#غادة_بدر تكتب عن: طقو س القرقيعان في بلاد الجرجيعان

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 
جميلة صديقة فيساوية ... يعني من عالم الكمبيوتر ... وبالرغم من اننا لم نجتمع في عالم الحياة الحقيقية بعد ولكنني اشعر بأنها قريبة مني جداً ... من الجائز لأنه تجمعنا معآ أهتمامات القراءة في ذات الموضوعات، أو لاننا اصحاب مبدأ واحد ندر وجوده الأن، وهو ان إختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ... بل يغني القضية.

ولذا اشعر وكأن جميلة إحدى صديقاتي القدامى.

طلبت مني جميلة طلب رمضاني خاص، وهو كتابة مقاة يرسم صورة للطقوس الرمضانية في دولة الكويت حيث أقيم ... فجميلة التي لم تر الكويت الا من خلال مشاهد نقلتها لها مسلسلات التليفزيون الكويتية، تريد ان ترى الكويت من خلال عيوني ... حاضر ... عيوني يا جميلة.

عموما ... غالية يا جميلة والطلب رخيص.

المهم قعدت مع نفسي افكر ... هاكتب ايه هاكتب ايه ... أكيد جميلة عايزة تسمع مني الطقوس المختلفة التي تمارس في دول الخليج عن مصر ... اه لقيتها.

هاكتب أننا بنصوم من الفجر وبنفطر لما الأذان يؤذن ... والجو عندنا بيبقى حر "وايد" وبنتعب قووووي ... طب عادي ما هو في مصر بيعملوا كده برضه، والجو بقى مش حر وبس لا ده بقى ولعة.

طيب هاكتب عن اننا علشان مفتقدين لمة الأهل والعائلة فبنلم بعضنا احنا وأصحابنا وبنفطر مع بعض في اي مطعم، وساعات كل واحدة فينا تطبخ طبخة ونتجمع كلنا ونفطر في بيت واحدة فينا ... طيب عادى ما هو ده برضه عادي وبيحصل كدة واكتر من كدة فى المحروسة.

اه وجدتها ... هاكتب ان عندنا حاجة اسمها "غبقة" ما بين الفطور والسحور، وهي عادة موجودة فقط في دول الخليج ... يعني مافيش منها في مصر ... بصي يا جميلة يابنتي ويا أعزائى القراء ... عندنا في الكويت حاجة اسمها الغبقة ما بين الفطور والسحور، محتويات الأكل فيها نفس أكل الفطور يعني كل ما لذ وطاب ... هذه العادة تناسب اهل الخليج فقط، الذين اعتادوا على ان يفطروا على تمر ولبن ثم يذهبوا للصلاة ثم تليها صلوات التراويح، وعندما يرجعون يكون موعد الغبقة، ولكن بالنسبة للناس اللي زينا وبتدبها على الفطار اكيد مش هتقدر تاكل حاجة تاني على الساعة العاشرة. بس خلصنا ... بايخة صح؟

المهم مر تقريبا أربعة أيام ومافيش حاجة راضية تهوب ناحية نافخوي ... وكل شوية اقول ألهي يجازيك يا جميلة ... دي عاملة تعمليها معايا.

اه وأخيرآ أفتكرت ازاي كانت فايتة عن بالي ... القرقيعان.

خانة الذكريات دائمآ ما تنقذني ... دائمآ ذكرياتي ومواقفي مع أغلى الحبايب هي مخزوني الذي أستمد منه الحياة وهكذا عاد بي الزمان إلي الوراء أثنى عشر عامآ.

في أثناء دوامي في العمل فجأة يرن هاتفي فأجد رقم المنزل ... اقول في سري اكيد الهانم ضامي (الخادمة السيرلانكية) نسيت هتعملنا ايه على الفطار ..
ضامي: ماما (أنا يعنى) هشام ييجي وجهة مال هو .... مو زين .... ما يبي اكل ما يبي كلام ... لازم انت ييجي بسرعة ... يشوف شو المشكلة (يعني ضامي عايزة تقول من الأخر أن هشام راجع مدخن من المدرسة وعينيه بتطق شرار) في هذا الوقت اتذكر ان هشام ابنى كان في ثانية إبتدائي ... اي نعم كان شبر واقطع ...بس مو هين ابدآ.

لميت أشيائى واستأذنت من المدير ورجعت البيت لقيت هشام فعلآ بيدخن .... أبتسمت إبتسامة واسعة وبدأ الحديث بيننا:
انا: هشومتي مالك يا حبيبي ؟ مين مزعلك؟
هشام (ينظر لي وهو مقطب الحاجبين): انا مش هاروح المدرسة بكرة
أنا أبلع ريقي: ليه يا حبيبي ... في حد ضايقك لا سمح الله او داسلك على طرف في المدرسة ... قولي وأنا اقرقشهولك بسناني.
هشام: لا .. بس بكرة هننزل انا وانتي السوق نجيب الجرجعان (القرقيعان)
أنا: يعنى ايه؟؟؟ .... يعني ايه جرجعان؟؟؟

كان قد مر علي في الكويت أكثر من ثماني أعوام ولكن كانت كل تعاملاتي مع الجالية المصرية او الجاليات الشامية وذلك بحكم عملي في القطاع الخاص، الذي لا يهوب ناحيته "الكوايته" نظرا لطول ساعات العمل وجدية طبيعة العمل وأيضآ قلة رواتبه، ولذا لم تكن عادات المجتمع الكويتي قد أقتحمت منزلنا بعد.

هشام قعد معايا على جنب وفهمني ان الرقيعان دي شوية أكياس مليانه شوية سوداني على شوية حمص مع مكسرات على حبة بونبوني هيوزعها على العيال في المدرسة.

انا في سري وبحسبة بسيطة ... وماله ... الموضوع كله مش هيكلف اكتر من خمسة دينار ... خلي هشوم ينبسط.

ملحوظة اخرى: هشام أبني شخص منظم جدآ وبالأخص في الأمور التي تتعلق بمدرسته وأصدقائه ... يعني مش شخص هلهلي زيي ... يعني لما يقول قرقيعان يبقى لازم نعمله زي ما الكتاب بيقول وأحسن.
قلتله: اوكي يا حبيبي ... بس مش لازم نغيب انا وانت عن اشغالنا بكرة .. نقدر نلبس بعد الفطار وننزل نشتري اللي انت عايزه.
هنا أنفرجت أسارير هشام لسببين: الأول أننا هنجيب القرقيعان ... والثاني لأني خرقت أحدى قوانين المنزل وهو الخروج مسآء في وسط الأسبوع.

في الساعة الثامنة مساء غادة (أنا برضه) تنطلق بسيارتها بجانبها البرنس هشام مشهور، وانا في الطريق فوجئت بهشام يخرج من حافظته كارت لامع لأسم محل شهير اسمه الرفاعي (ما هو هشام كان قلة أه بس من يومه مش سهل) ... كنا وقتها انا وزوجي من فقراء القوم، يعني مدرسة هشام الأجنبية كانت تنهكنا وتلتهم معظم رواتبنا ... أتذكر يومها أنني من هول المفاجأة انحرفت بي السيارة وكدت اصطدم بحافة الرصيف ...
أبتسمت إبتسامة صفراء يفهمها هشام جيدا واعقبتها بجملة ... ياااه ده محل وحش قوي وبضاعته كلها مركونة وحمضانة كمان.

نظر لي هشام ورد لي ابتسامتي بإبتسامة اكثر اتساعآ (بمعنى فاقسك يا ماما) ورد بمنتهى الفصحاة ... على فكرة يا ماما فيصل صديقي جاب منه النهاردة ومكنش في حمض ولا مركن ولا معفن.

أنا مع إزدياد الإبتسامة: طيب يا حبيبي أنا هوديك عند واحد احسن منه كتير وهتقول ماما قالت.

كل ما أتذكره انه، وفي حدود الساعة الثانية عشر وبعد ان انهكت كافة قواي بعد رفض هشام ان نشتري من اي من المحلات الموجودة في الأسواق الشعبية، كنت اقود سيارتي زي الصاروخ لمحاولة اللحاق بمحل الرفاعي قبل أن يغلق أبوابه ... فأضطر حينها فعليآ الي التغيب عن عملي ثاني يوم ... وبصراحة هشام كان عنده حق، يمكن محتوى البضاعة كان واحد ولكن كان مغلف أكياس القرقيعان فخم جدا وويوجد على كل كيس كارت صغير سيكتب هشام عليه اسمه مع تمنياته لصديقه بقرقيعان مبارك.
المهم في النهاية اشترينا سبت مملوء بأكياس القرقيعان الفخمة بعدد أولاد الصف وكان الثمن بالقطع باهظا جدآ أرهق ميزانية الشهر.

كانت تلك اول تجاربي مع القرقيعان ... وعلمتني التجربه ان اكون مستعدة بحلول بديلة حتى لا أرهق ميزانيتي على شوية فول سوداني، وفي ذات الوقت لا اسبب اي خيبة امل لأبني الذي يراني انا ووالده من اغنى أغنياء الكويت، فقد كان مهما لي جدا ألا أنقل لهشام شعور الدونية في مدرسته الفايف ستار،
ففي العام الذي تلى هذا العام وقبل حلول الشهر الكريم بدأت استعدادتي لمعركة القرقيعان ... فأخذت هشام في جولة لأسواق (المية فلس) وهي اسواق مشهورة في دول الخليج ... على غرار الاسواق ام اتنين جنية ونص الموجودة في مصر وهي تقريبًا نفس القيمة الشرائية للمية فلس.

ذهبنا معآ وانتقينا أكياس جميلة على هيئة شنط بناتي للبنات ومحافظ للأولاد ذات ذوق عالي، وملأناها بالسوداني والفستق والشوكلاة والبمبون من المقلاه الشعبية، وبالفعل أعجب بها الأولاد جدا فقد كانت فكرة جديدة تجعلهم يحتفظون أيضآ بالمغلف الخارجي ... وهكذا تهافت الأولاد على قرقيعان هشام ولم يكلفنا ذلك أكثر من خمسة في المائة من تكلفة قرقيعان الرفاعي.

وكانت سعادة هشام به لا يضاهيها سعادة، وبالأخص ان الحدث لم يأخذ منا بضعة ساعات في السوق فقط، بل أيام نقضيها سويآ في التسوق وأنتقاء أكياس التعبئة أو الشنط أو اللعب التي ستمتلئ بالقرقيعان، وايام اخرى نقضيها معآ في الرسم والتلوين قبل البدء في عملية التغليف وايام في رص السبت بطريقة انيقة وتغليفة ليبدو شكلآ وموضوعا احلى من أي سبت ممكن أن تجده في الرفاعي (سبت هاندميد) ... وهكذا اصبحنا انا وهشام كل عام نبتدع أفكار جديدة للقرقيعان.

طبعآ هو القرقيعان مش بس كدة ... فبعد أنتقالي إلي السكن في مناطق الكويته، فوجئت يومآ بشلة من الأطفال الصغار بملابس زاهية يطرقون باب منزلي وبدأوا يغنوا أغاني لما أفهم منها كلمة، قأبتسمت وصمت فقال لي صغيرهم وهو يمد لي سبت فارغ بصوت جهوري "جرجيعااااااان" – أحمد الله أنه كان لازال عندي بواقي من جرجيعان هشام فسارعت بأحضارة وتوزيعه على الأطفال، وهكذا حتى هذا اليوم أصبحت عادة لدي أن أسارع بشراء الحلوى والمكسرات قبل رمضان تحسبآ لأي زيارات مباغتة من أطفال القرقيعان.

وأخيرآ سأسرد لكم بعض المقتطفات عن عادة القرقيعان ..

يُعتبر القرقيعان أو القرقيعانة أو الكركيعان من أهم العادات الشعبية الرمضانية في بلدان الخليج و غيرها ..

لكن من هم أبطال القريقعان ؟

أبطال مهرجان القرقيعان هم الأطفال الذين يجوبون الشوارع والأزقة مبتهجين بهذه المناسبة الرمضانية التي توارثتها الأجيال، وهم يلبسون الملابس الجديدة والتي قد تُخاط لهم خصيصاً لهذه المناسبة وحاملين معهم أكياساً يجمعون فيها الحلوى و المكسرات التي يحصلون عليها من أصحاب البيوت.

حد فيكم لمض هيسألني ... طيب وايه معنى القريقعان يا هندسة ؟
يقال كده انه "قرقيعان" ده كان لفظ عامي مأخوذٌ من قرع الباب، وذلك لأن الأطفال كان يقومون بقرع أبواب البيوت في هذه المناسبة فسُميت المناسبة بالقرقيعان ... والله أعلم.

اهازيج القرقيعان ... يعني الأغاني اللي بيقولها الاطفال في القرقيعان هى:

قرقيعان وقرقيعان بين اقصير و رمضان
عادت عليكم صيام كل سنة وكل عام
يالله تخلي ولدهم يالله خلي لأمه يالله
عسى البقعة ما تخمه و لا توازي على أمه

طبعآ ما فهمتوش حاجة ... ولا انا كمان ..

و بعد الانتهاء من الأناشيد يتم توزيع المكسرات و الحلويات على الأطفال وتوضع هذه الهدايا في أكياس معلقة برقبتهم تسمى بالخريطة.

أخيرآ متشكرين قوي يا جميلة ياريت ماسمعش طلبات تاني لغاية آخر رمضان ... لأني مسافرة لهشام ابنى انجلترا .. نجرجع سوا.

غادة بدر