#غاده بدر تكتب عن: نظرية المؤامرة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات


لدي بعض القناعات في حياتي ... صعب جداً يتغير رأيي فيها الا اذا حدثت معجزة ... منها على سبيل المثال "نظرية المؤامرة" ... فأنا مثلا لا أؤمن بنظرية المؤامرة ... وعندما يصادفني في حياتي شخص ويبدأ برواية مأساة حياته مسبوقة بإقتناعه التام بـ "أنهم" قد تأمروا عليه ... اعتبر كلامه من البداية باطل يراد به حق .. ولذا سرعان ما افقد حماسي في سماع مأساته ... وساعات انام وهو يروي قصته واصحو عند إسدال ستار النهاية.

وفي بعض الأحيان عندما اتنقط منه قوي، ابادر بالهجوم عليه والقاء درس مفاده انه اول المتآمرين على نفسه ... فقد ساهم معهم ... اما بخنوعه لهم او تكاسله او إهماله او حتى جبنه في مواجهتهم.

هذا الأسبوع قرأت خبرآ احسبه سيغير من بعض قناعاتي وبالأخص في موضوع المؤامرة ..

أصحو من نومي واتصفح المواقع الإلكترونية ... باحثة عن شخص بعينه، فقد علمت بالأمس من اصدقائي ان نتيجة الثانوية العامة قد ظهرت وكنت ابحث عن اي خبر ينشر عنها ... ليس لشىء الا لقناعتي التامة منذ العام الماضي ان هذا الملاك قد تعرض لظلم بين يصل بنا إلى نظرية المؤامرة التي لا اؤمن بها ... إنها مريم ملاك .. صاحبة صفر الثانوية العامة للعام الماضي.

مريم بنت جميلة في مقتبل العمر، عندما تراها لا يمكن سوى ان ترى فيها ابنتك او تتمنى ان تكون لك ابنة على خلقها وآدبها وفطنتها، فنظرة واحدة في عين مريم تتأكد ان مريم صنف من البنات قد انقرض وانتهى عصره منذ زمن فبالفعل مريم ليست من هذا الجيل ... بل انها من جيل أمي او حتى جدتي.

كانت مريم طوال سنوات دراستها طالبة ملتزمة ومتفوقة ولذا لم يكن يحلو لأمها سوى ان تحوي كل جمل من حديثها جملة "الدكتورة مريم جت الدكتوره مريم راحت" ... تيمنآ بمقولة تفاءلوا تسروا.

ولكن الحياه لا تعطي الانسان كل شئ يبغاه ... فلقد كان عام ٢٠١٥ أسوأ عام مر على حياة مريم ... فقد فقدت اغلى إنسان لديها في الوجود ... والدها ومحفزها على النجاح. ولكن القدر ابى على مريم ان تكون هذه اخر احزانها ... فقد جاءت نتيجة الثانوية العامة بشىء لا يصدقه عقل .. فقد حصلت مريم على صفر.

بعد حصول مريم على صفر في جميع المواد اصيبت مريم وعائلتها بحالة من الذهول ... فقد كان وقع الصفر مذهل، حتى الذين لم يعرفوا مريم حق المعرفة مثلي انا اصابتهم حالة الذهول فما بالك بالذين يعرفونها ويحفوظنها ظهرآ عن قلب.

بعد سلسلة من الاتهامات التى تبادلاتها اسرة مريم مع رئيس الكنترول واللجنة المسئولة عن تصحيح الأوراق تبارات القنوات الفضائية على استضافة مريم ... تارة نرى المذيعة او المذيع رقيقآ ودودآ محبآ مع مريم وتارة أخرى مهاجمآ شرسآ قاسيآ ... وهذا يكون بالطبع طبقآ للتعليمات التي يتلقاها من إدارة القناة.

برنامج البيت بيتك اراد ان يحقق سبق فبعد استضافته لمريم تفاجأ مريم بإتصال احد المدرسين الأفاضل ويوجه لها امتحانا شفويا فى اللغة الأنجليزية على الهواء مباشرة، وتنجح مريم امام أعين ملايين المشاهدين في الاجابة على اسئلة مادة امتحنت فيها منذ أكثر من شهرين ... (والله البت مريم دي طلعت لهلوبة بجد ده الواحد كان يطلع من الإمتحانات ولو سألوه سؤال بعد يومين يلاقوا مخه زي البفتة البيضا)

ولم يسأل مريم ويتغالظ عليها استاذ واحد ولكن استاذ واستاذين في مادة ومادتين. وهكذا أصبحت مريم بطلة تتبارى برامج التوك شو على استضافتها حتى تساعد بأكبر قدر ممكن على أكمال اغتيال برائتها.


وفجاءة يهتم رئيس الوزراء بنفسه بالموضوع، فلقد اصبحت قضية مريم قضية رأي عام ...ولا يكتفى فقط بمتابعة الموضوع عن بعد ... بل ويطلب أيضآ ان يقابل مريم شخصيا ليطمئن قلبها ويشعرها بأنها احدى بناته ... بعد ذلك أرى مريم في احدى المقابلات التلفزيونية في برنامج ٩٠ دقيقة، بعد مقابلة السيد إبراهيم محلب ... وأرى وجهها مضىء كالبدر ولم لا ... فلها كل الحق فماذا بعد ان طمئنها رئيس الوزراء بنفسه وقال لها ان موضوعها امانة في يده.

وهكذا صدقته مريم البريئة وعاشت الحلم

تمر الأيام وتصحو مريم من الحلم على كابوس ... فتجد انه لم يحدث اي جديد في موضوعها بل والادهى ان أبطال الجريمة يصرون على ان تكتمل جريمتهم ... فليس من مصلحة احد ان تكون مريم ضحية وعلى حق فهذا ليس له سوى معنى واحد ان هناك طالب اخر أخذ حق ليس من حقه ... انه الطالب صاحب الصفر الحقيقي ... والذي تم استبدال أوراقه بأوراق مريم ... وبالتأكيد هذا الطالب ليس بطالب عادي وانما طالب من فئة ال في اي بي .. يعني هيكون دافع كتير.

والموضوع ممكن ما يكونش فلوس وبس ... فالمصالح في البلد كثير والبلد ماشاء الله مفتوحة على بعضها ... يعني كده الموضوع هيكون اكبر من انه يتلم ... وهكذا نشاهد معآ مسلسلأ رخيصآ بطله الرئيسي خط مريم، فيقوم حاميها اللي هو حراميها بمقارنة خط مريم بالخط المكتوب في اوراق الاجابة الخاصة بها ... وهنا تنتهي قصة مريم بصدور حكم بأن مريم بالفعل صاحبة الصفر.

يمر عام جديد على مريم ... لا اعلم كيف مر عليها، فلو كنت مكانها لفقدت ثقتي في كل شىء ولم اكن اقوى على التركيز في استذكار دروسي ولدي شعور داخلي بأن الكل قد تأمروا علي، بدءاً من مصححي الاوراق حتى نصل الي رئيس الجمهورية .... ومن يضمن لها الا يحدث هذا مرة اخرى وتتبدل أوراقها بأوراق طالب فاشل آخر.

لو كنت انا مريم وأستذكرت دروسي ليل نهار ودخلت الإمتحانات مرة اخرى لكنت رسبت رسوبآ ساحقآ ... وكنت حصدت صفرآ بجد ... لا لشىء سوى لأنعدام ثقتي في الجميع ... حتى في اقرب الاقربين لي ... الذين حسبتهم يوما ظهر لي وسيحمونني من غدر الزمان/ ولكنهم في النهاية خذلوني فلم يستطيعوا الوقوف امام كل هذا الظلم ويعيدوا لي حقي.

وبالفعل لم تتمكن مريم من أكمال اول امتحان لها وهي مادة اللغة العربية، فقد اهتزت كل مشاعرها وتذكرت عام كامل من الظلم فأصيبت بحالة هبوط حاد في الدورة الدموية فأضطرت الي الإعتذار عن أكمال الامتحان وطلبت تأجيله.

رحعت مريم الي منزلها ... كان أول من التقت به عندما فتحت باب منزلها صورة ابيها المعلقة على الحائط وهو ينظر لها نظرة ملؤها العتاب ... هربت مريم من الصورة ودخلت غرفتها لتدفن احزانها في وسادة حسبتها اكثر رحمة من بشر قتلوا برائتها وداسوا عليها بأرجلهم، وأكملوا حياتهم دون ان يهتز لهم رمش.

نامت وأستغرقت في نومها ولكن سرعان ما زارها طيف ابيها يعاتبها ويدعوها بألا تستسلم لظلمهم، وان تكمل امتحانتها وتثبت لهم وللكل انها تعرضت بالفعل للظلم وانهم سرقوا حلمها.

تصحو مريم من نومها وتقرر ان تكمل طريقها، وبالفعل تكمل الإمتحانات حتى النهاية وتنجح مريم صاحبة الصفر بمجموع تكتب عنه جريدة اليوم السابع وغيرها من جرائد الكذب والترقيع والتلفيق ... انه يعادل ال ٧٥% ... فلازال الظلم قائم حتى الأن ... فلم يكفهم ما حدث لها في العام الماضي فلقد تأمروا معا على اغتيالها حتى النخاع.

وعندما ابحث عن نتيجة مريم الحقيقة اجدها تختلف تماما عن ذلك فمريم صاحبة الصفر للثانوية العامة درجاتها كانت كالتالي:

اللغة العربية ... مؤجلة
اللغة الإنجليزية ... ٤٥,٥ من ٥٠
اللغة الفرنسية ... ٣٩ من ٤٠
الاقتصاد والإحصاء (مادة لا تضاف للمجموع) ٢٦ من ٥٠
الكيمياء... ٥١,٥ من ٦٠
الأحياء.... ٥٥,٥ من ٦٠
الجولجيا وعلوم البيئة... ٦٠ من ٦٠
الفيزياء.... ٥٦ من ٦٠

وبالتالي يكون اجمالي مجموع مريم في المواد التي امتحنت فيها وتحسب من المجموع ٣٠٧،٥ من اجمالي ٣٣٠ اي بنسبة مئوية تتجاوز ال ٩٣ %

كيف لطالبة تحصد ٩٣ في المية، بالرغم من كامل الظروف التي احاطت بها، ان تكون هي صاحبة الصفر العام الماضي.

ايها السادة الكرام المسئولين عن منظومة التعليم بمصر ..

لم تحصل مريم على الصفر في الثانوية العامة لعام ٢٠١٥ بل انتم من حصلتم على الصفر وبجدارة ... فعند وصول الامر الي رئيس الوزراء أطمئن قلبي وقتها على مريم ونمت يومها قريرة الأعين، فماذا بعد رئيس الحكومة انه الرجل رقم ٢ في هذه الدولة ... ولكن من الواضح ان المسألة كانت اكبر من الرجل رقم ٢ في الدولة ... فمن الواضح اننا امام عفن تعليمي متراكم ... منظومة فاسدة حتى النخاع لا يمكن بأي حال من الأحوال الوقوف امامها سواء كنت على حق كامل، وهذا ليس له سوى معنى واحد ان هذه البلد لن تقوم لها قائمة، حيث أن أساس اي دولة هو التربية والتعليم ولله الحمد الإثنين أنعدموا في هذا الوطن.

نسيت اقولكم على حاجة .... فيه طالب كان يستحق صفر ... دخل كلية من كليات القمة العام الماضي وبالتأكيد سينجح في النجاح في كل سنوات دراسته الجامعية بنفس طريقته السابقة في سرقة احلام طالب اخرى ... فهنيئا لكم ... فقريبا جدآ ... ستستقبل مستشفياتنا اوشركات المقاولات طبيب او مهندس حرامي يسرق احلام ومجهود زملائه وينام قرير الأعين.

أخيرا أختم برسالة من أم تمنت يوما ان يرزقها الله بفتاة مثل مريم ...

مريم ابنتي العفوية ذات البشرة المصرية السمراء ... حفيدة ايزيس واوزوريس ... مريم يا ذات الملامح البريئة الناطقة باللكنة الصعيدية المحببة ... بالنيابة عن كل من ظلموك اتقدم بأعتذاري لكي، ولست أعتذر عن سرقة عام كامل من حياتك ... فانا اكيدة كل التأكيد بأن الله سيعوضك عنه خيرا ... ولكن اعتذر لك عن اغتيال برائتك وصدمتك في مجتمع خلته يوما صادقا ... عن أناس أعتبرتيهم يوما قدوتك و عن استاذة صدقت يوما أقوالهم.

انا أعتذر لك عمن أغتالوا برائتك وتكاتفوا على التآمر عليك .. اسفة مريم على كل ما مررت به
اسف مريم لانك غيرت قناعاتي ... فقد كنت اتمنى ان تحصلي على صفر جديد او حتى ٥٠ في المية او حتى ال ٧٥ اللي قالوا عليها، فأشعر وقتها أنني على حق وليس هناك من يمكنه ان يتأمر على شخص ويسرق احلامه ..

اسفة مريم لأنني مضطرة ان اقول لك ... أننا للأسف نعيش أزمة ضمير إنساني.

غادة بدر