#فادى_رمزى يكتب: لبنان بين الفرفشة والفرسة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 

ستة ايام قضيتها فى بيروت المثيرة عاصمة لبنان الجميلة ... وما بين التمنيات الطيبة بقضاء اجازة منعشة وبارسال صور "جامدة" للـ "طبيعة" اللبنانية الخلابة ... سافرت وتجولت وانغمست فى الحياة اليومية البيروتية قدر ما استطعت. وحاولت ان اجيب على سؤال يلح على بالى منذ فترة طويلة الا وهو:

"ازاى لبنان الصغنونة يفضل اقتصادها متماسك والناس تتمنى تزورها رغم انها دولة خارجة من حرب اهلية وحدودها ملتهبة؟"

بالمناسبة، الدولار الأمريكى يساوى 1500 ليرة لبنانية تقريبا وهذا هو سعر الصرف الثابت (+/- 3%) منذ 10 سنوات تقريبا وحتى يومنا هذا ... مش كل ساعة بحال زى عندنا !!

الطبيعة فى لبنان خلابة ومعالم الجذب السياحى يتم استغلالها والإعتناء بها وتعظيم العائد منها بأفضل الطرق الممكنة على الرغم من انها محدودة العدد وبسيطة فى قيمتها الحقيقية اذا ما قورنت بما تمتلكه مصرنا . فكهف جعيتا على سبيل المثال يحظى بعناية ورعاية من المنظومة السياحية والاقتصادية اللبنانية لا تقارن ابدا بكم الاهمال والتهميش والافساد الذى يحدث للكهوف والمحميات الطبيعية فى مصر، ومنها كهف سنور ببنى سويف على سبيل المثال، والذى يمكن ان يتحول لمقصد سياحى يدر الملايين مثلما يحدث مع بنت المحظوظة جعيتا التى وجدت نفسها تعيش فى ظل منطومة تدرك جيدا قيمتها.

الشواطىء اللبنانية جميلة كمنظر وكخدمات محيطة .. ولكنها لا تتمتع بالرمال الناعمة والمياة الفيروزية التى تتمتع بها شواطئنا، والتى لا تحظى بمثل الاقبال السياحى الذى تحظى به شواطىء لبنان التى تتجمل بكل الوسائل الممكنة بفضل المنظومة السياحية التى تجيد احتواءها والترويج لها.

المعالم الأثرية فى بيروت لا تقارن، كعمق وكقيمة أثرية، بتلك التى فى القاهرة، ولكنها مبهجة والرحلة اليها ممتعة ... فقلعة موسى مثلا بنيت فى ستينات القرن الماضى فقط، وبالتالى فانتماءها للمتاحف او المناطق الاثرية يعتبر نكتة فى حد ذاته، ولكنه الترويج والتشويق الذى يدفع الزائرين للدخول بتذكرة قدرها 10 دولار امريكى لمشاهدة تماثيل تحاكى طبيعة الحياة اللبنانية قديما (من قرنين مثلا مش اكتر) فى جولة قصيرة ممتعة فعلا ولكن الأمتع منها هى الرحلة نفسها طلوعا للجبل وايضا تمضية الوقت فى الكافيهات القريبة التى تطل على الجبال بمشهدها البديع.

بيت الدين، ذلك المقر الصيفى "الحكومى" فى منتصف القرن الماضى، تحول الى دار للفعاليات الفنية المختلفة من رقص وغناء وموسيقى وباسم يوسف ايضا الذى سيقدم عرضا هناك يوم 3 أغسطس ... يعنى ما سابوش اى وسيلة للترويج وجذب انتباه الناس للمكان ولم يلجأوا اليها. وطبعا بيت الدين لا يقارن مثلا بدار الأوبرا المصرية كامكانيات وبما "يمكن ان تقدمه" من فعاليات تساهم فى الرواج السياحى والفنى لمصر كلها.

الخروجات فى لبنان متعة ... فكورنيش لبنان يحظى بالكافيها والمطاعم المقامة فى اماكن مختارة بعناية، وايضا الممشى الذى يمكن ان تتجول فيه مستمتعا بمنظر صخرة الروشة الشهيرة وانت تأكل البوظة او تشرب عصير او بيرة او .. او ... ماحدش هيضايقك او يحجر على حقك فى الاستمتاع باى صورة مادمت لا تؤذى غيرك ... وهى الصورة "الليبرالية" التى تأتى على البال فور ان يأتى ذكر لبنان ... وهذا ما يجيدون الترويج له والعمل دوما على الحفاظ عليه.

شوارع بيروت امان وتشغى منطقة وسط البلد بالمطاعم والمقاهى والبارات والمحلات، وكل منها يتنافس مع نظراءه فى تقديم افضل خدمة واجود ارجيلة (شيشة) واكثر الاطعمة تميزا ... ومن الواضح ان القطاع الخاص هناك هو عماد الإقتصاد اللبنانى ... والمنظومة كما بدا لى تشجع القطاع الخاص بصفة عامة والمشاريع المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة. تحمل على عاتقها .... والشباب هم اغلب العاملين فى تلك المحال، واغلب المرتادين ايضا ... فبيروت مدينة شابة بكل معانى الكلمة.

البنات فى بيروت ... سامع واحد بيقول اخيرا جيت للمهم ... جميلات ورشيقات ويتمتعن بحرية كبيرة من ناحية الزى والخروج ومنطلقات بأجمل معانى الكلمة. لا تحدهن قيوداً مجتمعية متحجرة ولا تحكمات اسرية قد تشجع على الانحراف ولا تحمى البنت منه كما يظن اهلها، فلكل رد فعل قامع رد فعل معاكس مساوى له فى القوة.

لم ار هناك حالات تحرش او معاكسة ... فقط نظرات متدارية من بعض الرجال بدون ان تلحظها فى الأغلب المرأة ... وطبعا لو بنت من بنات بيروت نزلت بنفس "طلتها البيروتية" الى شوارع القاهرة لتعرضت ل.. و ... بالاضافة الى ... وقد تصل الأمور الى ... جماعيا، وربما بمباركة السلطة نفسها ... اهى حاجة تلهى الشباب عن انتقادها.

المستوى التعليمى والثقافى اللبنانى عالى بطريقة ملحوظة ... يبدو هذا فى طريقة الحديث وايضا فى اجادة اكثر من لغة وانتشار عدد المكتبات ودور النشر فى ارجاء بيروت، وبالتأكيد هذا الإنتشار يعنى ان السوق واعد وتجارة الكتب تجد زبونها هناك بدون أى مشكلة.

الأسعار هناك مرتفعة جدا جدا والدولار الأمريكى عملة ثانية فى بيروت، فماكينات الصرف الآلية تصرف لك ليرات، وهو المتوقع، أو دولارات وكأنك فى امريكا !! والدولار هناك "مهان" بطريقة غريبة، فقيمته الشرائية منخفضة جدا، فمثلا مشوار التاكسى من المطار لوسط المدينة 60 دولار ... اى مشوار من الكورنيش لوسط المدينة (2 -4 كيلو متر على الاكثر) 7 - 10 دولارات ... الشيشة 10- 15 دولار تبعا لنوع المعسل والمكان. واغلب عمال الشيشة مصريون بالمناسبة، بيدخلوا دخلة لبنانى قائلين "اهلين" "تكرم" فترد "مساء الفل" يقولك "احلى برنس فى بيروت .. محسوبك عزت من المنصورة الباشا منين بقى".

المشتريات من ملابس وغيرها غالية بجنان .. تى شيرت 30 دولار، ومش ماركة جامدة كمان ... والغريب ان كل تلك الاماكن والمحلات تشغى بالزبائن، اللبنانيين وليس فقط السائحين، والماركات العالمية موجودة هناك بالاضافة الى بيوت الازياء اللبنانية وذلك فى المناطق الراقية.

هى مدينة شغل بكل تأكيد ... منفتحة على العالم كله وتجيد منظومتها الاقتصادية التعامل مع التجارة العالمة ... موارد الدولة الطبيعية محدودة، ولكن بزراعة الموالح وانتاج العرقى وتقديم الخدمات السياحية الترفيهية بافضل وارقى الصور الممكنة، مع سياحة النفخ والشد والشفط وبعض الانشطة العلاجية ذات المستوى الراقى عالميا، بالإضافة إلى تنظيم الفعاليات الفنية والثقافية ذات الطابع العالمى ... وهكذا تتدبر "المصارى" ويحدث الرواج الاقتصادى ويجد الجميع فرص عمل ونمو وزيادة دخل والعيشة تبقى فل.

الحديث عن لبنان يطول ولكن الخلاصة ان عناصر الفرفشة هناك كثيرة ومتعددة وغير مسبوقة فى اى دولة اخرى من الدول العديدة التى زرتها. ولكن الفرسة التى شعرت بها اكثر مما شعرت فى أى دولة، وذلك لان تفوق لبنان الساحق على مصر من ناحية الرواج التجارى والمركز الاقتصادى والفنى والثقافى والجذب السياحى والمستوى التعليمى والثقافى يثير الفرسة بكل تأكيد نظرا للامكانيات المتواضعة للبنان ولعناصر الحذب بها مقارنة بالمحروسة ... ولكن نجاحهم وتفوقهم سببه احترافهم الشديد لعلم "التسويق" .. وتلك هى الاجابة على السؤال الذى اثرته فى بداية المقال ...

التسويق المحترف والمبدع لكل ما يمكن ان يضفى الجاذبية المطلوبة للبنان هو سر تفوقهم علينا. والفرسة هنا هو أنه هو امر سهل جدا تحقيقة عندنا، خاصة وان لدينا ماهو اكثر قيمة بكثير جدا مما لدى لبنان، والصور المرفقة بالمقال دليل على ما اقول،فقط يجب ان تتوافر لدى مسئولينا العلم والكفاءة والنية الخالصة للتسويق لمصر الجميلة وليس فقط القشرة المصرية التى مل العالم منها والتى يتم الترويج لها بأكثر الطرق جموداً وسذاجة فى دنيا التسويق التى حتى الآن لا ندرك اى شىء عنها كدولة، وتأتى بعد ذلك مرحلة رفع وعى الشعب بمعالم الجمال وعناصر التميز فى بلده وكيف يمكن ان تحقق له الفائدة على مستويات عديدة.

هناك يعلمون ان بلادهم لا تتمتع بكل شىء، وتحيط بها المخاطر من كل جانب وشهدت ومازلت تشهد اهوالا، اكثر بكثير مما شهدته مصرنا المحروسة فى العصر الحديث، ولكنهم ادركوا قيمة ما يمتلكونه وابدعوا فى تعظيم المردود منه والترويج له بكل ما يمكن اكتسابه من مهارات. منظومة الدولة كلها، حكومة وشعبا، تدرك ذلك وتعمل ليل نهار على تحقيق اكبر قدر من الرواج لمنتج جميل اسمه لبنان.

يعنى ما قعدوش يقولوا يالهوى يالهوى احنا فى حالة حرب وهنعمل ايه وماحدش يتكلم ولا يتحرك وليس فى الامكان ابدع مما كان ... بل عاشوا وتعايشوا وشالوا حكومات وجابوا حكومات وعاشوا من غير حكومات واشتغلوا واتفسحوا واحترموا الغير وعانقوا الحياة واعتنقوا المبادىء الانسانية وان شالله تولع "الدنى" من حولهم واديهم عايشين اللحظة بكل تفاصيلها ... ومادام فيه قرش شغال وفى الارجيلة معسل وصوت فيروز فى الاجواء ... يبقى ملعون ابو اللى ينفسن او يكشر او ينغص علينا بكلام فارغ اقرب للعواء.

فيه بالذمة فرفشة او فرسة زى كده؟؟ ... امتى يا ترى هنتعلم الدرس اللبنانى ونقول ياريتنا زى لبنان مش هنقول امريكا ولا اوروبا ؟!!

فادى رمزى

  • BC_0
  • BC_01
  • BC_03
  • BC_04
  • BC_05
  • BC_06
  • BC_10
  • BC_13
  • BC_14
  • BC_16
  • BC_17
  • BC_19
  • BC_20
  • BC_22
  • BC_23
  • BC_29
  • BC_30
  • BC_31
  • BC_33
  • BC_36
  • BC_39
  • BC_40

Simple Image Gallery Extended

ملاحظات على الماشى:

- الحكومة اللبنانية غلبانة .. خايفة من الشعب فعلا ... وسلطتها محدودة الى حد كبير، ولكنها تنظم الخدمات والمعاملات وتحقق الأمن بفضل دوريات من الشرطة والجيش لا تستنطع على احد من الشعب بتواجد يهدد المصالح الاقتصادية او يضيق على حرية العباد بأى صورة.

- الشيشة الورد والعنب نعناع والبطيخ نعناع بلسم للعقل التعبان.

- يتضايق اللبنانيون من التواجد السورى المكثف، كما لمست من حوارات مع سائقى تاكسى وعمال فى مقاهى مختلفة، فالسورى تاجر شاطر مثل اللبنانى، ومبروم على مبروم ما يرولش ... وبالتالى يجد اللبنانيون المنافسة السورية تهدد اكل العيش، بالاضافة الى بعض النفسنات المكنونة ... اما المصرى فهو لا مبروم ولا حاجة، مريح ومطيع ويشتغل اى حاجة ويتكامل ولا ينافس .. وان كان هناك بعض اصحاب الاعمال من المصريين، ولكن كما علمت اغلبهم يتشارك مع لبنانيين وبالتالى فالمصلحة واحدة.

- أغلب المشاريع الاسكانية فى بيروت سياحية الطابع من المقام الأول، يقوم عليها القطاع الخاص فى ظل مخطط اقتصادى عام للدولة، واغلب المشترين من السياح العرب والاجانب نظرا لاختيار مواقع متميزة على الجبال والشواطىء وتقديم خدمات سياحية قريبة، كموانىء لليخوت مثلا، تجعل من تلك المشاريع مقصدا مغريا جدا للسياحة العربية بالذات ... وبالتالى تطلب العقارات زى ما تطلب من اسعار وبالدولار وستجد زبونها لأنهم فى لبنان يجيدون تسويقها.

- اثناء مشاهدة نهائى اوروبا بين فرنسا والبرتغال، كنت اشاهد المباراة فى احد الكافيهات، توقعت ان الاغلبية ستشجع فرنسا ... فالثقافة العامة والجو العام متاثر بفرنسا بدرجة كبيرة ... واذ بى افوجأ اننى "الفرنسى" الوحيد تقريبا على المستوى الكروى فى الكافيه ... الاغلبية الساحقة تشجع البرتغال !! ... وعلمت من الجرسون ومن سائق تاكسى وعامل مقهى اخر بعدها ان السبب هو ان فرنسا مكروهه بسبب احتلالها للبنان سابقاً !! ايضا الكراهية تاتى اكثر فى المناطق ذات الاغلبية المسلمة، بينما فى القطاعات المسيحية "تقل الكراهية" ... لكن السبب الاقوى فى رايى هو ان البنات بيحبوا كريستيانو .... بس خلاص هى جبرت كده.

- لبنان تأتى فى المركز 101 فى تقرير التنافسية العالمية لعام 2015-2016 بينما مصر فى المركز 116 ... ازاى كده !!!

- الناتج القومى المصرى يبلغ فقط 7 اضعاف الناتج القومى اللبنانى، بينما الفارق فى الكثافة السكانية يبلغ 20 ضعفا (تعداد لبنان 4.5 مليون) ... وبالتالى فنصيب كل مواطن لبنانى فى الناتج القومى للبنان حوالى 11 ألف دولار امريكى، بينما نصيب كل مواطن مصرى فى الناتج القومى للمحروسة هو 3300 دولار امريكى، طبقا لتقارير البنك الدولى ومؤشر التنافسية العالمية  لأعوام 2015 و2016.

- بالطبع موارد مصر الطبيعية اكثر بكثير من تلك اللبنانية، والبنية التحتية للاقتصاد المصرى، من ناحية المؤسسات والعناصر البشرية والتشريعات والموارد وفرص العمل والفرص الاستثمارية، بالتاكيد، أو من المفترض على الأقل أن، تتفوق كثيرا على تلك اللبنانية ... وبالتالى كان يجب ان يكون الناتج القومى المصرى متفوقا بصورة ساحقة ماحقة على نظيره اللبنانى، من ناحية الاجمالى، ونصيب الفرد ايضا، وليس العكس بالنسبة لنصيب الفرد.