#غاده بدر تكتب: المهاجر المصرى الخليجى بين التشتيت والعنوسة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات


لا اعلم بالتحديد ماذا حدث لأهل وطني .. فلقد غادرت الوطن في منتصف التسعينات، اي منذ ما يقارب العشرون عاماً. وقد كان كل أبناء وطني يفتخرون بأنهم مصريون أبآ عن جد .. لم اكن وقتها اسمع عن مشروع الهجرة الي كندا او استراليا او حتى كوالالمبور، أو أي دولة والسلام ترضي أن تمنح المصريين أحفاد للفراعنه جنسيتها.

وهكذا مرت الأيام وتلتها الشهور ومن بعدها مرت ايضآ الكثير من الأعوام، ثم صحوت فجأة فوجدت ان كل من يحيط بي من بشر قد أصابه هوس الحصول على جنسية أجنبية، قطعاً هذا الهوس ولله الحمد قد أصاب فئة معينة فقط ... وهي الفئة القادرة مادياً علي مصاريف هذا المشروع الأستثماري الضخم، وقطعاً نحمد ربنا ونبوس أيدينا وش وضهر والا لصحونا يومآ ووجدنا الشعب المصري وقد انقرض تمامآ.

لا اعلم ايضآ اذا كان هذا المشروع منتشراً بين المصريين الذين يحيون على أرض الوطن، أي مصريين الداخل ... اما انها فقط فوبيا اصابت المصريين المقيمين بدول الخليج، أي مصريين الخارج، حيث لا هوية ولا امان ولا مستقبل.

لن ألوم على مصريين الخارج رغبتهم في انقاذ ابنائهم وانفسهم ايضآ من مصير التعليم والحياة في الوطن، فبعد "التطور الرهيب" في الأونة الأخيرة الذي اصاب مجال التعليم العالي كسائر أجهزة الدولة ... فنحن هنا في الخليج نسمع ان جامعتنا الأهلية اصبحت تحتل رقماً لا معنى ولا قيمة له بين جامعات العالم ... كما ان مصاريف الجامعات الخاصة المعترف بها دوليا كالجامعة الألمانية او الأمريكية أو الأسترالية أو ... أو ... الموجودة على أرض مصر تقدر، بأضعاف مصاريف ذويها من الجامعات في كندا او امريكا او استراليا او هولندا.

وهكذا لم يترك الوطن للقادرين ماديآ والذين عانوا ويلات الغربة في بادئ حياتهم، سوى حلان فقط ... اما مشروع الهجرة او أرسال أولادهم بمفردهم للخارج مع تحمل التبعات لذلك.

وسأنقل لكم هنا تجارب مصريين الخليج بالتحديد فى هذا الأمر، فهم اساساً قد تركوا الوطن منذ مدة طويلة ولذا فقد اعتادوا على حياة الغربه وبرودتها منذ زمن. فنحن هنا مدربين على احدث وسائل الأغتراب والتكييف معها ... كما يداخلنا شعور يترسخ يومآ بعد يوم أنه لا مكان لنا في الوطن، فالوطن كامل العدد بدوننا.

لا أحد يريد من مصريى الخارج العودة، ليتقاسم معهم بواقي لقمة العيش ... ولا مصرىو الخارج ايضآ لديهم مهارات وكفاءات مواطني الداخل، فهم غير معتادين على التعامل مع متغيرات ومستحدثات الوطن الجديدة ... كما ان الخليج ليس دائم لهم فهناك دائما تهديد دولي بأن نفط الخليج في تناقص، مع أستمرار تضائل سعر برميل البترول يوما بعد يوم ... ضف على هذا أنه لا توجد مواطنة ولا يحزنون ... فأنت هنا مجرد مقيم لا حقوق لك ولكن عليك كل الواجبات ... فأنت مقيم حتى ينضب حقل انتاجك.

ولكن في ذات الوقت رواتب الخليج مغرية، كما أنه في حالة ان اتخذت قرارك بالهجرة إلي دول المهجر المتعارف عليه/ ستحتاج أن تمضي الكثير من سنوات الدراسة الطويلة لمعادلة شهادتك الأصلية، فشهادتك عندهم غير معترف بها ولا قيمة لها (تقدر تبلها وتشرب مايتها) وبالتالى ستمر عليك الأعوام الطويلة حتى تتمكن من العمل بوظيفة لائقة، طبقا لما درسته وتعلمته في وطنك.

وبعد ان تعادل شهادتك وتعمل لأعوام معدودة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ستجد نفسك فجأة مقصى عن عملك لإعطاء الفرصة للكوادر الشابة، فأنت اليوم في سن التقاعد طبقآ لقوانينهم .... هييييييه دنياااااا.

ومن هنا كانت المعادلة الصعبة ... ايترك المواطن المصري الخليج الغير امن بأمواله ورواتبة المغرية ويذهب إلي اخر الدنيا ؟ يذهب الي الدول الباردة حيث المواطنة والأمان والتعليم والعلاج بالمجان، مع الأستغناء عن رفاهية الخليج ؟؟؟ ... أم يظل قابعآ محلك سر ؟؟

كانت المعادلة قطعاً صعبة الأختيار..

ولكن لأن المصري دائمآ مبدع ويمتاز بأن دماء النصب والأحتيال على القوانين تسري في عروقه، وقطعاً لأن شعارنا في الحياة هو احنا اللي دهنا الهوا دوكو ... نجد انه عندما يحط المصري قدماه داخل الأرضي الكندية مثلا يبدأ في خداع السلطات هناك، فيسارع بختم جوازت السفر له ولعائلته بختم الوصول، وما هي إلا ايام معدودات حتى تجد أخينا المصري فص ملح وداب .. يغادر الأراضي الكندية من الباب الخلفي بطرق غير مشروعة دون ختم جوازات السفر بختم الخروج ويرجع مرة اخرى ليعيش ويهنأ ويقبض راتبه في دول الخليج.

ثم بعد مرور ثلاث أعوام على دخولهم الأراضي الكندية يحق لهم الحصول على الجنسية الكندية طبقآ لقوانين التجنيس في هذه الفترة .. فيعود هو وعائلته مرة أخرى إلى الأراضي الكندية، وبرضه من الباب الخلفي، وطبعآ لا ينسى أيضآ عدم ختم جوازت السفر وكأنه قعد التلات سنين هناك.

وهكذا يكون المصري الحدق قد. ضرب عصفورين بحجر واحد، فهو لا زال يعمل بوظيفة لائقة يقبض راتبه بالدنانير او الريالات او حتى الدراهم من اموال نفط الخليج، ويحصل ايضآ في ذات الوقت على الجنسية الكندية التي تمنحه هو وأبناءه صك الأمان من غدر مستقبل على كف عفريت على الأراضي الخليجية.

وهكذا دائمآ وبكل فخر ... يمتاز أبناء وطني بأنهم اصحاب بصمة واضحة في كل مكان.

لكن قطعاً لم يفكر المصريين فى اجابة حول سبب منح هذه الدول للجنسيات المختلفة هكذا !! .. بل وتفتح ابوابها لأستقبال المهاجرين ايضاً َ!!

هل هي تريد شعباً ومجتمعاً يعيش داخل اراضيها ويدين بالولاء لها ؟ .. ام تريد منح جوازات سفر وجنسيات لمواطن يكون كل ولائه وهويته لمجتمع أخر !!!!

المهم يصحو الأخوة الكندين المسئوليين عن شئون الهجرة من غفوتهم فجأة على خدعة الاخوة المصريين وغيرهم من الجنسيات العربية الاخرى ... فيبداءون في سن قوانين اكثر صرامة للهجرة .... القوانين الجديدة الأن تنص على ان يقضي المهاجر اربعة اعوام كاملة داخل الأراضي الكندية، مع توافر كامل الأوراق التي تثبت وتبرهن أقامته الدائمة بدولة المهجر.

ذلك يكون بإيجاره لمنزل وتقديم فواتير مصروفاته الشهرية من بنزين الي سلع إستهلاكية مختلفة، حتى نصل إلى اولاد المسجلين فى مدارسهم هناك ... كل ذلك من الشروط الأساسية للحصول على الجنسية الكندية ... فأفيقوا أيها المصريين، فلا احد غبي في هذه الدنيا.

ولا تؤدي هذه القوانين لشئ سوى عكننة مزاج الأخوة المصريين وتنغيص حياتهم ... فبالتالى لا يجد المواطن المصري، اللي عامل فيها خليجي، امامه من حلول سوى التشتت العائلي ... فالأسرة التي اعتادت على رفاهية الخليج لا يمكنها المجازفة والسفر الي كندا والعيش على الفتات.

وبالتالى كأي أسرة مكتملة الأركان، وبما ان عائل الأسرة الأب لا يمكنه العمل بشهادته الا بعد معادلتها، مما يتطلب منهم التقشف لسنوات عدة حتى يتم المراد ... وهذا يعد من سابع المستحيلات ... فقد اعتادت اسر المصريين في الخارج ذوى الدخول فوق المتوسطة على رفاهية الخليج ... فنحن لما نأخذ من عادات أهل الخليج سوى المظاهر الكدابة... وبالتالى لم يكن هناك من حل سوى الحل على
طريقة كبش الفداء ... ويكمن هذا في ان يظل الأب في الخليج ليضخ الأموال ... لتحيا عائلته في كندا في مستوى معيشي لائق ... وهكذا هي الحياة لا تمنح الأنسان كل شئ.

لن يكون مجال حوارنا هنا هو التشتت العائلي في هذه المرحلة من العمر للرجل والمرأة، فهذا يفرد له قصص وحكايات من أرض الواقع ولكن سأقص عليكم بإختصار قصتين لأثنتان من صديقاتي في المهجر.

صديقتي نهلة
عائلة نهلة تعتبر من الأسر المتفتحة على العالم، فقد تركت كل تقاليد وعادات العرب في الديار العربية – وهاجرت إلي كندا ومعها أبنهآ الشاب الذى على وشك الدخول إلي كلية الهندسة، وبنتان تؤامتان أحلى من القمر.

سرعان ما أندمج الأولاد في الحياة الكندية وأصبح لهم من الأصدقاء من جميع الجنسيات العربية والأجنبية الكثير، فلا تقتصر صداقتهم على جنسية بعينها فقد قرروا الأنفتاح على العالم كله.

تمر الأعوام ويصادق الأبن بنتاً كندية، يترك بيت الأسرة ويعيش معها لفترة حتى يقرران الزواج – ياخذ صك المباركة من أبيه ونهلة. ولكن اليوم البنتات التؤام اكملتا الثلاثين عامآ– ونهلة ترفض زواج أبنتيها من أي شاب كندي ليس على دينها، وفي ذات الوقت لا أحد من أبناء أصدقائهم في المهجر يريد الزواج بهما ... فهم في نظرهم "منحلات" يقلدن الغربيات. أضف على هذا انهما بعد أن تلقيا تعليم الحريات لن يتقبلا بفتات المجتمع المصري.

وهكذا نحن دائمآ شعب نحكمه جميع عقد البشرية.

صديقتي هاجر
تختلف عن نهلة كليآ وجوهريآ ... فقد انتقلت بكل هويتها الثقافية والعربية وحقيبة الأفكار التي يراها الغرب بالية إلي كندا، وفي حقيقة الأمر أنا إيضآ تعجبت لهجرتها، فكيف لهاجر التي كانت بالأمس القريب تنتقض الغرب بكل إفكاره– كيف لها ترضى لأبنائها أن يكبروا داخل قيمه ومبادئة !!!

هاجرت هاجر ومعها ولدان شابان يافعان، أحدهما كان على وشك الدخول للجامعة، وتأتي بعده فتاة ذات وجه ملائكي، ثم يأتي أخر العنقود صبي في الثامنه من عمره.

أغلقت هاجر الباب عليهم فلم يختلطا سوى بالأسر العربية، ولم يصادقا سوى العرب المسلمين- وعندما أن الأوان لزواج الأبن الأكبر أتذكر جيدآ أن هاجر أخذته من يده وتزلت به إلي الوطن لتختار له عروساً من بين جميلات الوطن الذين تربوا وترعرعوا في احضانه، ونشأوا على عادات وتقاليد المصريين، ولا تؤمن فتياتهن بمبدأ المساواة والحريات الذي تنادي به بنات صديقاتها اللاتي تربين بين احضان دول المهجر.

لقد انتقلت الأسرة حقآ وهاجرت ولكنها لا زالت عالقه في مصر بعادات وتقاليد مجتمع رفضت جنسيته ورفضت لأبنائها ان يعيشوا فيه – الأن أيضآ الأبنة الملائكية تقترب من الثلاثين عامآ ولم تجد صاحب النصيب، فأبناء صديقات أمها، البعض منهم تسحبه أمهاتهم إلي الوطن أيضآ ... والبعض عازف ويرى فى الابنة أنسانة معقدة.

أما صغيرهم فقد تمرد على أمه، فهو يعيش داخل شيزوفرانية عائليه لا مثيل لها، فترك المنزل لهاجر وقرر عدم الزواج نهائيآ لأنه رافض للزواج على طريقة هاجر.

في النهايه وبأختصار نحن نصدر إلي كندا خيرة شبابنا اليافع ويظل شبح العنوسة يطارد بناتنا في الخارج.

انها مشكلة اليوم وغداً يا اصدقائي ... مصريين الخارج وبالمرة الداخل ... وتحتاج منكم لبضعة دقائق وقفة مع النفس، وفقة لمراجعة مفهومكم عن المعنى الحقيقي لمستقبل أولادكم.

غادة بدر