#غادة_بدر تكتب: أسماعيل السويدى ... قصة انتهت سطورها

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

أستيقظ من نومي صباحآ أتصفح مواقع التواصل الإجتماعي، يستوقفني خبراً مغلفاً بغلاف الحزن ... فأجدني عاجزة عن ضبط مشاعري، تخونني عيناي فأجد دمعوعي تسبقني ... وتبدأ موجة الكآبة تجتاحني ... على الرغم من أنني لم أتشرف بمقابلتها يومآ ما، كما أنني أيضآ لم أسمع عنها من قبل هذا اليوم، مع كونها اصبحت شخصية معروفة بعد مواقفها المشهود بها في ثورة 25 يناير ... ولي في ذلك عذر فأنا مقيمة خارج هذا الوطن منذ أمد بعيد فلا أعلم الكثير عن الأبطال الذين يقفون مختبئين خلف الستار. ولكن كان الخبر كافيآ جداً أن ينفطر قلبي لأجلها ... أن أعلم أنها أم رأت أبنها يكبر يومآ بعد يوم أمام عينيها، وحلمت بالكثير خلال حياتهما معآ. ثم صحت يومآ من غفوتها فوجدته مجرد جثة هامدة.

هبة السويدي ... أسم أصبح يتردد الآن يوميآ على مواقع التواصل الأجتماعي - أسبوعآ بأكمله مضى علي وأنا أفتح جهاز الكمبيوتر يوميآ فيطالعني سؤالآ مكرر عن هبة السويدي ... كيف توفى ابنها؟ وتنطلق الإشاعات حول اسباب الوفاة ... كل يدلى بدلوه. تلك هي نوعية الأسئلة المطروحة على صفحات التواصل الأجتماعي ... لا يوجد سؤال منهم يشعرك بأن هناك شخص يشعر بالقلق على حال الأم الملكومة أو الأب المفجوع، بعد أن أنتهى إسماعيل السطر الأخير في سيرة حياته القصيرة بنهاية مأساوية.

لا أستثناء بين مثقف وجاهل، فالكل يريد أن يعلم ما وراء الأبواب المغلقة ... الكل يريد أقتحام حياة "الأثرياء". يريد تسلق أسوارهم العالية والتلصص على حياتهم الشخصية، ولا مانع ايضآ من بعض التشفي ... فما أن تقع عيناه على لينك له صلة بالموضوع فلسرعان ما تجد يداه تضغطان أوتوماتيكياً، وكأنه منوم مغناطيسيآ، على اللينك لقراءة محتوى القصة ... لعله يجد أجابة لتساؤلات تدور بعقله، وهكذا نحن كبارآ وصغارآ متعلمين وغير متعلمين، مثقفين وجهلة، ندس أنوفنا في حياة الأخرين وننسى الأهم.

نسى المصريون مواقف هذه السيدة العظيمة الكثيرة في مساعدة جرحى تورة 25 يناير ... نسوا أنها أيضآ ظلت إيام كثيرة تنتقل هنا وهناك بين أسرة المستشفيات لتفقد حالة الجرحى، مع محاولة نابعة من القلب للمساعدة على تخفيف ألامهم.

نسوا أنها وهبت نفسها لأعمال الخير ... فهي تشغل منصب رئيس مجلس إمناء مؤسسة أهل مصر الخيرية.

جعلهم كل هذا ينسون أيضآ ان يترحموا على اسماعيل ... يريدون فقط أن يقحموا إنفسهم في خصوصيتها ليقتفوا اثر اشاعة انطلقت حول وفاة اسماعيل.

لا أعلم بالتحديد كم سيدة حسدت هبة السويدي عندما رأت صورآ لها وهي بملابسها الأنيقة تتنقل بين جرحى ثورة 25 يناير، تحاول أن تقدم لهم يد المساعدة بتبرعات العلاج المجاني من خلال مؤسستها الخيرية ... ولكن كل ما أعلمه أنهم بالتأكيد كثيرات – فقد رأت سيدات مصر ملابسها الفاخرة وجمالها الهادئ وحضورها الأنيق وثراء عائلتها ذات الأسم البراق، فحسدوها على السعادة وراحة البال ... ولكنهم لم يروا في ذات الوقت ما خلف السور العالي.

أتذكر مقولة لأمي الحبيبه في هذا الشأن ... عندما ترى كل منا منعزلا عن عالمه الخارجي ومحبوسآ داخل قفصه الهاتفي ... تقول أمي ان الفيسبوك قرب بينكم وبين من لا تعرفونهم، فأصبحتوا تعرفون عن حياتهم الكثير ... وباعد بينكم وبين من تعرفوهم فأصبحتم غرباءً تعيشون تحت سقف واحد .. وتختم مقولتها بـ "جتكم القرف كلكم"

سنتوقف معآ عند جملة واحدة من كلامها وهي أكيد مش جتكم القرف ... لأنكم كلكم وبدون أستحياء عارفينها كويس ... ولكن سنتوقف عند جمل "تعرفون عن حياتهم الكثير" ... فهل حقآ نعرف عنهم الكثير؟

نعم هكذا نعتقد ... فعندما يذهبون فى رحلات سياحية لقضاء بعض الوقت في أي دولة اوربية او اسيوية او فى شرم الشيخ او حتى جمصة .. تطالعنا صورهم علي الفيس بوك ... صور جميلة تجمعهم بالأهل، صور تملأها أبتسامات تشرح الصدور ... فتبداء نفوسنا من داخلنا، دون أن ندري، تتمنى أن نكون مكانهم وأن نضحك ضحكاتهم وننعم بمثل هناء بالهم. وبالأخص أذا لم تتاح لنا فرص الألتقاء بالأهل والأحباب والسفر معهم.

ولا نعرف ماذا يكمن خلف تلك الابتسامات من جروح والام ... لا نعرف مدى المعاناة التي بذلت والمجهود الذي أهدر لكي يتسنى لهم إقتطاف هذه اللحظات السعيدة، كما اننا لا نعلم أيضآ هل هي حقا لحظات سعيدة ام انها لحظات اقتطفت فقط للحبكة التصويرية، وفي النهايه تتبقى لنا حقيقة واحدة مؤكدة ... وهى اننا لا نعلم كواليس هذه الصور على الإطلاق.

نعرف أيضآ عندما ينجح أحد أبناء تلك الأسر، فيسارع الأب والأم تفاخرا وتباهيا بنجاحة وتفوقه بنشر صور لهم مع أبنهم وهم يحتفون به ... ولا نعلم ما وراء هذه الصورة، فمن المحتمل أن يكون هذا الأبن هو وحيدهم وثمرة أنتظار سنوات طويلة، أو أن هذا الأبن قد ولد عليلآ بثقب في القلب. فبالتأكيد هذه القصص لا تكتب على صفحات التواصل الأجتماعي ... ومن الجائز أيضآ ان لهذه الأسرة أبنآ أخر عليل من ذو الأحتياجات الخاصة، فتمر عليهم أيام لا تري عيناهم النوم أو الراحة، فتسرق منهم احلامهم الوردية ويتبقى لهم منها فقط الارق والخوف من مستقبل مجهول.

نعرف أيضآ عندما يترقي أحدهم في عمله ويتولى منصبا جديداً ... فنرى صوراً له او لها مع زملاء فى العمل يحتفون به، او بوست يحوي كلمات التهنئة، وتنهال عليهم التعليقات المباركه من الأهل والأقارب والأصدقاء ... أيضاً لا نرى ما خلف الصورة من تعب ومجهود شاق مبذول للوصول ألي هذا المنصب، وكم من ليالي سهر الأب فيها خارج منزله تاركآ أسرته، حيث تتولى تربية الأبناء زوجة تكاد تقترب من مرحلة الجنون من كثرة المشاكل اليومية التي تنمو يوما بعد يوم مع نمو الاولاد، فتجد نفسها في النهايه تقف مكتوفة الايدي عاجزه عن أحتوائها.

وفي بعض الاحيان الأخرى تضطره الظروف للسفر خارج البلاد للبحث عن لقمة عيش أفضل ... أو لربما إيضآ تضطر الزوجة للعمل بحثآ عن معيشة أفضل لأسرتها، وليس منظره كما يعتقد الكثيرون، فتترك منزلها وأولادها للخادمة تتحكم في كل شئ داخله ... تبث فيهم قيم وأخلاق غريبة عنهم ... وفي النهاية ننسى أن نسأل أنفسنا هل يستوي الابن الذي كبر ونما في ظل توجيهات أبيه مع الأبن الذي قامت الأم بالدورين معه في ذات الوقت .. أو هل تستوي الأبنه التي تنشئها وتعلمها الخادمه على عادات وتقاليد مختلفة عن بيئتنا، مع الأبنه التي تحتضنها أمها منذ يوم مولدها؟
كل هذه الاشياء قطعاً لا نراها في الصور التي نمقت أصحابها ونحسدهم عليها.

بالتأكيد أيضآ لا نعلم كل هذا عنهم ... فلا يوجد شخص عاقل فى هذه الحياة ... سينشر ما سأذكره

فلن نعلم عن رسوب احدى الأبناء ... أو حصوله على درجات متدنية، فليس معقولآ ان أستيقظ صباحآ مغردة على تويتر قائلة: أبني حمادة سقط يا رجالة ... غطوني وصوتوا على خيبتي.

وأيضاً بالتأكيد لن نعلم أنه قد تم أيقاف أحدانا عن العمل او صدر بحقه مذكرة أنذار لاى سبب ... وليس معقولاً أن أستيقظ صباحآ فأسارع بكتابة بوست قائلة: انا النهاردة المدير ناداني وهزأني ومسح بكرامتي الأرض وقالي انت ما تسويش نكلة، وفي الاخر خصملي يومين. وايضاً لن أعلن انه قد تم الاستغناء عن خدمات أحدنا في العمل ... فمن المحال أن إعود إلي منزلي لأشير صورة "تفنيشي" من العمل ... أكيد هاكتب انا رحت رميتلهم أستقالتي في وشهم دول عالم زبالة مايستهلوش امكانياتي الفزة.

لا أحد في هذا العالم يريد أن يراه الناس ضعيفآ أو مكسورآ، فكلنا نحرص دائماً على ان يرانا من حولنا في أسعد حال وأبهي صورة ... ففشل أبنائنا يعد فشلآ حقيقآ لنا ... فنحن نحرص دائمآ علي ان نكون في أبهى حله ... لذا ننتقي الصور التي نشيرها علي صفحات التواصل الأجتماعي بعناية ... فنظهر أمام أصدقاء الميديا الاجتماعية وكأننا في أسعد حال. .. او في المدينة الفاضلة.

صديقي "الفيساوي" ... ليس كل ما تراه عيناك حقيقة، فالزوجة الانيقة ذات الابتسامة الرقيقه هي نفسها زوجتك المنكوشة الشعر ذات الصوت العالي والصراخ المتناهي، فكلنا هذه المرأة وكلكم هذا الرجل ذو الخلق الضيق ... فلا يوجد بيت او منزل خالي من المشاكل والهموم، فالقلب مملوء بالشجون والجروح ولكننا نبقيها دائماً مدفونة داخلنا، ولا نجرؤ علي فتحها وخروجها من صندوقنا الأسود حتي لأقرب المقربين.
فليس كل ما تراه يلمع ذهبآ.

وأخيرآ ..

أرحموا عزيز قوم ذل ... واحترموا خصوصيات البشر واطلبوا الرحمة لاسماعيل السويدى .. عسى الله ان يغفر لنا وله.

غادة بدر