لأشتري زي العيد.

وأخيرا بعد طول عناء اشتريت بنطلون و بلوفر وقميص، واشتري لي أخي الاكبر حذاء العيد ففرحت كثيرا. وبهذه المناسبة أود أن أشكر أول من اخترع فكرة ارتداء ملابس جديدة في العيد، فهذا ما يعطي بهجة جميلة ودفعة جديدة للتنزه والخروج بزي العيد ... وأعتقد أننى مهما بلغت من الكبر عتيا، سوف أظل أشتري ملابس جديدة، فهذا يوم مولد يسوع نور حياتنا ... كما أخص بالشكر صديقي بشوي الذي صاحبني في تلك الرحلة ...

بعد اللف والطواف المحبب من أجل ملابس العيد ركبنا قطار الصعيد, طردت خاطرة أو بالأحري هاتفا همس في أذني ربما تكون تلك هي النهاية وسيتهشم قطار الصعيد ونموت لنلتقي بالمسيح ... و ربما يستقبلنا بنفسه ونحتفل معه بالعيد, ولكن روحي أبت أن تنساق وراء هذا الخاطر ... و تمنيت أن أرتدي زي العيد وأتناول الفتة و الديك بدلاً من أن أموت مفعوصا في قطار الاهمال هذا... فشعرت لثوانى بتأنيب الضمير لتفضيلي الدنيا عن رفقة المخلص ...

بعد أن وصلنا نجع حمادي، حيث مدينتي المحببة إلي قلبي, مشيت متجهاً لمنزلى، متأخرا متعبا و مرهقا، غير مشتاق لتناول العشاء المكون من بطاطس المسلوقة ... سآكلها و أنا أناجيها بأن هذا آخر يوم لها معي ... فلتغربي عنى أيها البطاطس.

حرصت على أن أسير في طريق بعيد عن الكنيسة التي تجاور بيتنا، حتى لا يشاهدني الاصدقاء ويلحون في مشاهدة ما اشتريته من القاهره، بناءاُ على نصيحة أمى. لقد اشتقت إلي فتة أمي ... رائحتها تزورني من آن لاخر في الايام الاخيرة من الصيام قبل العيد ...

و صلت و نمت كما لم أنم من قبل, حتى انني نسيت أن أحلم ... ربما لانني كنت نائما فدائما أحلم ليلة العيد أحلاما سعيدة، شاعرا بأننى قد تقربت من الخلاص أكثر بصيامي ...

هذا العيد يمر علي وأنا متخرجا فى كلية التجارة، و لم أرسو على مرفأ لأحلامي بعد ... هل سأهاجر إلي ايطاليا وألحق بأولاد عمي هناك، أم أننى سأظل بوطني الام الذي بدأت أشعر فيه بعدم الامان ؟؟!!

استيقظت على صوت المحمول ... مكالمة من بيشوي ... يأتيني صوته فرحا لانه حادث بولا تليفونيا بعد أن جمع شتات نفسه ليتأكد هل ستذهب الي القداس الليلة فى كنيسة مار يوحنا أم كنيسة العذراء ؟ فأخبرته انها ذاهبه إلي مار يوحنا ... فأجبته وأنا نصف نائم : "طب ايه ؟؟؟ ماحنا هنكون في كنيسة العدرا ؟؟"

كان بيشوي مغرما ببولا, فرحته نابعة من إنه تجرأ وحادثها, الكنيستين متجاورتين و سوف يراها إن شاء الله بعد القداس حتى يشبع من النظر اليها قبل أن يلتهم اللحوم ... استيقظت على صوت أمي لشراء طلبات , لبن –بيض – جبن قريش و خيار وطماطم ....حااااااضر !!!!

ممممم!!! رائحة طبيخ أمي تعجزني عن التفكير في أي شىء, إن رائحته من أكبر الفتن "زي مابيقول المسلمين" !

دعوت العدرا اذا كان من الممكن أن أدخل الي الجنة وتظل أمي تطهو لي هناك ؟؟!! ثم نزلت إلي الشارع متناسيا كل الاجواء المحتقنة و الصمت المريب الذي يغطي المكان والويلات التي يطلقها الاقباط اذا حدث مكروه ... الاجواء صارت مرعبة وكأننا نعيش في غزة أو بالأحري أفغانستان ...

ثأر هنا ... وثأر هناك, اغتصاب مسيحيات هنا ... واغتصاب مسلمة هناك ... لماذا أصلا صار " هنا " غير " هناك " ؟؟؟ ومن وراء هذه الفتنة ؟؟؟؟ ... آآآآه !!!! كله من "الغول"...

تناسيت كل هذا وأنا أسير فرحا مستبشرا بعيد الميلاد لأشتري طلبات أمى, الشارع كله أقباط ... المسلمون هنا قلة, منهم من ينظر لي شذرا وأنا عائد حاملا البيض و اللبن. عم أحمد فقط بادرني بابتسامة سمحة قائلا : "كل سنة وانت طيب يا رامي ".. ورأيت مصطفي ينطقها بعد تردد " عيد سعيد عليك " ...

كان مصطفى يحبني جدا منذ طفولتنا, وصار ممن يرددون تلك الجملة " رامي دة كويس جدا مع إنه مسيحي ..." حينما كنا أطفال تعلقنا ببعض و كنا نلعب سويا في الشارع ...

عدت إلى البيت حاملا الطلبات، فتهرول أمي إلي شاكرة اللة على انني عدت بسلام ...

وجدت أبي يشاهد قناة سات 7 و أختي الصغيرة التي أعشقها ترقص على أغنية "ستة الصبح" للجسمي, بينما ينهرها أخي الاكبر لانها لم تحفظ الترانيم التي طلبها منها ..."احترمي اللي شغال دة يا مريم ..." هكذا حال أخي منذ أن عمل بالاسكندرية بشركة ملاحة، ووجد زملاءه السلفيين قد تغيرت معاملتهم له. صار يذهب إلي الكنيسة أكثر من المعتاد, متحدثا عن الاضطهاد وسنينه ... و أن الوطن لم يصبح للجميع، فبالتالى اتخذ الكنيسة وطنا له ...

انشغلت أنا بالفيسبوك و إستقبال و إرسال التهاني, تحدثت مع أولاد عمومتي بإيطاليا ... و لم أرد أن أتحدث معهم عن حوادث النهب والسرقة للمحال المسيحيين، ولا لاغتصاب الفتيات المسيحيات ولا اختفائهن وأسلمتهن. لا أريد أن أثير هذا الشجن العميق في يوم كهذا ...

الاخبار تصلهم هناك أكبر من حجمها الحقيقي، لتجعل القبطي يحزن أكثر ويعتقد انه نجا بسفينة نوح خارج وطنه الام الذى سيظل أمه مهما سافر ... الوقت يمر وأنا على الفيسبوك، ملجأي، و لم أدخل إلي أي من المواقع الانترنتية مثل كريستيان اون ذا واي ولا موقع منظمة اقباط المهجر ... كنت أحتفي بالعيد وأنتظر القداس والوليمة وصباح العيد ... فالمشكلة فى الاخر كلها تصب في مصالح إناس بعينهم سواء خارج البلاد أو داخلها ...

ارتدينا جميعا ملابس العيد, وشاهدت فرحة مريم الصغيرة بملابس العيد ... ما أجملها حبيبتي الصغيرة وهي تتعلق بي لأحملها، رغم انها على أعتاب المراهقة لكنني لازلت أحملها كما كانت صغيرة ... و نزلنا لنذهب إلي الكنيسة فرحين, ملقيين جميع هموم واضطرابات الأيام الاخيرة لنذهب إلي بيت اللة ... و لكن فوجئت بمكالمة من بيشوي ... سيذهب إلي كنيسة مار يوحنا حيث بولا ...

ذهبنا إلي كنيسة العذراء والتقينا بأحباء لم نرهم ... منهم من هاجر إلي القاهره أو الغردقة أو الاسكندرية، ثم عاد ليقضي العيد مع أهله ... بدأ القداس وشعرت بقشعريرة غريبة لم تنتابني من قبل, شعور غامض يسحبني إلي سقف الكنيسة فتتعلق عيناي وروحي بالزخارف المرسومة ...

كلما سارعت الساعات نحو انتهاء القداس, كلما امتلأت أنفي برائحة الديك و الفتة. و بعد التهاني وتقديم العهود بميلاد يسوع و فتح صفحة جديدة من حياتنا، نبدأها ببداية جديدة أكثر قربا من اللة ... خرجنا من الكنيسة ضاحكين ... كلمت بيشوي فأخبرني بأنه يشعر انها معجبة به فعلا، وكم فرحت حينما حضر القداس معها بمار يوحنا ...

بينما نحن نضحك ونمزح في ظلام الليل، أتت سيارة مسرعة بها إناس ملثمون بأيديهم بنادق رشاشة ... شعرت بوخز شديد في قلبي وأنحاء من بطني ... بطني الخاوية من الطعام والمشتاقة للطعام ... استمر الالم وأنا أري من حولي فزعين وأمي تغطي وجهها وتصرخ ...

ألقيت نظرة أخيرة على أبي و أخي الملتاعين ومريم الصغيرة الباكية التي كانت آخر صوت سمعته يبكي " راااااااامي"... ثم شعرت بأن الألم يزول تدريجيا ... شعرت بأن الصوت و الضوء من حولى يخفتان تدريجيا ... تظلم الدنيا وضجيجها و كأنه يأتي من بعيد غير انني أشعر بوجودي بالمكان ...

وفجأة بدأ المشهد كله أمامي كأنني أرقبه من وراء حجاب شفاف ... شعرت انني خفييييف، وكأنني أحلق بعييييييداً ولكنني قريب ...

روحي تتعلق بمريم الصغيرة الباكية الملتاعة, وصرخات أمي التي يبدو انها فقدت الوعي، وأبي المصدوم الفاقد للنطق ...

أين أنت يابيشوي ؟؟؟ هل نطقت بالحب لبولا ؟؟؟

يبدو انني سأبتعد إلي حيث مكان بعيد ... سحيق ...

لا يؤلمني سوي فراق مريم شقيقتي ..

لا يؤلمني سوي أنني ... لم أتناول بعد عشاء العيد ...

سها المنياوى