#غادة_بدر تكتب: حصريآ في بلادي

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

بلادي بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي .. 

من الآخر كده رحت ولا جيت ... سافرت ولا هاجرت ... مت ولا عشت ... أنا مصرية حتي النخاع شربت من نيلها واتنيلت في شوارعها.

كنت اظن في بعض من الأحيان انه يمكنني العيش فى الخارج الي ما لانهاية .. او ان اهاجر ولا أعود ... ولكن خلال أجازة صغيرة في المحروسة أكتشفت أنني غارقة في هوى هذا الوطن على الرغم من صعوبة الحياة فيه ... فلا يزال حب المحروسة نابضآ في قلبي ... اعشقها ... يعني بالعربي كده ... بحبها زي ما هي.

والآن اليكم لقطات جميلة مختصرة لا تنسى من رحلتي القصيرة بالمحروسة .... وأحب ان أؤكد لكم ان أحداثها حصرية الحدوث فقط في مصر:

يوم تجديد الرخصة:
يوم قاسي جداً غارق في إزدحام لا مثيل له، وممزوج برائحة العرق العفنة ... يتسم بكل ملامح الروتين الحكومي من اللي قلبك يحبه ... ولكن في النهاية يتبقى لي سبق إكتشاف ان في هذا المكان والزمان يعمل مواطن مصرى شريف من السلالة المنقرضة (رفض تمامآ أخذ الشاي بتاعه او أكراميته أو رشوته .. أو .. أو ... زي ما تسموها).

ولذا وجب علي ارسال تحية شكر عبر مقالتى تلك لهذا الشاب المنقرض المسئول عن تغليف الرخص وتسليمها بقسم مرور العجوزة.

وبما ان مصر هتفضل ولادة غصبا عن عين الحاقدين – فلن يفوتنى ايضاً ذكر شرب أحلى عصير ليمون شربته في حياتي، وذلك في كباية ازاز معرفش مين شرب فيها قبلي أو اذا كانت مغسولة ولا لأ ومعمول بمياة لا أعرف مصدرها ... وذلك لا يعني شيئاً غير أنني مصرية حتى النخاع.

 

رحلة قصيرة الي شرم الشيخ لأدخال عداد كهرباء ومياه للشالية:

فقرة العصير والمصري الطفس:
لم يسعفني الحظ في هذا اليوم بالنوم، فقد كان موعد طائرتي الخامسة فجرا .. وعندما خطت قدماي الطائرة وقعت في غيبوبة النوم ... وبينما انا في عز نومي اجد المضيف المحترم يقف حاملاً الصينية محاولآ ايقاظي من أحلاتوها نومة لتناول علبة عصير ... اه والله عصير مش غدا ولا عشا ولا حتى بيضتين مسلوقين ... كل ما اتذكره انني بمنتهى الغيظ شوحت له بيدي وأكملت نومي.

اصحو مرة اخرى فجأة على صراخ طفل في أذني ... يا أنسة يا أنسة كل الناس مشيت (أنا في سري: وانت مالك أهلك يا متداخل) افتح عيني فأجدني وحيدة في الطائرة وفي اخر الممر ... المضيف اياه بتاع العصير هو من يخاطبنى ... أستأذنه لمساعدتي في أنزال حقيبة الهاند باج من الرف الأعلى ... ينظر إلى شذرآ مذكرآ اياي بغيظ انني شوحت له بيدي عندما جاءني حاملاً العصير !!

انا: لا طبعآ أنا ما شوحتلكش ... انا كنت باشوح للعصير يافندم .. عصير يا راااجل طيب ... طب صحيني على جوز حمام.

فقرة كله عند المصريين صابون:
وصلت شرم في السادسة صباحآ ... هاموت من التعب وهاموت وانام ... اتجه مباشرة إلي الفندق في محاولة لعمل "ايرلى تشيك اين" لغرفتى ... دخول مبكر يعنى ... (علي فكرة وانا باحجز عبر الإنترنت ذكرت ان طائرتي ستصل بالسادسة صباحآ، وأتذكر جيدآ انني اضفت جملة Early Check In)

الحمد لله ... يطمئنني مدير الاستقبال بإبتسامة صباحية عريضة مضيفآ "ان التشيك اين سيكون الساعة الثانية ظهراً" .. يا خراشي .. لم يكن أمامي سوى ان اترك حقيبتي بالآمانات مجرجرة اذيال التعب ... قال "ايرلى تشيك اين" قال !!

فقرة الهرم الوظيفي المقلوب:
اقف على باب شركة الكهرباء حاضنة كل الأوراق الخاصة بمعاملاتي في تمام الساعة السابعة صباحاً، منتظرة اي طلة لأي موظف ... بعد انتظار نصف ساعة أسأل صديقي الحارس في اي ساعة تفتح الشركة .... يطمئنني الحارس بإبتسامة عريضة أيضآ قائلاً، هانت ... بتفتح الساعة الثامنة... واضح كدة ان شكلي كان يصعب على الكافر لدرجة أن الحارس فتح لي أبواب الشركة من غير ما أقوله ..

إنتقلت من الجلوس أمام باب الشركة، زي شحاتين السيدة، إلي الجلوس في غرفة الأستقبال. وكان اول الموظفين وصولاً هو مدير المصلحة ... فقد وصل في الساعة التاسعة (بالمناسبة لا يختص عمله بمعاملات الجمهور) ... في بلادي كل شئ ممكن، مدير يصل عمله قبل الموظفين عادي جدآ كما أن المدير لا يجد غضاضة في ذلك، فقد حاولت شحنه على موظفينه ولكنني فشلت !!!!

ولكن كانت هناك ميزة مستفادة من وجوده، وهو انتقالي من غرفة الأستقبال غير المكيفة الي الجلوس ... منتظرة ايضآ ... ولكن في غرفة مكتبة ذات التكيف الوحيد اليتيم في الشركة ..

والحمدلله في تمام العاشرة والنصف بدأ الموظفون المختصون بإنهاء المعاملات في التوافد تباعاً ... مع العلم ان العمل ينتهي فى الساعة الواحدة ... الآن فقط فهمت سر الأبتسامة العريضة للحارس وفتحه لي باب الشركة مبكرآ ...

خلاصة التجربة من الآخر كده ان المصالح الحكومية ينقسم البشر فيها الي قسمين ... نوع ملزق ومدهنن يريد ان يقتحم حياتك بعرض خدماتة الملزقة، ونوع اخر مهووس بالطناش فهو لا يراك من اساسه، يريد ان يرسل لك رسالة مؤكدة انك كم مهمل وانه احسن منك بستين مرة .. ماشي يا عم المهم مافيش مشكلة يا سي قاسم السماوي ... بس وحياة ابوك خلصلي ورقي وخلصني.

فقرة ALL INCLUSIVE HOTELS
بعد الإنتهاء من كل المصالح الحكومية ... كهربا مياة صيانة ... اذهب للفندق زاحفة ... هاموت من التعب وهاموت من الجوع ايضآ فلم اتناول اي وجبة منذ أمس ... ممنية نفسي ان الفندق الذي حجزته من ال ALL INCLUSIVE HOTELS ... يعنى شامل كل شىء.

أسأل موظف الإستقبال عن الأكل يرد بإبتسامة عريضة، ولكنها من نوع خاص يتسم بالنصاحة وصيد زبون سقع، ان مواعيد الغذاء انتهت منذ اكثر من نصف ساعة وعلي الأنتظار حتى العشاء في السابعة.

أنا: نعم ياخويا ده انا دافعة اووول أينكلوووووسف .... ينظر لي الموظف نظرة العالم ببواطن الأمور ويضيف: هو ده النظام عندنا ... بس في حل تاني لو حضرتك جعانة قوي .... انا: الحقني بيه وحياة ابوك.

الموظف: ممكن نطلبلك وجبة غدا من المطبخ ... أنا اقابل كلامه بإبتسامة عريضة، حتى يكمل كلامه قائلا: بس هتدفعي فلوسها طبعآ.

ينظر لي نظرة الخبير المثمن ويضيف: بسيطة ... بس مية وخمسين جنية، وطبعآ انا اردخ دون اي ضغوط فبصراحة الجوع كافر ... اذهب إلى حجرتي اتناول وجبتي وانام مغمن علي ... فأصحو فجاءة فأجدها العاشرة فأصيح: يا ويلتي ها قد فاتتني ايضآ وجبة العشاء ... يخرب بيت الأينكلوووووسف على اللي اخترعوه من اساسه ...

أعود إلى قاهرتي في اليوم الثاني، الذي قطعاً لم يكن افضل من سابقه، يكفي فقط ان طائرتي قد تأخرت اكثر من ثلاثة ساعات ... بس الحمدلله وزعوا علينا علب عصير !!!!

حصرياً في بلادي:
في اليوم التالي أذهب للصالون الكائن في العجوزة ... الحي الذي ترعرعت فيه ... يتعرف على صاحب الصالون من الوهلة الأولي على الرغم من مرور أكثر من عشرة اعوام على أخر زيارة له ... بالاضافة الى انني لم اكن يومآ من مدمني الذهاب إلى صالونات التجميل ... لكن يمتاز أبناء بلدي بالذاكرة الحديدية.

اجلس تحت يدي مصفف الشعر تدخل احدى زبائن المحل تسلم على كل افراد الصالون وكأنها واحدة من العائلة، وفي يدها الأخرى فطيرة مشلتته ... هدية من الزبونة لصاحب الصالون ... سألتها مازحة فين المش ضحكت بخجل واخذت تبرر لي نسيانها للمش في غمرة الأستعجال.

بصراحه بعد ما انتهيت من تصفيف شعري كنت أنا التي تذوب خجلآ ... فقد كنت أكاد اكون الزبونه الوحيدة التي دخلت بإيدها فاضية ... طبعآ المشهد ده استحالة تشوفه في أي حتة غير أم الدنيا.

حصرياً من أبناء بلادي:
قبل العودة بيوم واحد اتلقى رسالة على الموبايل من احدى زملاء العمل بالكويت ... يسألني عن موعد العودة فهو يريد مني خدمة بسيطة، وهو توصيل غرض ما من المحروسة سيقوم بإيصاله لي احد اخوته ... كلمني اخوه، وهو بالمناسبة فنان مخرج شاب ولكن للأسف كان لديه تصوير برنامج لقناة النهار بمنطقة 6 اكتوبر سينتهي في التاسعة والنصف، وانا سأغادر العجوزة في تمام العاشرة.

في اخر المكالمة احببت ان اعرف نوعية الأغراض التي تمثل مسألة حياة او موت لصديقنا أخو الفنان ... بمنتهى الخجل صارحني الفنان انها فانلة الزمالك ... بجد فانلة فريق الزمالك ما تستغريوش زيي.

للأسف المخرج الفنان لم يتمكن من المرور علي نظرآ لإلتزامة بموعد تصوير البرنامج ... ولكن نظرآ لأهمية الموضوع فقد أوكل المهمة لأخوهم التالت، اللي برضه فنان بس ممثل.

تحية عظيمه لفناننا الشاب الذي ضحى بوقته الثمين وقضى اكثر من ثلاثة ساعات في طرقات المحروسة، في يوم سابق لأجازة 6 اكتوبر، لإيصال فانلة الزمالك ومج نادي الزمالك وكاب نادي الزمالك وعلبة تانية مش عارفة فيها ايه بس برضه مكتوب عليها نادي الزمالك .. كنت خايفه افتح احدى الأكياس المغلفة فأجد بها مرتضى منصور بيقولي يخرب بيت امك ..

استغل اولاد اخوتي الصغار الأحباء جوجو وحبيية فرصة وجود الفنان الصاعد في بيتنا لإلتقاط بعض الصور الفيس بوكيه معه ... وهكذا رب ضارة نافعة ... (علي فكرة بفكر ما اديلوش الفانلة واديها لمحمد جوزي) .... طبعآ المشهد ده استحالة تشوفوا من أي حد غير من أبناء بلادي.

وفي النهاية أعود أدراجي وانا اقود زوبة الأصيلة، سيارة الوالدة، التي عانت معي طيلة فترة أجازتي في طرقات المحروسة ذهاباً وإيابا من التجمع الخامس إلي العجوزة يوميآ ... استنشق عبير هواء بلادي فتدمع عيناي، قطعاً سأفتقد كل هذه الجموع البشرية الطيبة ...
احب كل هذا الوطن بحلوه وبمره ..

نسيت أقول لكم أنا أكلت ترمس وبرضة من الشارع.

وستبقى مصر في خاطري وقلبي ...حتماً سأعود يومآ نهائياً وحتمآ سيكون قريباً.

غادة بدر