#غادة_بدر تكتب: لا مال ولا بنون

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات


اتذكرها دائما فصورتها لا تفارق مخيلتي ... بشعرها الأصفر ذو الجدائل الحريرية ... وبشرتها البيضاء المشوبة باللون الأحمر وقوامها الممشوق ذو القد المياس .. وعيناها الواسعتان بلون العشب الأخضر.

أنها شيرين ... لا أعلم بالتحديد من أين جاءت شيرين واخوها محمد بتلك الملامح الأوربية ... فلم يكن احدا منهم يشبه في ملامحه امه او أباه ... فعندما كانوا أطفالا صغار، يصطحبهم والديهم معهم في اي مكان كان الكل يعتقد أنهم الخدم أتباعهم .... كبرت شيرين ووصلت الي سن المراهقة فأصبحت وقتها حلم كل شباب العجوزة بلا استثناء

مشاعري تجاه هذه الشيرين ... المخلوق الملائكي المظهر الفاتن الملمح ... كانت واضحة وصريحة، فلم أكن يوما اي عاطفة محبة لشيرين، على الرغم من انه من الطبيعي أن نصبح انا وشيرين من أعز الأصدقاء بحكم الجيرة والقرب السكني، فقد كانت بناية شيرين تلاصق منزلنا، أو بحكم تقارب السن فقد كانت شيرين تسبقني بعام واحد فقط ... أو لسبب أكثر أهمية، فقد كان أصدقاء شيرين هم رفقاء دربي وشلتي التي ألعب معهم يوميآ.

ولكن بالرغم من كل ذلك ظل بيني وبين شيرين حاجز ذو سد منيع .. فلم نكن نتبادل سوى بعض العبارات المقتضبة لزوم المجاملات والذي منه ... أعتقد ان هذا الجفاء المعلن كان ناتج طبيعي من غيرة البنات ... لا تشطحوا كثيرا فتعتقدوا ان شيري كانت تغار مني، بالقطع لا ... فالعبد لله طول عمرها ذات بنية صغيرة محندقة تجعل كل من يراها للوهلة الأولى يعطيها سن أصغر بعشر سنوات من عمرها الحقيقي ... يعني لما كنت في ثانوي كانوا يفتكروني في إبتدائي ... وهكذا لم أكن أمثل لشيرين اي نوع من أنواع الخطر الحريمي أو المنافسة الشبابية ... فعند سن المراهقة والشباب لم تراني شيرين سوى طفلة عبيطة بلهاء.

كبرت شيرين ذات القد المياس عنا بسرعة ... لم أفهم وقتها لماذا ... ولكني بعد ان كبرت فهمت ان جمال ودلال شيرين الآخاذ هو ما جعلها تكبر وتعي الحياة بسرعة ... فتجارب الحياة قد اثقلتها ونقلتها بسرعة من مرحلة الطفولة الي مرحلة الشباب.

أتذكر أنه بعد مرور سنوات قليلة، وقد كنا على اعتاب دخول الجامعة، فجأة ابتعدت كل صديقاتي عن شيرين وقاطعوها ... انا بصراحة فرحت ... قلت في نفسي خير وبركة ... ولكن فضولي بدأ يشتغل، قعدت أسأل ايه اللي حصل من هذا الملاك المتمختر؟ وأخيرآ علمت الأجابة فقد ساءت سمعة شيرين ولاكتها الألسن ... خافت صديقاتي على سمعتهن فسرعان ما ابتعدن عنها وكأنها فجاءة قد أصابها الجرب.

سمعنا ان أحد شباب الحى شاهدها تركب سيارة بي ام دبليو احدث موديل يقودها شاب مدلل ... لا اعلم من أين علموا انه مدلل ولكن هكذا كانت القصة ... وقد اوصلها الشاب حتى باب بناية منزلهم في ساعة متأخرة من الليل وخطف منها قبلة سريعة. وهكذا تكررت الليالي التي شاهد فيها أهل الحي شيرين وهي تعود إلى منزلها في ساعة متأخرة وصديقها يخطف قبلة مرة على الخد الأيمن ومرة على الخد الأيسر ومرة مممممممم .... على شفتيها. وهكذا كانت الإشاعات كل يوم تكبر على شيرين، فتارة تجد احد يقول انني رأيتها بين أحضانه وتارة أخرى شاب يحكي انه رآها تخرج من منزله.

كلنا سنتخيل معآ ان قصة شيرين انتهت بأن هذا الشاب قد سلبها اعز ما تملك وضاعت شبرين واصبحت فتاة ليل أو راقصة في كبارية او ما شابه ذلك .. لا خالص... فلأن شيرين كانت بأخلاق الثمانينات والتسعينات، وما ادراك ما هي التسعينات، كانت النهاية أن شيرين قد تزوجت هذا الشاب بعد قصة حب ملتهبة .. فهذه كانت أقصى درجات الصياعة وعدم الرباية في زمننا.

أنني الحين عندما اقرأ الاخبار عبر الإنترنت أشعر كل يوم انني من العصور الوسطى، وكيف لا ففي خلال شهرين فقط نسمع عن حفنة من الفتيات اختفين فجاءة وبدون سابق إنذار ... وماشاء الله كلهن ملتزمات بالحجاب الشرعي والتقى والورع والإيمان على وجوهن، فلا احد منهن يلبس كما كانت تلبس شيرين أو كما كنت انا ألبس ... وكلهم وبلى استثناء من عائلات متزمتة. يعني مش زي عائلة شيرين المنفتحة .. يعني لا يشوبهم شائبة.

حتى أنه لن يتبادر الي ذهن أحد منا سوى أن هؤلاء البريئات من دم يعقوب قد أصابهن مكروه أو قد تم اختطافهن، ولكننا بعد سلسلة من التحريات والتحقيقات فجاءة تظهر لنا الحقيقة المرة، وهي أن الأخلاق والفضيلة ليست بالمظاهر الكدابة ولا بالدين المظهري الأجوف ... فكل الفتيات ولله الحمد لم يخطفهن أحد ولم تكن هناك عصابة بتقتل الستات ولا ريا وسكينة رجعوا تاني من قبورهن ... ولكن للأسف الشديد كلهن خطفهم الوباااااا.

كلهن بلا استثناء تسببوا في فضيحة لذويهم ... فلم تكن واحدة منهن عُشر أخلاق شيرين ... جارتي التي كنت اغار من جمالها الآخاذ.

موجز بسيط عن بعض البلاغات التي قراءت عنها:

تم الإبلاغ عن ثلاث فتيات دفعة واحدة من الإسكندرية قد تم أختطافهن، وكأن شوطة أخدتهم ... وبصراحة بعد ما تبين أنهم لم يتم اختطافهن ولا يحزنون تمنيت بالفعل أن الشوطة كانت اخدتهم وخلصتنا.

الحالة الأولى لفتاة تدعى "إسراء أ م"، والتي تقطن بمنطقة العجمي، وتناولت مواقع التواصل الاجتماعي قصة اختطافها وفي النهاية تبين أنها هاربه مع صديق لها وتقيم معه بأحد الشاليهات بالساحل الشمالي، مؤكدا على أنه تم ضبطهما وتحويلهما للنيابة العامة.

الحالة الثانية لفتاة تدعى "هدير ح م"، 23 عام، فقد دلت التحريات إلى أنها هي الأخرى قد قامت بالهرب مع عشيقها هربا من ضغوط أسرتها التي أرادت تزويجها من آخر ترفضه، واختلقت قصة اختطافها للتحايل على الأمر.

الحالة الثالثة لفتاة تدعى "سارة ث ز"، 21 عاما، من منطقة العصافرة، شرق الإسكندرية، فأوضح مدير المباحث إلى أنه تم التوصل إلى أنها هاربة من أسرتها وتقيم برفقة عدد من صديقاتها بأحد المنازل بمنطقة الحسين بمحافظة القاهرة، وتم مداهمة مكان إقامتهن وتبين هربهن، مشيرًا إلى أن تلك الواقعة أيضا تعود لضغوط أسرية.

وأخيرآ وما رفع عندي الضغط وجابلي السكر وذكرني بقصة شيرين تلك الفتاة البريئة التي كانت تقطن جاري وجعلني اتحسر على ايام زمان وبراءة زمان ... خبر صغير قراءته أمس وانا اجلس في بلكونة منزل امي بالعجوزة وأمامي تقف البناية التي كانت تقطنها شيرين شامخة ... كان فحوى الخبر التالي:

أمن الشرقية يعيد طفلة عمرها ١٢ عام تم إبلاغ والدها عن اختطافها بالزقازيق، وتبين من التحريات هروب الطفلة بإرادتها مع "محمود أ إ ع" 25 سنة ومقيم دائرة القسم مدرب التنس الخاص بها ، إلي مدينة بورسعيد ، ومن خلال تتبع هاتف الفتاة، تم رصد مشاهدات عديدة لهما سويا بمدينة بورسعيد ،وتمكنت مأمورية من قسم ثاني الزقازيق برئاسة النقيب رامزي أبو زيد معاون مباحث قسم ثاني الزقازيق من القبض علي المدرب وعثر معه علي الطفلة.

إنها طفلة يا أصدقائي عمرها أثنى عشر عامآ فقط ...

يا شعب المحروسة الكرام ... لا تفقدوا التربية بعد ان افقدونا التعليم .. ولقد أصبحبتم مشغولين بجمع المال ونسيتم البنون.

عمار يا مصر ... يا أم الدنيا

غادة بدر