#فادى_ رمزى يكتب: ماذا تفعل لو كنت .. (سامح) ؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 

انتظر سامح حتى صارت الاشارة حمراء وشرع فى عبور الطريق ... لكنه فوجىء بسيارة فارهة لا تبالى بالوان الإشارة تصطدم به صدمة شديدة ملقية اياه على الطريق، ثم تستمر فى طريقها غير عابئة بما حدث.

شعر سامح بالآم مبرحة فى ساقه اليمنى ... نظر اليها فهاله المنظر، فقد كسرت ساقه فى اكثر من موضع حتى صارت متعرجة وملتوية بشكل افزعه كما افزع كل "ولاد الحلال" الذين التفوا من حوله.

نقله بعض الناس بسرعة، مطالبينه بتحمل آلام ومشقة النقل العشوائى هذا، الى اقرب مستشفى ... ودخلوا به الى استقبال الطوارىء ووضعوه على احد الأسرة، ثم اعطاه احدهم رقم السيارة التى صدمته مطالبا اياه بالا يترك حقه، ويعمل محضر حتى ينال المذنب جزاءه وربما يعرض ان يتحمل تكاليف علاجه.

انتظر سامح طويلا ... طويلا ... ثم صرخ من فرط الألم حتى جاءته ممرضة ... سالها: "الدكتور فين ابوس ايدك .. رجلى هتموتنى"، قالت له: "الدكتور بيمر على باقى العيانين هو انت فاكر نفسك لوحدك هنا، بعدين حالتك واضحة .. رجلك مكسورة .. عارفين عارفين".

سكت ولم يتكلم ... انتظر كثيرا ثم صرخ مطالبا بحضور الطبيب .. وبالفعل جاءه وما ان راى قدمه قال: "انت رجلك مكسورة ... لازم الاول نعمل جبيرة بعدين نشوف هتعمل عملية ولا لأ ... اطمنت كده؟ ... عايز منى حاجة تانى؟" ... لثوان اختفى الاحساس بالالم امام غرابة سؤال الطبيب، ورد سامح: "ايوة عايز ... عايز اتعالج .. عايز الجبيرة دى .. واى مسكن ابوس ايدك"

رد الطبيب: "طب معاك جبيرة او مسكن؟" ... رد سامح: "لا طبعاً" ... قال الطبيب: "طب فيه اجزخانة قريبة هات منها" ... صرخ سامح: "رجلى مكسووورة" ... هز الطبيب والممرضة راسيهما اسفا وقالوا: "ماهو كسلك وحججك الفارغة دى هى اللى مش هتخليك تخف ابدا ... وكمان بتزعق واسلوبك همجى غير متحضر ... استنى هنا لما يجيلك بقى مدير المستشفى يقرر نعمل ايه معاك" ...

سالهم سامح: "طب هييجى امتى؟ .. بمووووت" ... ردو عليه: "الراجل بيلف طول النهار طالع ونازل وبيشرف على كل حاجة بنفسه ... استنى شوية ... الراجل مقطع نفسه علشان العيانين والله"

خرجوا وتركوه ... وبعد اكثر من ساعة لم يتحملوا صراخه المتواصل، فطلبوا مدير المستشفى فحضر لرؤيته ... وما ان دخل الغرفة حتى قال: "ايه ده؟ ... انت عيان ؟؟ ... رجلك مكسورة اوى .. انت علشان كده متألم" ... رد سامح: "لا يا رااااجل .. وانا اقول انا هنا ليه .. طبعا متألم من كسر رجلى .. ممكن لو سمحت تعالجونى".

نظر مدير المستشفى الى سقف الغرفة فجأة ثم قال: "اييييه الفوضى دى؟ ... انا متفاجىء من كم الاهمال اللى انتوا فيه ده .... ازاى لمبة السقف محروووقة ؟ ... انتم عايزين العيان يتعمى كمان مش كفاية رجله مكسورة ... كمان ايه الشرخ اللى فى البياض ده؟"

نظر سامح الى السقف مهلوعاً ... ظانا انه سيقع فوقه ويزيد من مأساته ... لكنه تبين الشرخ بصعوبة بالغه، وراى لمبة واحدة محروقة من 5 لمبات ... يعنى مش مشكلة ... امسك بيد مدير المستشفى حتى يعيده الى ارض الواقع مرة اخرى وهو يقول: "يا فندم رجلى هتموتنى .. عالجوهالى وانا اغيرلكم اللمبة وابيض السقف بنفسى اول ما اقف على رجلى"

رد المدير: "انا كل حاجة لازم اعملها بنفسى حاجة مش معقولة ... هاتولى بسرعة نقاش وكهربائى" ... نظر اليه سامح متعجبا وهو يقول: "وايه كمااااان" ... رد المدير: "اه صحيح .. هاتوا جبيرة وطلعوا المريض يعمل اشعة".

تنحنح طبيب حديث العهد بالمستشفى قائلا: "النقاش والكهربائى مشغولين فى توسيع الروف يا فندم حسب تعليمات مجلس الإدارة ... ومفيش جبس او جبيرة فى المستشفى حضرتك ... وجهاز الاشعة عطلان"

نظر المدير اليه بغضب: "امال انتم بتعملوا ايه يا دكتور ... انت مرفود ... والممرضات هننقلهم للروف يساعدوا فى التشطيبات مادام مش بيشوفوا شغلهم ... انا قبل ما امشى من هنا هتكون بره المستشفى" ... بعدها نظر الى سامح بعطف: "شفت بقى بعمل ايه علشانك .. اهو رفدتهملك ونقلتهملك كلهم ... عايز منى حاجة تانى؟"

رد سامح والدمعة تكاد تفر من عينه: "عاااايز اتعاااالج يا بيه .... انا بمووووت .. مش حاسسس برجلى خلااااص ... عالجونى ابوس ايديكم ... انا مالى انا بالسقف واللمبة والروف ... انا مستقبلى بيضييع"

ردت احدى الممرضات قائلة: "ياخى فال الله ولا فاااالك .. ايه النكد اللى انت فيه ده؟ ... ايديك الإتنين ورجليك الشمال الحمدلله سُلام ... وقلبك سليم ... ومافيش نزيف .. ونظرك وسمعك بخير ... كمان نايم على سرير فى اوضه مش فى الشارع ...  هو البنى آدم ده على طول ناكر الجميل كده؟ ... روح بص على مستشفيات تانية هتلاقيهم نايمين على الارض وبينزفوا وحالتهم بالبلا ولا حد سائل فيهم"

تحشرجت الكلمات فى حنجرة سامح ودارت الدنيا به ولم يدر اهو فى حلم ام علم ... آلام ساقه فاقت احتماله، وبدأ عقله فى الاستعداد لوضعه فى غيبوبة حتى لا تحدث له صدمة عصبية مميتة من فرط الألم .... ولكن فجأة سمع جلبة بالخارج ... انتفض بسببها كل من كانوا فى الغرفة.

اوقف عقل سامح اشارات الغيبوبة المنتظره، وامر العينين بالنظر الى باب الغرفة، آملا فى حدوث شىء ما يخرجه من تلك الدوامة المؤلمة. وبالفعل دخل رجل ملامحه مفعمة بالطيبة، يبتسم ابتسامة حانية وله هيبة واضحة جعلت كل من فى الغرفة ينحنون له احتراما ... وبادره مدير المستشفى بالقول: "رئيس مجلس الادارة بنفسه جه يشوفك .. ابسط بقى يا عم"

نظر اليه رئيس المجلس مبتسما وتحسس جبهته حانياً، فرت الدمعة من عين سامح .. اخيرا وجد من يحنو عليه ... قال له الرئيس بصوت هادىء: "انا حاسس بيك .. عايز اساعدك واخفف آلامك .. علشان كده انا جيتلك ... وبقولك .. انا معاك .. مهموم بيك .. مش بنام الليل من قلقى عليك ... اصبر معايا علشان خاطرى ... علشان خاطر ربنا ... علشان خاطر .... اى حاجة بس اصبر"

قال له سامح بصوت محشرج: "انا صابر بقالى كتير اوى يا فندم .. كلامك على عينى وراسى .. بس لو حتى مسكن وحتة خشبة تسند رجلى انا راضى. ده حتى انا مش هعطل شغل الروف ولا تغيير لمبة السقف .. ده انا..".

قاطعه رئيس مجلس الادارة قائلا: "لمبة السقف !!! ... مالها" ... ثم نظر للاعلى، وانتفض مدير المستشفى قلقا ونظر الى سامح غضبا ولسان حاله يقول : "كان لازم يعنى تنسحب من لسانك وتفضحنا".

نظر الرئيس للمدير قائلا: "اللمبة والشرخ اللى فى السقف يتعملوا حالا" ... رد المدير وهو ينظر فى الارض عاقدا يديه امام وسطه من فرط الولاء والطاعة: "حاضر يا فندم .. من بكرة نشتغل فيهم وعلى آخر الأسبوع يكونوا اتعملوا" ... قاطعه الرئيس: "انا ماينفعنيش الكلام ده ... السقف ده ينزل ويتركب مكانه سقف تانى بلمبات جديدة موفرة ... يومين وكل ده يخلص ... انا هنزل مقاول الروف يخلص .. مفهوم"

"مفهوم يافندم" ... قالها جميع من فى الغرفة فى نفس واحد .. فيما عدا سامح ... نظر اليه الرئيس قائلا: "مالك يا سامح؟ فيه حاجة مضايقاك؟" ... رد سامح: "لا ابدا يا فندم .. انا بس ليا طلب .. لو تقطعولى رجلى علشان امشى من هنا وماعطلش الشغل يبقى كتر خيركم"

رد الرئيس: "سامح .. كلنا لازم نشتغل يا سامح .. ماينفعش نقعد نطلب وبس ... اقطعها بنفسك يا نور عينى ... ماهو لازم نقطع رجل علشان باقى الجسم يعيش ... عايز منى حاجة تانية يا سامح ... سامح ... يا ساااامح؟"

دخل سامح فى غيبوبة عميقة طويلة ... وسقطت على آثرها من يده الورقة التى بها رقم السيارة التى تسببت فى وصوله الى هذه الحالة ... التقطها رئيس مجلس الإدارة ونظر اليها متعجبا .. ثم التفت الى مدير المستشفى قائلا:

"ايه اللى جاب الورقة اللى عليها نمرة عربيتى دى هنا؟"

فادى رمزى