#فادى_رمزى يكتب: لما سافرت لولى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 
"ما بزهقش من شيلها"

"خلاص كبرت وبتذاكر لوحدها"

"هكلمك كل يوم اقولك عملت ايه فى الجامعة"

 

تلك كانت الجمل التى جالت بخاطرى وانا احتضن ليلى على باب مطار القاهرة، قبل ان تلحق بطائرتها المتجهة الى روتردام بدولة هولندا الشقيقة ... حيث ستلتحق هناك بالجامعة.

كنت احاول الاستزادة قدر ما استطيع من هذا الحضن الذى سأفتقده كثيرا فى الايام القادمة ... وايضا اعبر به عن مدى فخرى واعتزازى بها، خاصة عندما نالت موافقة جامعات عديدة فى انجلترا وهولندا على الالتحاق بها، بعدما لمسوا شغفها بمجال التخصص المختار وقراءاتها العديدة فيه وايضا ارتفاع مستوى درجاتها فى المراحل النهائية من دراستها.

حضنتها وانا استمتع بكل ما بداخلها من طموحات وآمال وتصميم على تحقيقها ... وانا ابتسم من فرط حماسها وتطلعها للتجربة الانسانية والاكاديمية الكبيرة التى توشك على دخولها.

همست فى اذنها "انا فخور اوى بيكى يا لولى، ومتاكد انك هتبهريهم وهيحبوكى" ... و عندما قالت "هتوحشنى، ميرسى على كل حاجة عملتهالى" ترقرقت الدموع فى عيونى، فانا لم افعل لها شيئا، بل سمحت لها فقط بالانطلاق واكتشاف مواهبها وامكانياتها قدر استطاعتى.

لقد اتحنا لها، هى واخاها، فرصة للتعلم على اعلى مستوى نستطيع تحمله طبقا لظروفنا المادية، بعيدا قدر المستطاع عن المنظومة التعليمية المصرية الفاسدة والفاشلة .. وحين جاء وقت الجامعة لم نقبل ان نقل فى المستوى ... وفوجئنا بان تكلفة التعلم فى الخارج والاستفادة من المزايا التى تتيحها الدول المتقدمة للطلبة، اقل بكثييييير جداً من تكلفة التعلم فى الجامعة الامريكية على سبيل المثال ... تلك الجامعة التى تعيش على الصيت اكثر من اعتمادها على المحتوى.

(ملحوظة: الجامعة الامريكية ترتيبها تقريبا ال 33 على الشرق الأوسط وال 360 على العالم ... مصاريفها ثلاثة اضعاف مصاريف جامعة Erasmus الهولندية والتى تعتبر رقم 20 فى اوروبا وال 72 على العالم، وكلية العلوم الاجتماعية بها هى ال 40 على مستوى العالم فى مجال دراسات العلوم الإجتماعية بصفة عامة وعلم النفس بصفة خاصة، وهو المجال الذى عشقته وقررت التخصص فيه ابنتى الحبيبة ليلى)

مازلت محتضنا ليلى على باب المطار ... وهى تشعر باحتياجنا لتلك الدقائق الاخيرة، الحانية فيما تخلقه من ذكرى بداخلنا والقاسية جدا فى سرعة مرورها ... اخذت لولى تربت على كتفى برقة، قبلت خدى وقالت "هحكيلك كل حاجة ... واتس اب وفايبر وسكايب مش هنسى".

ضحكت وانا اقدم خالص شكرى لوسائل الاتصالات الحديثة، التى ستعوضنى بعض الشىء عن غيابها ... ومر بخاطرى لثوان كم "الدلع" الذى يقدمه فندق الطلبة فى روتردام والجامعة نفسها للطلبة الوافدين ... بدءا من اتاحة الواى فاى مجانا فى الفندق والجامعة وحتى تنظيم حفلات ولقاءات التعارف والتعريف بنظم الجامعة مع تنظيم جولات بداخلها وبانحاء المدينة نفسها قبل الدراسة بمدة كافية ... يقودهم في تلك الجولات طلبة اخرون فى سنوات متقدمة، لتعريفهم سبل المعيشة فى المدينة واماكن شراء الاحتياجات اليومية ... وكلها امور تقلل بكل تأكيد من شعورهم بالتخبط والوحدة.

كل هذا يتم مع دعم غير طبيعى من ادارة شئون الطلبة بالجامعة، وهو دعم ساهم فى خلق تواصل انسانى مبهر بدأ عبر البريد الالكترونى عند التقدم للجامعة، وكان ذلك بين ابنتى لولى و"تيسا"مسئولة التواصل مع الطلبة من خارج اوروبا .. تواصل نتج عنه ان "تيسا" سالت ليلى عن انواع الموسيقى التى تحبها وفرحت حين اكتشفت ان ذوقاً موسيقياً مشتركاً يجمعهما، الى آخرها من اللمسات الانسانية الحانية والمتفهمة، والتى ترفع من الروح المعنوية للطالب وتجعله متشوقا للدراسة ومنتميا للجامعة، حتى قبل ان يبدا الدراسة فيها.

قبلت لولى على خدها وجبينها وانا انظر اليها متخيلا وجودها فى قارة اخرى ... "خدى بالك من نفسك" ... "هم اللى ياخدوا بالهم منى" ... لم تفشل مرة فى اضحاكى وابهارى بخفة دمها وسرعة بديهتها ... نظرت فى عينيها وانا ارى بريق الأمل والرغبة فى المعرفة، وفى الانخراط فى عالم متحرر من اى قيود معطلة تنم عن افكار متحجرة وبيئة متسلطة قاهرة.

لولى اهتمت بعلم النفس لانها رات فى مجتمعنا احتياجا شديدا له، وتنتوى ان تتخصص فى علم النفس الجنائى، الذى يدرس كيف يتحول الانسان الى مجرم والبعد النفسى المصاحب لتلك العملية وكيف يمكن تلافيها ... تذكرت فى تلك اللحظة حواراتنا حول تخصصها، وكيف تريد العودة به لافادة بلدها ... التى تشوه شعبها نفسيا وانتشرت فيها (المحفزات الاجرامية) بكثرة لاسباب مختلفة.

"عيشى اللحظة واستفيدى وانتى هناك من كل ثانية" ... تلك كانت اكثر نصائحى لها تكرارا، فبداخلى كنت اتمنى لو كنت فى عمرها لاخوض مثل تلك التجربة ... ولكنها ستقوم بها بدلا منى، وكأننى انا الذى قمت بها، فهى من قلبى وعقلى وروحى ... هى لولى حبيبتى وحتة منى.

كبرت وهتدخل الجامعة ... فى بلد تانية .. مش متخيل اننا وصلنا لتلك اللحظة.

صورها فى كل مراحل عمرها مش بتفارق ذاكرتى ولا محفظتى .. اللى فضيت كتير علشانها .. بس هى واخوها يستاهلوا كل الدنيا.

ودعتها وانا اراها ممسكة باوراقها ... كـ "طفلة" ناضجة تعيش لحظات مراهقتها وخروجها من دائرة المدرسة والاسرة لاول مرة ..

رأيتها حرة ... مستقلة ... نشيطة ... متألقة ... واثقة ... واعية ... متحمسة ..

رايت فيها الامل ..

رايت فيها المعنى ..

رأيت فيها نجاحى ..

رأيت فيها فرحتى ..

رأيت فى لولى ما اريده لبلدى ..

ربنا يوفقك ويحافظ عليكى يا روح قلبى.


فادى رمزى