#فادى_رمزى يكتب: دروس راقية من بلد واطية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات


لم تكن تلك زيارتى الأولى لهولندا، وذلك منذ ايام قليلة، ولكنها كانت الزيارة الأكثر قربا من طبيعة الحياة الهولندية ومن الشعب الهولندى الشقيق. كانت اقامتى فى مدينة روتردام، ثانى اكبر مدن هولندا وصاحبة اكبر ميناء تجارى فى اوروبا، وبسبب ابتعادى عن المناطق السياحية المعتادة، والتى تتمركز اكثر فى امستردام، وكون اقامتى فى شقة وليس فى فندق، عشت خلال الايام العشرة كمواطن هولندى له ما لهم وعليه ما عليهم ... بقدر ما سمحت طبيعتى المصرية الأصيلة.

المواطن الهولندى مميز وفريد فى طباعه، ويختلف كثيرا عن مواطنى دول اوروبية عديدة من التى زرتها وعشت فيها من قبل، والسبب فى ذلك هو انه انسان يتحدى الطبيعة القاسية على مدى تاريخه الطويل ... فمنذ القرن العاشر تقريبا وهو يقاوم طبيعة ارضه "الواطية" المنخفضة عن سطح البحر بعدة امتار، والتى لو تركت لاقدار المد والجزر لغرق ثلثاها تقريبا.

منذ قرون وهو يبذل اقصى جهد بدنى وذهنى لانشاء الجسور والسدود حتى يفرض سيطرته على المياة الغاشمة ويخلق ارضا اضافية يستصلحها ويسكن بها ... وهو مجهود رهيب لان مقاومة الطبيعة بشكل عام والمياة بشكل خاص امر سياتى فى النهاية فى غير صالح الإنسان، مالم ينجح بعلمه وبابداعه فى "تطويع" الطبيعة لصالحه وليس تحديها او الوقوف ضدها بطريقة عنيفة.

ولكن الهولندى فى ظل صراعه هذا لم ينس فضل الطبيعة عليه، ولذلك فما ان اثارت جماعات الحفاظ على البيئة اعتراضاتها على تطبيق تكنولوجيا متطورة لحجز مياة البحر، تسمح بازالة خطر الغرق تماما وتوفر الكثير من الاموال المنصرفة فى هذا الأمر، وذلك لتهديد تلك التكنولوجيا حياة الاسماك وغيرها من الاحياء البحرية، حتى تم الأخذ بوجهة النظر "البيئية" تلك .. يعنى لم يتصدى النظام الهولندى لها بعنجهية او بشعارات من قبيل "حين يتعلق الأمر بحماية اراضى هولندا فلتذهب البيئة للجحيم" ... لذلك عكف العلماء مرة اخرى على العمل حتى طوروا من الحل العلمى المقترح وتم تطويعه، باسلوب سهل ممتنع يسمح باقامة السدود فقط وقت المد مع السماح للاحياء البحرية بالتحرك من تحته بحرية، وبالتالى تم الحفاظ على البيئة وعلى اراضى هولندا فى نفس ذات اللحظة.

تحدى الطبيعة يظهر لدى الهولندى فى تفضيله للتحرك بواسطة الدراجات .... وهى وسيلة انتقال لا تتناسب ابدا مع الجو البارد الذى تتسم به البلاد طوال العام تقريبا. وكنت اتعجب وانا اتمشى "بتكتك" من البرد حي تمر بجانبى عجلة واصحابها يتحركون بها وكان الدنيا ربيع والجو بديع ... وعلى الرغم من ارتداءهم ملابس شتوية ثقيلة الا انهم يقودون بمنتهى السلاسة، ويتحدثون فى الموبايل ويرسلوا رسائل واتس اب وتشات عادى جدا وكانهم جالسون فى غرف معيشتهم بالمنزل.

هم يتحدون الطبيعة فى ركوب العجل ليس فقط بتجاهل البرد القارس، بل بتصميم تشكيلات مبهرة وبديعة للعجل طبقا للحالة الإجتماعية ... ففى نهاية الأسبوع ترى العديد من العجل "الاسترتش" المزدوج، عائلى يعنى، وتوجد ايضا عجلات بها كرسى للطفل حديث الولادة ويكون كرسيه مغطى بنايلون شفاف لحمايته من الامطار والرياح ... وخلال الاسبوع ترى عجلة اخرى تقودها فتاة تعمل فى حضانة او مدرسة، مجهزة من الامام بصندوق خشبى به اماكن جلوس ل 6 اطفال فى الحضانة او السنوات الاولى من الابتدائية، أى اتوبيس مدرسة فى صورة عجلة.

اشكال عديدة ومبهرة وتبتعد تماما عن الشكل التقليدى المعتاد ... حتى اننى كنت اتوقع ان ارى عجلة بدفاية 6 ريشة او بكرسى قلاب جنب الباب او حتى بترابيزة لاب توب بيشحن بطاقة الحركة ... مش بعيد والله على هولندا.

وبالطبع لا يجب ان نغفل طواحين الهواء الهولندية الشهيرة والعريقة، وبها تم تطويع الرياح التى ترسلها الطبيعة لتصبح مصدرا للطاقة ... هم شعب يتحدى الطبيعة يوميا ولا يتوارى منها او يستسلم لها .. وثقافتهم "زراعية" لانهم جبلوا على ذلك، بغض النظر عن مهنة اى منهم ولكنهم "فلاحون" بالفطرة ... وهنا اقصد بساطتهم وقناعتهم باقل القليل من عوامل الرفاهية، هولندا فى رايى اقل دولة اوروبية تنعم بعوامل الرفاهية الاستهلاكية مثل باقى الدول، وقليلا ما ترى سيارات فارهة او رياضية سريعة مثلا ... والخدمات بها بسيطة وفعالة وحتى اماكن التنزه طبيعية وبسيطة .. تعتمد فقط على مكان يطل على منظر جميل واكل شهى ودمتم ... يعنى القعدة الحلوة والاكلة الشهية ومفيش حاجة احسن من كده.

ايضا الملابس لديهم عملية وبسيطة بدون تكلف، فهم شعب "كاجوال" بكل معانى الكلمة ... ايضا هم لا يعملون لساعات طويلة، مثلهم مثل الفلاح الذى يستيقظ من النجمة ليعمل بضعة ساعات يشقى ويتعب ويهلك خلالهم فعلا ثم يستريح باقى اليوم ... لذلك يظن البعض انه كسول ولا يعمل.

أغلب المحلات مثلا فى روتردام تفتح فى الحادية عشر صباحا وتقفل ابوابها فى السادسة ... والحمدلله على كده ونروح بقى نتعشى مع المدام والأولاد !! ... طبعا لو قارنا مواعيد العمل تلك مع ال 12 – 14 ساعة عمل فى امريكا وانجلترا وفرنسا، وتوجد بعض المحلات تعمل 24 ساعة سبعة ايام فى الأسبوع كمان، لظننا ان الهولنديين "مش بتوع شغل" ... هم حقيقة مش بتوع شغل كعدد ساعات ولكنهم يؤدون بانتاجية اعلى بكثير من العديد من الشعوب الأخرى، وتلك هى الطبيعة "الزراعية" التى نشات فيهم.

لذلك هم، على الرغم من عدد الساعات القليلة، اصحاب الاقتصاد رقم 16 على مستوى العالم ومن الدول المتقدمة جدا فى الصناعات الغذاية (فلاحة) والمعدات الزراعية (فلاحة) ... ومن الدول ذات الانتاجية المتفوقة فى المحاصيل الزراعية والالبان واللحوم ... وقدكنت ارى الابقار فى المزارع، خلال تنقلاتى بالقطار، بسم الله ما شاء الله البقرة توزن قد 3-4 ابقار من بتوعنا وضرعها مليان لبن يكفى خط انتاج لمصنع جهينة.

نظامهم السياسى/الاقتصادى "ديموقراطى إجتماعى"، مثلها فى ذلك مثل الدول الإسكندنافيه، اى ان الدولة تدير بعض الأنشطة بنفسها، من خلال شركات قطاع عام، مثل المواصلات وبعض الأنشطة الزراعية ولها سلطات رقابية حاكمة وملزمة لضمان تحقيق معايير العدالة الإجتماعية وذلك فى ظل نظام يدعم العمل الخاص ويجيد فى نفس الوقت خلق بيئة متجانسة بينه وبين الحكومة والمجتمع المدنى (اضلاع التنمية فى اى دولة محترمة او نفسها تبقى محترمة).

وتعاملات الهولنديين مع "الغير" لطيفة وراقية وهم متعاونون ولكن عند الطلب، فهم لن يبادروا بالمساعدة من انفسهم ... هم فى حالهم كل واحد بيكافح طبيعته وملهى فى دنيته، ولكن اطلب المساعدة ستجد "اهل القرية" موجودين ويساعدوك بقدر استطاعتهم. وان كانت هناك "تتش" قبلية بعض الشىء تظهر احيانا من بعضهم، وقد تجعلهم يتأففون من الاغراب العديدون الذين ملئوا بلدهم، لكنهم لا يكرهونهم لكنهم يتضايقون من عدم التزام البعض منهم بالطبيعة الهولندية "الريفية" الهادئة ... ايضا لديهم تخوفات من عدد المهاجرين الذين استضافتهم هولندا من سوريا، ولكنهم لا يصرحون بذلك بطريقة مباشرة.

اغلب الشعب الهولندى يتحدث الانجليزية بمستوى مرتفع او جيد على اقل تقدير ... وروتردام بالذات تحظى بعدد كبير من الأجانب المقيمين، بسبب وجود جامعة Erasmus التى تستقبل طلبة اجانب فى اقسام مختلفة لكون الدراسة بها باللغة الإنجليزية، وايضا بسبب وجود الميناء التجارى العالمى فيها.

الشباب الهولندى متدلع اخر دلع على مستوى التعليم ... فهو يدخل الجامعة برسوم بسيطة (1500 – 2000 يورو تقريبا فى السنة) والمواصلات الداخلية مجانية طوال فترة دراسته، مش بس كده بل اى شاب هولندى يستحق قرضاً من الحكومة يغطى تكلفة تعليمه ومعيشته خلال الجامعة ويسدده بعد 30 عاما ... ايوة ... ننام ونصحى ننام ونصحى لمدة 360 شهر ... وذلك بفائدة بسيطة او معدومة ... ولو اتعذر فى الدفع ليس عليه شىء !! ... يعنى تقدر تقول التعليم مجانى ... وهو هنا لا يعنى انه على قده وترضى بقليلك مادام مجانى، ابدا حاشا وكلا دى دولة بتقدر العلم وهو سبب وجودها ... هو نظام تعليمى يتيح الفرصة لكل من يريد ان يتعلم، ولكن عليه طبعا ان يبذل مجهودا كبيرا فالدراسة هناك ليست سهلة ابدا واللى يسقط مالوش ديّة. والتعليم يؤهل الخريج لفرص عمل طبقا لخطط الدولة فى التنمية ... لذلك فنسبة البطالة لا تتعدى 9% عند الشعب الهولندى، عدد كبير منهم من الاعمار الكبيرة وليس من الشباب مثلما هو الحال عندنا (نسبة البطالة فى مصر تتراوح بين 30 - 40% ... و50% منهم شباب من خريجى الجامعات)

المساواة هناك كاملة بين الرجل والمرأة، أمر طبيعى فى دولة لم يحكمها ملك منذ 125 عاما تقريبا فقد كان العرش دوما تشغله امرأة، ولذلك لم ار طوال تلك الزيارة او خلال الزيارات السابقة اى مشهد به سمة تحرش فى شوارع امستردام او روتردام، والمراة هناك ترتدى ما يحلو لها وما حدش "بيبص حتى" ... او جايز بيبصوا بطريقة مستترة ولكنها بالتاكيد غير ملحوظة وبالتالى غير مزعجة للمرأة.

فى الترام، وسيلة الانتقال الثانية بعد الدراجات، عرضت على سيدة ان تجلس مكانى .. ما يصحش برضه ... ولكنها لم توافق، تعجبت قليلا ثم رفضت بذوق وتقدير للعرض المقدم، ولكن الرفض يتلاشى مع تقدم العمر، وان كانت نسبة المسنين عموما قليلة فى روتردام الشابة، وايضا فى حالة ان تكون السيدة من اصول "شرقية" (عربية او اسيوية) هنا يكون الإتفاق سريعا وتبادل الاماكن اسرع وبمجرد العرض المبدئى ... وعادة يصاحب هذا شكر ذو ملمس "شرقى" خاص ... وكأن لسان حال السيدة الشرقية يقول: "ربنا يكرمك ياخويا ده انا على حيلى م الصبح انا عارفه مال المترو زحمة كده النهارده".

المراة هناك "عفية" ... تقوم بادوار عديدة وتشيل وتحط ولا تنتظر معونة ... والرجل "نطع" بعض الشىء ولكن فى حالات خاصة ولفترة محددة وليس كسمة عامة. فقد رايت مثلا عائلة تخرج من احد المحلات، الأب ممسكا بيد ابنه يتحدث معه بينما الأم فى الخلفية تحمل اكياس المشتريات ... لكن ندهه بسيطة باسم الرجل مع زغرة انثوية عابرة للحدود والثقافات جعلت الرجل وابنه يشيلوا عنها ... هذا الموقف تكرر امامى اكثر من 5 مرات ... نفس النطاعة التمهيدية يتلوها ندهه فزغرة فابتسامة وهم يحبوا بعض ويرجعوا للمساواة بسرعة.

الملاحظات والدروس المستخلصة عديدة، ولكن الخلاصة التى خرجت بها من تلك الرحلة هى ان الدول المتقدمة يقاس نجاحها وتقدمها بقدرتها على توفير فرص نجاح وحياة كريمة لكل مواطنيها، وذلك بطريقة عادلة ومستدامة وقابلة للتطوير، وبما يتفق مع مفهوم كل مواطن لمعايير وتعريفات النجاح والحياة الكريمة، وبما يتفق مع ارادته ورغبته وقدرته على انتهاز الفرص العديدة التى تتيحها له دولته للنجاح والتفوق، وذلك فى المجال الذى يراه مناسبا لظروفه ولمعتقداته وشخصيته.

كل ده شفته فى هولندا .... تلك البلد الراقية المتقدمة السخية ... والواطية.

فادى رمزى

  • dutch_trip_review_01
  • dutch_trip_review_02
  • dutch_trip_review_03
  • dutch_trip_review_04
  • dutch_trip_review_05
  • dutch_trip_review_06
  • dutch_trip_review_07
  • dutch_trip_review_08
  • dutch_trip_review_09
  • dutch_trip_review_10
  • dutch_trip_review_11
  • dutch_trip_review_12
  • dutch_trip_review_13
  • dutch_trip_review_14
  • dutch_trip_review_15
  • dutch_trip_review_16
  • dutch_trip_review_17
  • dutch_trip_review_18
  • dutch_trip_review_19
  • dutch_trip_review_20

Simple Image Gallery Extended