#فادى_رمزى يكتب: فى ذكرى القطايف بالقشطة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات


كل رمضان بفتكر موقف حصل من سنوات بعيدة بمقياس النتيجة ولكنها لقلبى وعقلى قريبة:

اهلى كانوا معزومين على الفطار عند ناس اصحابهم .. وبطريقة او بأخرى أجبرونى على الذهاب معهم. وبالطبع لكم ان تتخيلوا كم الزهق الأومليتى الطابع الذى يشعر به طالب جامعى فى اى زيارة عائلية مجبر على حضورها ... ولكن اهى ايام بنقضيها واكيد الواجب ده هيترد بزيادة الاتاوة الشهرية او بفول تانك بنزين للعربية مثلا.

وصلنا بالظبط على موعد الإفطار بسبب الزحمة، وطبعا لا سلام على طعام وانهمكنا فى الاكل اوام ... وطبعا طلعت كل همى فى الباشاميل والبفتيك والفتة والفراخ والرقاق الى اخرها من المأكولات الدايت البسيطة التى تعتبر سمة مميزة لكل سفرة رمضانية.

بعد الأكل نزل الحلو .. ومعه ابتسامات المجاملات الصامتة المعتادة، والتى لا يوجد رد سواها على عبارات مثل: "ماشاء الله كبر ابنك يا امال (اللى هى امى)" .. او "والباشمهندس الصغير هيطلع لابوه طبعا" ... الى اخر الكلمات التى تجد ان عليك ان تبتسم او أن تبحث بسرعة عن جاروف لشق الارض من تحتك حتى تبتلعك.

المهم لقيت ضمن الحلو المعتاد من الكنافات بالكريمة والبسبوسة بالسمنة وعيش السرايا وغيرها من الحلويات المعتادة .. ثم رايتها ... تستند على جانب من جوانب السفرة، جميلة ورقيقة وملفوفة القوام بطريقة تخطف الالباب .. تستلقى مع اخواتها بمنتهى الرقة والدلال وكانها تنادى على المشتاقين للحظة متعة خاطفة ومميزة.

كانت مع اخواتها فى طبق كبير .. قطع من القطائف الكبيرة الملفوفة كودن القطة ويزينها كم مهول من القشطة البيضاء البضة ... وتتناثر فوق اكليل القشطة قطرات من الفستق المبشور وبجانب الطبق الكبير طبق اصغر به عسل ابيض ... شىء لزوم الشىء.

استفردت بها وقلت ادوق واحدة ... تناولتها برفق بين يدي ثم اسقطتها فى بحر من عسل ... قربتها من شفتاى وشرعت فى التهامها، وخلال تلك المرحلة الفريدة من النشوة اكتشفت ان عملية القضم مستحيلة، فقد ينفرط عقدها والغوص الدنيا ... وبالتالى دفعت القطائف كلها فى فمى، خبطة واحدة وتركت منظومتى الهضمية تتعامل معها براحتها.

الطعم كان حكاية ... والتجربة كانت انسانية مع لمسة روحانية تضعك فى افاق اخرى بعيدا عن الاجواء المحيطة ... قلت ادوق تانى وتالت ورابع ... وانهارت قدراتى الهضمية بينما القطعة الخامسة تحاول ايجاد مكانا لها بداخل رقبتى بعد ان امتلات معدتى.

فى تلك اللحظة اتت طنط من الطنطات ... تلقى على التحية ... حاولت ارد باحسن منها بس العسل قفل بقى من لزوجته وكم القشطة التى تحتل فمى كانت ستجعل ملابسها اكثر بياضا. وبالتالى شاورت لها على فمى، على اساس انها تفهم انى دافس حاجة ومش قادر ارد عليها .. ولكن يبدو ان جهازها الهضمى قد استحوذ على كل الدم اللازم لعقلها حتى يتمتع بادنى قدر من الفهم .. وبالتالى فهمت بالخطأ انى اخرس ... ايوة .. بشاور على بقى مش علشان دافس حاجة لا علشان اخرس ... واضح انها تقلت فى الرقاق شوية.

عدت الى مكانى وانا لا ادرك ما فهمته عنى، وحاولت استعيد انفاسى وقدرتى على مواصلة الحياة كبنى ادم طبيعى بعد ان تحولت الى كائن هضمى هلامى رخوى الملامح من فرط القشطة التى دفسها ... شربت كوباية شاي سمحت باذابة بعض التكتلات بمعدتى، وفوجئت بطنط تانية تقدم لى طبق خشاف وهى بتطبطب عليا متحسرة لسبب لم ادركه وقتها.

اخدت الطبق منها .. الخشاف مهضم طبعا ... وما ان انهيته حتى وجدت طنط تالتة جايبالى طبق بسبوسة بالايس كريم ... صنف جديد الصراحة جعل فضولى يتجاهل طبطتها الاكثر تحسرا على كتفى وتقبيلها لراسى ... مالهم الناس دول !! ... هى عزومة فطار ولا مائدة رحمن.

التهمت البسبوسة وشعرت طبعا باضطرابات معوية شديدة ... طفاسة بكل تاكيد بس المشاركة فى اى حديث كانت هتجيبلى اضطرابات نفسية وبالتالى المعوية ارحم ... رجعت بضهرى على الكرسى طلبا للراحة وفوجئت بطبطبة اخرى على كتفى واذ بها طنط الاولى ومعها طبق من تلك القطايف بالقشطة الشهية اللعينة ..

اشرت رافضا ولكنها تجاهلت رفضى واصرت على منحى تلك النفحة الكارثية ... شاب اخرس بقى ومحتاج يتغذى ... قلتلها بصوت عالى نابع من مقاومة اخيرة لمنظومتى الحيوية : "لا مش عايز" ... الست انتفضت من صوتى الذى لا يتناسب ابدا مع صوت شاب اخرس .. انتفضت لدرجة انها صرخت : "بسم الله الرحمن الرحيم" واسقطت الطبق بكل قشطته وعسله على رجل زوجها السفير السابق الذى كان يجلس بالصدفة بجانبى.

الراجل تخلى عن وقاره المهنى والعائلى وقال لها: "مالك يا ولية فيه ايه؟" ... طبعا لفظ ولية من سعادة السفير مع القطايف المتطايرة وصرخة ريهام هانم اللى بقت ولية لفتوا نظر كل الحاضرين وصار صمتا رهيبا فى الاجواء وكلهم لشخصى الضعيف ناظرين.

قلت بسرعة، خوفا من انهم يفتكروا انى تحرشت بالولية: "مش عايز قطايف عادى .. ماعرفش اتخضت ليه؟"

فوجئت بطنطاية من الطنطات اللى طبطبوا عليا من قبل بتقول: "ماهو حلو اهو وبيتكلم امال بتقولى اخرس ليه يا ريهام؟!!" ... اخرس !! .. اخرس مين يا ولية منك ليها !!

امال اللى هى امى شهقت: "اخرررررس ... مين ده الاخرس ... ماتقولوش كده ع الواد" (انا بقيت واد عادى ماهى ريهام هانم بقت ولية والدنيا باظت خلاص)

ريهام قالت دفاعا عنها: "هو اللى قالى انه اخرس" !! ... كلهم بصولى طبعا ... رديت وانا بحاول اتغلب على الضمور العقلى الذى اصابهم بعد الافطار: "هقولها ازاى انى اخرس !! .. دى الحاجة الوحيدة اللى ما ينفعش تتقال"

كلهم بصولها .. فقالت: "انا لما كلمتك قعدتك تشاور على بقك" ... كلهم بصولى تانى ولا كانهم بيتابعوا ماتش تنس ... بس المرة دى فيه طنط تفكيرها شمال شوية شهقت، اصل المشاورة على البق عندها خدت بعد تانى ... رديت رافضا كافة الابعاد المطروحة: "بقول لحضرتك ان ف بقى اكل فمش قادر افتح بقى واتكلم".

ضحك الجميع وعدى الموقف، ولكن علمت بعدها انها كانت ليلة عاصفة فى منزل سعادة السفير بسبب موضوع الولية ده ... ولكن طنط ريهام الله يسامحها اصرت على انى اصالحها ... تفتكروا ب ايه؟ ... بانى اكل من طبق القطايف اللى عملتهولى ... ايوااان تلك القطايف بالعسل والقشطة ... طبعا انا كان لا يمكن ازعل ولية رقيقة مثلها ابدا.

رمضان كريم على كل سفرة ويجعل هضمنا سريع وباقل تلبكات معوية ممكنة.

فادى رمزى