#غادة_بدر تكتب: كن أو لا تكن وماسمعش حسك بقى

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

زمان وانا صغير كنت بحلم ابقى كبير ..

والحلم كان برىء مفروش بالورود والقلب كان جرىء مليان بالوعود.

ولما كبرت قولت ياريت ماكنت حلمت ولا اتمنيت ...وقولت ياريتنى فضلت صغير زى زمان.

تفتكروا كام واحد فينا حلم الحلم ده ورجع ندم عليه ... اعتقد كتير ... وكتير قوي لأن الإحباط أصبح هو الحلم.

كعادتي اليومية اتصل بالوالدة للدردشة ... يكون ذلك عادة في موعد مقدس، فى تمام الساعة الخامسة مساء حيث أنتهي من عملي، وبالمرة تكون هي صحت من القيلولة ... ودار بيننا الحديث التالى:


انا: دعاء عدت عليكي امبارح يا ماما

ماما: اختك الله يكون في عونها... مش عارفة تعمل ايه ولا ايه ... دي خست وعدمت وشكلها بقى موميا ... يعني مش كفاية جنب شغلها وشغل البيت ومذاكرة جينا وانها رايحة جاية بيه للدكتور كمان بقت تشتغل ... سواقة.
أنا: سواقة !!! ... ليه ... للدرجة دي فاتورة الكهرباء مأثرة عليها؟؟؟

ماما: فاتورة كهربا ايه ... يا بنت انتي مس هتبطلي هزار بقى، انا بكلمك جد وانتي قاعدة تهزري – أكبري بقى يا غادة وأعقلي.

انا: وانا كمان يا ماما بتكلم جد ... فاتورة الكهربا والمياة والتليفونات و و و اللحمة والفراخ والطعمية وووو – كل دول خلوها تشتغل مهندسة الصبح وسواقة بعد الضهر؟؟
ماما: لا يا فلحوسة في حاجات تانية جديدة أهم؟
انا: اهم؟؟؟ وجديدة يا خراااااشي هو فيه اهم من الأكل والشرب والتكييف ... ده انا لسة سايباكم يادوبك من شهر واحد، هو انتوا لحق تظهر عندكم حاجات جديدة؟؟


ماما: اه فيه ... التعليم ... مستقبل العيال ... انتي عارفة ان ابن اختك مروان السنة دي ثانوية عامة
انا: وايه علاقة ده بأنها تشتغل سواقة؟؟ وبعدين هو انتم لسة فاكرين قصة التعليم دي ... ماهي مخلفة مروان من ييجي ١٨ سنة.


ماما: غادة انتي هتستهبلي يا بنت ... انا جبت سيرة التعليم انا بقول ثانوية العامة ... التعليم كوم وثانوية عامة كوم تاني خالص.

انا: ما انا عارفه يا ماما ... ليه محسساني اني جايه من كوكب تاني
ماما: غادة أفهمي شوية لأن مروان في الثانوية العامة ... فلازم اختك ... توصله الصبح قبل ما تروح شغلها للسنتر علشان ياخد الدروس، وبعد الضهر بعد ما ترجع من الشغل ترجع تاني توصله للدروس الخصوصية من درس لدرس.


انا: ماما معلهش براحة عليه هو مش مروان بيروح الصبح المدرسة بتاعته ... ايه موضوع السنتر ده وبيعمل في أيه؟؟
ماما: لا ما هو مش بيروح المدرسة خالص
انا: ليه ؟؟؟؟ يعني ايه !!! ... طيب دي مدرسة اجنبية بالشىء الفلاني ... يعني بتاعة خمسة اتشار ألف في السنة ... يعني مش مدرسة حكومية لا سمح الله ... اي نعم هي مش مدرسة إنترناشيونال بس على الاقل بيدفع فيها فلوس.
(ماما تشعر بأستنكاري للحدث فتهاجمني) 
ماما: هو ده النظام وكل الطلبة بيعملوا كدة .. محدش بيروح المدرسة من الطلبة .... احنا مش هنبتدع نظام لوحدنا ... ولا هيروح يدرس لوحده.

أنا: طيب ومين اللي بيدسلهم الدروس في السنتر؟؟
ماما: مدرسين المدرسة طبعآ
انا (أشعر وكأني غبية من كثرة صراخ أمي في وجهي فبخيبة امل ابتسم وأقول): ... طووووويب مش هتكلم خليني ساكتة احسن. طيب وايه موضوع الدروس الخصوصية، هو مش خدها في السنتر
ماما بزهق: ايه يا غادة مالك النهاردة... هو في حد بياخد ثانوية عامة من غير دروس خصوصية... انتي عايشة في المريخ.
أنا: اووووووف ....امال السنتر ده ايه انتي هتجنيني؟؟؟
ماما بصوت عالي: السنتر بدل المدرررررررسة يا غبية.

انا بعد ما أمي نعتتني بالغبية أصبحت (غادة الغبية): طيب هايل هو السنتر ده مش بتدفعولوا فلوس... خلاص انا لقيت الحل... بلاها المدرسة بلاش تدفعوهم... وفروهم للسنتر والدروس الخصوصية 
ماما: يعني ايه يا ام الفلحوسة هيدخل الامتحانات ازاي... هيبقى منازل يعني ... انتي عارفة نتيجة المنازل بتكون ايه... لم ينجح احد.

انا: يا خراااااشي يا لهووووووي هو في كدة يعني هيجاوب ومش هينجحوه ... خلاص ارموا الخمس اتاشر ألف على الأرض وبعد كدة ما اسمعش صوت حد فيكوا يقولي مش لاقين سكر ولا رز ولا حتى زيت.

بعد فترة صمت بيني وبين الوالدة أقول لماما - طيب هي جينا كمان (على فكرة جينا دي تبقى اخت مروان وفي رابعة ابتدائي) ...اشعر ان الخط قد اغلق في وجهي فأصرخ.. ماما هي جينا كمان مش بتروح المدرسة ؟؟

ماما اسرعت بالرد وهي متأففة: لا طبعآ جينا بتروح المدرسة مع السنتر والدروس الخصوصية 
انا: نعممممممممم..... هي جينا كمان بتاخد دروس يا مصيبتي !!!!


اغلق الهاتف وانا ابرطم... فأصطدم بزوجي في الممر.

 محمد: في ايه يا بنتي ماتفتحي انت هاتفضلي مسطلة كدة طول عمرك ... لا وكمان زاد عليكي انك اتجننتي وماشية تكلمي نفسك !!!
انا: تخيل يا محمد مروان في ثانوية عامة وبيدفع فلوس المدرسة ومش بيروح ... وبيدفع فلوس تانية للسنتر وبرضه مش كفايه .. فبيدفع فلوس تانية للدروس الخصوصية علشان يجيب مجموع يدوبك يدخله جامعة خاصة !!! هو في حاجة كدة... دي مدرسة ناشيونال يا عالم مش حكووووووومية.

محمد: ههههه وده اللي مخليكي بتكلمي نفسك ... لا في حاجة اكتر من كدة ... دينا بنت عمرو صاحبنا في الأي جي بتدفع فلوس المدرسة الانترناشونال مش الناشونال وبرضه ما بتروحش ... وبتدفع فلوس للسنتر وبرضه مش كفاية، فبتدفع فلوس تانية للدروس الخصوصية علشان تجيب مجموع يدوبك يدخلها جامعة أجنبية.

انا: نعممممممم !!! مدرسة إنترناشيونال بأكثر من سبعين ألف ... لا كدة كتير وكتير قوووووي كمان ... (المرة دي وانا ماشية في الممر لبست في الحيط)

لا مروان ولا دينا ولا زملائهم شخصيات غريبة على المجتمع المصري، ولكنهم بالفعل يعكسون واقع الطالب المصري في الثانوية العامة او في الأي جي او في الثانوية الأمريكية ... فالكل في النهاية يتساوى ... فهم طلاب منازل في السنتر ويأخذون دروس خصوصية بعد الضهر. اما عن فقراء هذا الوطن ... فلهم الله.

جلست مع نفسي أفكر هل لو مروان لم يتهاون في حقه وذهب إلى مدرسته وكان التلميذ الوحيد بالمدرسة ... ألن تفتح له المدرسة ابواب فصله الدراسي ؟؟؟
ألن توفر له المدرسة مدرس يشرح له دروسه حتى لو كان الطالب الوحيد في الفصل ؟؟

قعدت مع نفسي شوية كمان حسيت أني قربت أتجنن ... فأصبحت لا اعلم اين بالضبط تكمن أوجه الفشل التعليمي ... فقد كنت اعتقد ان المشكلة تكمن في رداءة التعليم الحكومي يعني موضوع فلوس ومدارس نظيفة ومدرسين حالقين دقونهم ومتكلينين (حاطين كولونيا) ... ولكنني اكتشفت اليوم أن المشكلة في كل منظومة التعليم في مصر، فلا تعليم حكومي نافع و لا تعليم ناشيونال نافع ولا تعليم إنترناشيونال نافع ... يبقى الموضوع جشع وقلة ضمير ناتج عن تنازلنا وتفريطنا في أقل حقوقنا ... فنحن من نفتح لهم الباب ونسمح لهم بركوبنا واستغلالنا حتى النخاع.

في خلال كتابتي للمقال استرعى انتباهي حادثين في غاية الغرابة حدثوا من خلال وزارة التعليم في نفس اليوم:

الحادث الأول: طفل صغير يقع في بالوعة بداخل مدرسته بالبحيرة ... تتعجبون ؟؟ لكم كل الحق فالبالوعة كانت داخل المدرسة وليست خارجها ... فلو كان اولياء الامور لم يفرطوا في حقهم عندما رأوا هذه البالوعة مفتوحة من قبل وأصروا على ضرورة تصليحها ... لم يكن حدث ما حدث.

الحادث الثاني: كان صورة لأخصائية فى مدرسة إعدادى قاعدة وتحت رجلها طفل ... تداولها نشطاء الفيس بوك ... بحثت وتقصيت فعرفت أن الولد اسمه محمد حمدى فى 2 إعدادى (مدرسة محمد عبده) الولد كان قاعد فى الفصل عادى جدا زيه زى أى حد معاه ... الولد اللى وراه صفّر افتكرته هو ... قامت المدرسة راحت جابته من القميص وحطيته تحت رجلها، وإيده فوقه عشان حتى مايحاولش يدافع عن نفسه.

قطعا لم تكن هذه هي اولى تجاوزات الإخصائية، ولكن لأنها لم تجد من يوقفها عند حدها فزادت تجاوزاتها حتى وصلت إلي المحظور ... فنحن قد أصبحنا متخاذلين في كل شىء، نرسل أبناءنا الي المدارس ليصبحوا أشباه رجال.

على فكرة الولد مش عايز يروح مدرسته تاني لأن الاولاد أصحابوا بيتريقوا عليه وسموه الولد الصرصار، لأنه كان عامل زى الصرصار تحت رجلها ... هكذا نربي أجيالنا القادمة.

أؤكد لكم ان كل ما يحدث للمصريين من كوارث ناتج عن اننا أصبحنا شعب متخاذل متهاون في حقه يرضى بأقل القليل ... فقد ارتضى من زمن بأن يعيش حياة لا تليق به كمصري حفيد للفراعنة.

المصريين في الخليج بالرغم من كونهم من اكفأ الجاليات واكثرهم تفانيا في العمل، الا انك تجد رواتبهم اقل من رواتب الجاليات العربية الاخرى ... لماذا ؟؟ لأنهم تربوا على ان يرضوا بالقليل ويحمدوا ربهم عليه ويبوسوا أيديهم وش وضهر ... فهم خانعون لا يقاتلون لأخذ حقوقهم ويتنازلون عنها بمنتهى السهولة.

هل آن الأوان يا أصدقائي لكي نختار لأنفسنا منهجآ جديدا في الحياة ... منهج يأخذ فيه كل ذي حق حقه ... فمن حق كل طفل أن يأخذ حقه في التعليم وحقة أيضآ في الكرامة  ... كرامة عيش حرية.

فلقد علمتني أمي ... أن ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ... فهكذا ينصلح حال الأوطان ...  فكن أو لا تكن.

غادة بدر