#تامر_المغازى يكتب: كيف أنقذت حشائش النيكل الدولة العبرية من السقوط؟

كتب بواسطة: تامر المغازى في . القسم منوعات

 

كيف أنقذت حشائش النيكل(1) الدولة العبرية من السقوط؟

هل حاربت مصر وسوريا الدولة العبرية المحتلة وحدها أم تدخلت أمريكا؟

كيف فاجأت مصر العدو بتكتيكات وإبداعات خلاقة تتغلب على التفوق التقني لصالح العدو؟

من الذي قال: ارسلوا كل شئ يستطيع الطيران إلى أسرائيل؟ وهل نفذوا طلبه؟

هي ليست حشائش ككل الحشائش التي نعرفها، وهو ليس ذلك المعدن الذي نعرف عنه فقط عندما نهم بشراء مقابض الأبواب حين إتمام تجهيز عش الزوجية، بل يبدو ذلك البحث ذاته غريباً، وهي السمة المميزة للبحث في التاريخ دوماً، ولكنها حرب رمضان – أكتوبر، أو يوم كيبور كما يسميها عدونا ... إنها الحشائش التي مد بها ربيب عدونا إياه بالسلاح والعتاد والذخيرة على مدى أيامٍ قليلة من عبور القوات المصرية لمانع قناة السويس المائي وتحطيمه  للساتر الترابي بجانب تحطيم ما هو أهم: الغطرسة الصهيونية ونظرية اليد الطولى للعدو المحتل.

هكذا إصطلح على تسمية الجسر الجوي اللوجيستي الذي قام نيكسون رئيس الولايات المتحدة الامريكية بمده بطلبٍ من جولد مائيرا رئيسة الحكومة الصهيونية في تلك الأيام، وقد كان لليهود ما أرادوا وطلبوا، وتحرك الجيش الأمريكي لنجدة اليهود المنهزمين في المعارك الواقعة على أرض سيناء والجولان، فكيف نبتت حشائش النيكل وكيف إمتدت سيقانها لتعبر الأطلنطي والمتوسط لتحول دفة المعركة في لمح البصر ضد مصر وسوريا؟

بارعون هم هؤلاء المحتلون في حروب الميديا والإعلام، وربما نساعدهم نحن بما نقدمه لهم من دعمٍ، ندعمهم بفرقتنا وتشتتنا وتشرذمنا، ونكاد نجزم بل ويجزم العالم كله أن اليهود الصهاينة قد صدروا للعالم كله أنهم لهم اليد الطولى بالمنطقة وأنهم يملكون جيشاً لا يقهر، ومكنهم من هذا سقوطنا المخزي مرةً بعد آخرى، من العام 1948 وهم يتقدمون ونتقهقر نحن، ولا يمكن أعتى إعلامييهم أو محامييهم المنتشرين بالعالم أجمع أن ينكر أنهم في ظهيرة السادس من أكتوبر العاشر من رمضان – يوم كيبور قد أصابتهم وألجمتهم المفاجأة، وسقط في يدنا بمصر حصنهم المنيع، خط بارليف الذي لا يمكن لقنبلة ذرية أن تدمره وتمكن القوات البرية والآليات المصرية من إجتيازه والولوج عبر المضايق الجبيلة لسهول سيناء.

بل وقد حصن الصهاينة صفحة الماء في قناة السويس نفسها ونشروا بطولها فتحات تنفث النابالم بمجرد لمس المصريين لوجه الماء، فهزمت خراطيم الماء الساتر الترابي، وهزمت السلالم المصنوعة من الحبال إرتفاعات خط بارليف، وهزم الأسمنت فتحات النابالم ومنعته، وهزمت القوارب المطاطية أكبر مانع عسكري مائي في العالم، هزم الإبداع المصري ببساطة كل علوم العالم وتقنياته في 6 ساعات كما قال السادات.

ولكن أمريكا كان لها رأيٌ آخر، بل قل لها رأيٌ أولي ومبدأي، لن نتخلى عن ربيبتنا وولايتنا الحادية والخمسين، سنقاتل إلى جواركم، ومن هنا بدأت أمريكا في زراعة حشائش النيكل، ومدت الجسر الجوي العسكري من يوم 10 أكتوبر والذي إستمر حتى 14 نوفمبر، وقامت أمريكا بتعويض الكيان الصهيوني عن جل ما فقده، مسمارٍ بمسمار ومروحية بمروحية وصاروخٍ بصاروخ.

أي أن الكفة لم تختل مع الصهاينة إلا لبضعة أيام، الأيام الأولى الحاسمة لمصر وسوريا والتي إختتمتها مصر بوقفة تعبوية من أجل تطوير الهجوم لما بعد المضايق والخروج بالتالي من المدى النيراني لحائط الصواريخ المصري الممتد بطول القناة، وقبل أن تمتد اواصر هذا الجسر النيكلي من القارة الأمريكية إلى محيط العمليات بالشرق الاوسط قامت أمريكا بما هو أهم من الجسر، فماذا فعلت أمريكا بدءاً من يوم 10 أكتوبر؟

قامت أمريكا بتقديم دعمها اللوجيستي للقوات الاسرائيلية ابان الحرب في محاولة لاجهاض خطة مصر لتطوير الهجوم في عمق سيناء باتجاه غرب الممرات أو المضايق الجبلية من أجل تخفيف العبء عن الجبهة السورية من جانب واجهاض مساعي اسرائيل للقيام بهجمات مضادة باتجاه رءوس الجسور من القنطرة شمالا وحتي السويس جنوبا أو العبور للضفة الشرقية من جانب آخر.

ففي الساعة الواحدة ظهر يوم 13 أكتوبر أبلغت قيادة الرادار بقوات الدفاع الجوي المصري عن رصدها طائرة استطلاع استراتيجي أمريكية من طراز SR71 اخترقت المجال الجوي المصري بدء من بورسعيد في الشمال وطافت سماء الجبهة من شمالها الي جنوبها علي جانبي قناة السويس ثم الوادي عند قنا ثم اتجهت شمالا نحو الدلتا ، والمثير في هذه الحادثة أن الطائرة المذكورة لديها قدرة فائقة علي التقاط صور بالغة الدقة بوسائل متطورة من مسافات بعيدة وهي تطير بسرعة 25كم/ساعة وثلاثة أضعاف سرعة الصوت ،ولم يكن بوسع الدفاعات الجوية المصرية في حينها التعامل معها، الأمر الذي ساعدها علي القيام بمهمتها بنجاح تام والعودة الي البحر المتوسط مرة أخري بسلام، أي أن أمريكا ومن خلال التأكيد على حدوث هذه الواقعة تكون قد شاركت فعلياً في المعركة، ولا إستطلاعاً، فما بالك بأنها أعقبت ذلك بتنفيذ طلب نيكسون الشهير: أرسلوا كل شيء يستطيع الطيران إلى إسرائيل!

ومن ثم شرعت الولايات المتحدة في نقل الأسلحة والمعدات المتطورة الي ميدان القتال مباشرة حيث كانت تهبط الأسلحة الأمريكية الحديثة التي لم تستخدم من قبل في مطار العريش بشمال سيناء،  إستخدمت واشنطن في عمليات النقل هذه 238 طائرة نقل نفذت 569 طلعة جوية نقلت خلالها 22.5 ألف طن معدات عسكرية وأسلحة،كما شاركت ثماني طائرات نقل مدنية تابعة لشركة العال الجوية الاسرائيلية نقلت 5500 طن معدات عسكرية، بخلاف ما تم شحنه بحرا وبرا ،حتي بلغ اجمالي ما تم شحنه من أسلحة ومعدات عسكرية أمريكية الي ميدان القتال لمصلحة الاسرائيليين 23 ألف طن من المدافع والدبابات والعربات المدرعة، أي 74% من الاحتياجات المنقولة، الأمر الذي أفضي الي تغيير مسار الحرب بشكل كبير لمصلحة الجانب الاسرائيلي، وبلغت قيمة المساعدات الأمريكية ما يفوق الملياري دولار أمريكي.

وهنا لابد لك أن تتوقف أمام رأي أحد قادة الحرب بخصوص أهمية الجسر الجوي الامريكي، وهو الفريق سعد الدين الشاذلي(2) رئيس أركان القوات المسلحة المصرية وقتذاك، فالرجل يهون إلى حد ما من أمر الجسر الأمريكي الجوي الذي حمل أطناناً من العتاد العسكري الأمريكي الحديث إلى مطارات سيناء وفلسطين، فهو يقول في حديثٍ لقناة الجزيرة القطرية أن ما حصل عليه العدو يبلغ 60 ألف طن من المعدات العسكرية بينما حصلت مصر وسوريا من جسرٍ جويٍ عسكريٍ مماثل على 78 ألف طن من المعدات العسكرية السوفييتية التي يقر الشاذلي أنها تقل في حداثتها وتطورها عما حصل عليه اليهود، ورغم أن الأسلحة السوفيتيية الاكثر تطوراً ذهبت إلى سوريا لا إلى مصر، كما يشير لذلك حوارٌ أجرته صحفية عبرية مع اللواء عفت السادات(3)، فمصر كما نستنتج من كلام السادات حاربت كما تغزل الشاطرة، برجل "حمار"!

وهكذا، ومما يبدو لنا من المراجعة والتدقيق، فقد إنتهت الامور على غير ما بدأت عليه، بل قد تراوحت دفة النصر ودانت وإيتعدت من كل طرفٍ في حرب الأيام الستة، فقد مر الجيش المصري لأبعد من الإثني عشر كيلومتراً ولكنه حينها قد إنكشف ظهره في وسط صحراء سيناء فتوقف عن التقدم، كما أن القوات الصهيونية قد إقتربت من دمشق كثيراً لمسافة 40 كيلومتراً أو يقل، بل وتعرض مطار دمشق الدولي للقصف في معارك أكتوبر المثيرة، وتوغل شارون بثغرته أكثر من 30 كيلومتراُ غرب القناة ولكنه لم يحتل السويس ولم يعزل القوات المصرية المتوغلة عبوراً إلى سيناء تماماً عن عمقها في الوادي المصري.

ولكنهم أجادوا الدعاية لما حدث في الثغرة، وبالطيع أجادوا إستغلال الدعم غير المشروط من الامريكان لهم وأحسنوا إستخدام "حشائش النيكل" تماماً، ونختلف او نتفق مع أي قائدٍ من قادة مصر في هذه الحرب المجيدة، ولكنها تبقى هي والمفاوضات التي تلتها هي السبب الذي جعلنا نسترد أرضاً بدون أي مستعمرةٍ صهيونية ..

ولكن علينا تغيير واقعها، فلا يمكن أن تبقى اطول من هذا أرضاً بلا سكان ..

فلنعمر سيناء.

تامر المغازى

المراجع:

(1)   http://amcmuseum.org/history/airlifts/operation_nickel_grass.php

(2)    https://www.youtube.com/watch?v=YyEW6MWbWXU

(3)   http://vimeo.com/90232011 

061015 article1 photo