#غادة_بدر تكتب عن: تجربة انجلترا مع الدكاترة الزغننة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات


كان يا مكان في سالف العصر والزمان ... دولة كبرى عظمى اسمها بريطانيا، وساعات بيقولوا عليها أنجلترا وساعات تانية بيسموها المملكة المتحدة ... انا شخصيا بسميها بلاد الأنجليز ... وعلى فكرة هي لا زالت حتى وقتنا الحاضر عظمى بس يا مين عالم سبحان مغير الأحوال.

في بلاد الأنحليز بكل عظمتهم يواجهون الأن مشكلة عوبصة حبتين، فعدد الأطباء حديثي التخرج يشكل ازمة للحكومة البريطانية، فعددهم للأسف الشديد غير كافي لسد احتياجات المستشفيات ولذا فهناك عجز دائم في تلبية احتياجات المرضى في مستشفيات الحكومة.

وبما أننا كلنا عارفين ان قبل اي معركة أنتخابية بتبدأ الوعود البراقة في الظهور على سطح المعركة ... ففي مايو ٢٠١٥ وبالتحديد قبل أنتخابات الحزب الذي ستشكل به الحكومة ... وعد احد الأحزاب المرشحة الشعب المتأزم من وضع المستشفيات بأن يتم العمل بالمستشفيات أربعة وعشرين ساعة باليوم لسد العجز في عدد الأطباء، وذلك عن طريق زيادة ساعات العمل لأن زيادة عدد الأطباء او الدارسين للطب لا يمكن تحقيقها في الوقت الراهن.

تمر الأيام وينجح الحزب ويشكل الحكومة ..

وفي بلاد الانجليز الوعود مش زي عندنا ... بمعنى أدق _ إذا وعدت وفيت ... مش تصحى الصبح تلاقيها اتبخرت ويقولولك كلام الليل مدهون بزبدة ان طلع عليه النهار ساح ... وهكذا لم يكون أمام الحكومة سوى البدء في خطوات لتنفيذ ما وعدت به الشعب. ولكن هنا تصطدم الحكومة بمشكلة اخرى لم تقدر تبعاتها في مرحلة الوعود البراقة ... فلا توجد ميزانية تدفعها الدوله للأطباء من اجل تلك الساعات الأضافية، فمن المتعارف عليه في كل دول العالم أن قيمة الساعة الإضافية تعادل مرة ونصف على اقل تقدير من قيمة الساعة الأساسية وفي بعض الأحيان مرتين.

وهكذا وقعت الحكومة البريطانية المنتخبة في حيص بيص، ولكن دائمآ ما يكون هناك واحد فتك يطلع يعمل فيها برم ويدبس كل اللي حواليه ... (اذكر انه في المحروسة عندنا توجد من هذه الشخصيات الفتكة الكثير) ... المهم عمنا البرم يقترح على الحكومة أصدار عقود جديدة للأطباء حديثي التخرج، تلزمهم فيها بأن تكون سعر ساعة العمل الأضافي بنفس سعر ساعة العمل الأساسي .. وهكذا لا تتكلف الحكومة أي عبء مادي أضافي. وما كان أمام الحكومة سوى أن ترحب بأقتراحه بعد التصويت، بل وتعلن في الصحف انها في صددها لأصدار هذه العقود الجديدة.

وبصراحة كدة عمنا البرم فوت الحكومة في الحيط ... حيث أن هذه العقود لم تلق اي ترحيب من الاطباء حديثي التخرج، بل قابلوها بكثير من السخط، وبالتالى بدأوا في التحاور السلمي والمحادثات الودية مع الحكومة عن طريق وسيط وهو نقابة الأطباء. ولكن اصرار الحكومة كان لا رجعة فيه ولا مجال للتفاهم.

وهنا أخيرآ فارت دماء الأنجليز ووصلت إلي حد الغليان، فقرر الأطباء البريطانيين حديثي التخرج الإضراب ... وذلك بعد ان يأسوا واستفذوا كل وسائل النفاهم السلمي مع الحكومة. وهكذا وفي شهر مارس من هذا العام قرر الأطباء الأضراب والأمتناع عن العمل، فقد تفاقمت داخلهم كل مشاعر الظلم الواقع عليهم من الحكومة، فهم يعلمون تماما أنهم عمود كل مستشفى بريطاني، فعددهم يمثل أكثر من خمسين بالمئة من أطباء أي مستشفى، أي انهم قوة لا يستهان بها وأضرابهم بالتأكيد سيشل العمل بأي مستشفى.

قبل الدخول في تفاصيل الإضراب أحب أن أوضح ان الراتب السنوي للطبيب حديث التخرج يقدر ب ثلاثون الف جنية استرليني، يعني ما يعادل حوالى 360 الف جنية مصرى سنويا أى ثلاثون ألف جنية مصري بالشهر الواحد، وهو بالمناسبة ضعف راتب اي خريج حديث من التخصصات الأخرى مثل التاريخ أو الأقتصاد أو الأداب أو اللغات أو أو فى بلاد الإنجليز.

وبالتالي لم تكن "ضئالة" رواتبهم هي ما تزعجهم بالقطع، ولكن ما كان يزعجهم وسبب الأضراب الأساسي هو ظلم الحكومة لهم وأصرارها على اصدار عقود جديدة تقدر الساعة الأضافية للعمل بنفس سعر الساعة الأساسية في العمل ... ولأن الدماء البريطانية حرة تماما كدماء المصريين فقد قرروا الإضراب عن العمل.

نظم الأطباء أضرابهم بحيث لا يضر بحياة المواطنين الأخرين ... لأن بصراحة يا جماعة البني ادم عند الناس دي له ثمن ... وثمن غالي قوي ... (يا حسرة مش زي عندنا). فظلت المستشفيات تستقبل فقط الحالات الحرجة التي لا تحتمل التأجيل، فعلى سبيل المثال أذا كان هناك حالة تنتظر عملية نقل كلى موجوده على قائمة الانتظار منذ ستة أشهر وتوفرت الكلى المطلوبه ... فيمكنها الإنتظار شهر آخر، على الرغم من اهمية الحالة الأ انها لم تدخل بعد في قائمة الحالات الحرجة .... فالحالات الحرجة هي التي بين الحياة والموت، وهكذا داوم في المستشفيات أقل عدد ممكن من الأطباء الحديثي التخرج الذي يمكنه ان يسير اعمال الحالات الحرجة. وعندما تفاقم الوضع لم تجد الحكومة حلاً سوى أستدعاء نقابة الأطباء للتشاور معها في إيجاد حل للأزمة الطارئة (طيب ما كان من الأول ... لازم الأخ البرم ده يفتي).

الحكومة عملت قعدة عرب مع نقابة الأطباء وقالتلها الحقينا احنا بنغرق ... الدنيا باظت ... الناس دي عمود المستشفيات بجد ... واحنا ماكناش واخدين بالنا .... وواضح كدة ان شوية العيال دول ما تنفعش معاهم سياسية لوي الدراع ... وحياة أبوكي يا نقابة عقليهم. وطبعآ النقابة كانت جاهزة فقد سبق لها الأجتماع عدة مرات مع شباب الدكاترة ولديها قائمة بمتطلباتهم ... قدمتها فورا للحكومة ... المهم الحكومة والنقابة بعد عدة اجتماعات اتفقوا على نصوص جديدة للعقود تنصف الاطباء الصغنتتين كان اساس بنودها كالتالي:

1- زيادة الراتب الأساسي للطبيب حديث التخرج بقيمة تقدر ب عشر ونصف بالمئة عن الثلاثون ألف الإسترليني السنوي.
2- ان تعامل أي ساعة عمل أضافي بقيمة تعادل 1.37 من قيمة ساعة العمل الأساسي.
3- عند العمل في ايام الويك اند يتم زيادة الراتب من ٣ الي ١٠ في المية وتحدد النسبة طبقا لأعداد الويك اند التي تم العمل بها.
4- اذا تم وضع أسم الدكتور في قائمة المستعدين للأستدعاء الفجائي بدون اي ترتيبات يتم زيادة الراتب بقيمة ٨ في المية بالسنة.

قطعآ الحكومة تخيلت ان هذا العقد الجديد سيفوق توقعات وأحلام الأطباء الصغننين، وبالأخص لأن الأطباء لم يكن لهم سابقآ أي أعتراضات سوى الأعتراض على الظلم، ولكن ما حدث فاق توقعات الحكومة فقد رفض الأطباء الأسبوع الماضي بتاريخ ٥ يوليو 2016 العقود الجديدة ..( رجالة بصحيح من يومهم).

طبعآ كلنا عارفين إن الحكومة البريطانية الان في وضع حدث ولا حرج وتعاني من ازمة بعد انفصالها عن الأتحاد الأوربي وما تبعه من تبعات تصويت حر نزيهة ... وكان أول التبعات أنخفاض القيمة المصرفية للعملة بنسبة ثماني عشرة في المية ولازالت النسبة في تزايد حتى تاريخ المقال.

مافيش حد قال لشباب الدكاترة أختشوا دي البلد في مأزق او أقبلوا دلوقتي علشان الوضع المتأزم اللي أحنا فيه ... أو انتوا مش بتحسوا ببلدكم يا بعدا. وأيضآ الحكومة العاقلة لم تجروء ان تقول لهم أتفلقوا وانا هاطبق العقد القديم أنتم عالم ما بيطمرش فيها بصحيح ... أو مثلآ أضربوا راسكم في أكبر طوفة ... ومش مهم الناس تموت.

من الأخر كدة هكذا تدار الأزمات وفي وقت الأزمات ..

ولازالت الأحداث مشتعلة بين الأطباء الصغنتتين والحكومة العملاقة وسنوافيكم باخر الأخبار لاحقآ.

--
أصدقائي الأعزاء لا تفهموني خطأ فأنا لا أحلم أن يصبح لدينا حكومة على شاكلة حكومة بريطانيا العظمى، فهذا يفوق سقف توقعاتي بكثير - بالرغم أن مصر في نظري أكثر عظمة بكثير من بلاد الأنجليز. ولكننى فقط أطلب من الحكومة أن تشعر بنا كمواطنين وأن تستشعر مواطن الخطر وتقوم على حلها قبل أن تتحول إلي أزمة حقيقة ومن ثم كارثة.

في حاجة كمان لازم نستخلصها من الموضوع ده علشان أخلص ذمتي ... كلنا في الهوا سوا ... يعني بريطانيا بجلالة قدرها عندها هي كمان مشكلة في الميزانية – بمعنى أوضح مافيش دولة لا تعاني من مشاكل إقتصادية ولكن هناك دول يمكنها إدارة أزماتها والخروج من عنق الزجاجة.

غادة بدر