#فادى_رمزى يكتب: ذكريات ولا فى الأحلام

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات


مررت امام قرية (الأحلام) التابعة للنقابة العمالية، وذلك فى طريقى لتمضية عطلة خاطفة فى الساحل الشمالى لمصرنا، وفوجئت بالذكريات تنهمر وتتداعى ... ذكريات من تلك التى ترسم ابتسامة على شفتيك وتسقط دمعة حارة من عينيك فى نفس التو واللحظة.

تذكرت عندما كنت طفلاً صغيراً، آتى مع امى وابى لقرية الأحلام من اجل غرض واحد فقط، وهو شراء عيش طازج من الفرن البلدى الكائن فى تلك القرية، فقد كانت مشكلة المشاكل فى بداية بزوغ نجم الساحل الشمالى هو عدم توافر العيش، فلا توجد افران قريبة، ربما فرن صغير فى العلمين وفى مرسى مطروح ... وبالتالى كان البديل الوحيد هو جلب اكبر كم من العيش من القاهرة، ووضعه فى الفريزر والتحكم فى استهلاكه بالمسطرة.

عندما تم افتتاح الفرن لم تصدق امى نفسها ... فتوجهنا كلنا لنرى تلك المعجزة التى تمنيناها كثيرا فى صلواتنا، وبالفعل وجدنا ان الأخبار المتواترة عن الفرن كانت صحيحة، والعيش صابح ويؤكل حافاً من فرط الطزاجة.

والدتى الله يرحمها امسكت بالعيش وطلبت العدد المطلوب، وما ان اعطاها عامل الفرن طلبها وسالها: "10 ارغفة .. كده تمام يا مدام؟" ... ردت عليه بابتسامة صادرة راسا من قلبها: "تمام .. ولا فى (الأحلام)" ... ضحك العامل كثيرا وضحك كل من فى الطابور من الايفيه الصادر من وحى اللحظة بمنتهى التلقائية، وضحكوا اكثر عندما لاحظت امى ان ما قالته بصوت هامس قد صار علانية، فضحكت كثيرا كأنها تسمعه لاول مرة.

واستمر الحال على هذا المنوال اسبوعاً وراء أسبوع ... تطلب امى ما تريد، يقول لها العامل: "تمام كده يا مدام؟" ... ترد بالإيفيه الشهير: "تمام ولا فى الأحلام" ... بصوت انثوى طفولى دافىء كانت تتميز به أمى، الله يرحمها بقدر طيبتها ومحبتى لها.

تعالت الضحكات كل مرة، حتى صار هذا المشهد بمثابة "الحظاظة" للفرن كله ... واصبح صاحب الفرن او مديره، واسمه الحج اسماعيل على ما اتذكر، يحرص على سماعه كل مرة، ويقول لها: "مادام قلتيها يا دكتورة يبقى نهارنا فل ان شاء الله".

صار هذا الحال مستمرا على مدى سنوات قليلة .. صارت فيه والدتى على علاقة حميمة بكل العاملين فى الفرن وعلى راسهم الحج اسماعيل. حتى جاء يوم حدث فيه موقف خطير ..

كان الفرن مزدحما بعد ان انتشر امره وتميز بطزاجة خبزه ... ومع الازدحام ظهرت المحسوبية، الله يلعنها، فأصبحنا نرى "باشا" ينزل من سيارة فارهة، ويتخطى الطابور، او الشبه طابور للدقة، ويطلب ما يريد بلهجة آمرة: "20 رغيف بسرعة يابنى" ... وتانى الإجابة: "حاضر يا باشا".

مشهد لعين تلفظه ذاكراتنا كلنا، حفاظا على الثبات الانفعالى اللازم لتحمل المعيشة فى بلدنا ... التى كـُتبت لنا وكـُتبنا عليها.
فى اليوم المذكور وصلت مع امى للفرن، وتركنا والدى لشراء بعض الاشياء من سوق مجاور. حرصت أمى على معرفة دورها فى طابور الفرن، وما ان رآها احد العاملين حتى قال لها: "10 زى كل مرة يا دكتورة؟" ... فردت امى مبتسمة: "اه بس خلص اللى قبلى الأول يا عطية" .. نظر اليها الواقفون بامتنان، وتجاهلت نظراتهم لان ما فعلته هو الطبيعى وغير هذا بالنسبة لها يعتبر نوعاً من انواع الجنان.

ثم أتى "باشا" من هذا الزمان ... وتخطى الجميع وطلب ما يريد وبسرعة اخذ العامل يجهز طلبه بلهفة ... وفى لحظة استلامه للطلب جاء الدور على امى مع عامل آخر، قال لها: "كده تمام يا مدام؟" .. فردت باقتضاب: "شكراً" ..

توقف الزمن بالفرن كله فى تلك اللحظة، اصابت العامل صدمة انسانية فتوقف عن العمل رغما عنه ... لاحظ غضب امى المرسوم على ملامحها وهى على استعداد للرحيل، امسك بالكيس من يدها وقد تفهم الموقف بفطرته المصرية الأصيلة وقال: "حقك عليا يا مدام .. اوعى تزعلى ... انا آسف والله".

فجأة وجدت الحج اسماعيل ياتى صائحا: "زعلت الدكتورة ولا ايه يا حيوان؟" ... رد العامل بنبرة طفولية مازالت محفورة فى ذاكرتى حتى الآن: "الدكتورة ما ردتش ب (ولا فى الاحلام) يا حج"

التفت "الباشا" الذى كان منشغلا بمعاينة ارغفته واعادة ما لا يرضى عنه منها، لاسباب فرض السطوة فى رايى مش اكتر، متعجبأ من "تفاهة" ما يقول العامل وما لم تقله الدكتورة، والذى لا يعرف معناه ... ولن يعرفه بالتأكيد على مدى حياته المتكبرة.

وقف الحج اسماعيل مانعا امى وانا من الرحيل ... سالها بنبرة حانية لا تتناسب ابدا مع جسده الضخم: "فيه ايه بس .. زعلناكى فى ايه؟ ... ده احنا بنصطبح على ضحكنا معاكى والله"

ردت امى محاولة التحكم فى انفعالاتها: "النهاردة فيه ناس اخدت دور ناس ... ليه؟؟ ... مش كلنا زى بعض؟ .. عايزنى اضحك وانا حقى بيروح؟ .. انا ما رضيتش اخد العيش بالواسطة .. ليه تسمحوا بكده؟"

رد مندهشا من منطقها، ومحتاسا اماما غضبها: "مين بس؟؟ ... اكيد غلطة ؟؟ ... مش ممكن نيجى عليكى انتى بالذات يا دكتورة"
قالت له وهى تنظر للـ "باشا" وتقول للحج اسماعيل: "فيه نااااس دخلوا من غير اى اعتبار للى واقفين ... وكاننا مش موجودين .. وبدل ما تفهموهم الذووووق بتدوهم طلبهم"

نظر الحج اسماعيل لل "باشا" مرتبكا ... مش عارف يرضى مين ويزعل مين فى هذا المزنق .. ولكن الباشا تصرف كأغبى ما يكون مرجحا الكفة عند حج اسماعيل ... قال وهو يتقدم منتشيا من عرض اكتافه وتضخم كرشه صارخا "انتى بتتكلمى عن مين يا (ست انتى)"

باااااس ... غلط غلطة عمره ... فى ثانية تصدى له الحج اسماعيل بحركة لم ار رجلا بهذا الحجم يتحرك فى سرعتها، ويقف امامه مقررا الجانب الذى سينحاز له ... وبنفس السرعة قفز عمال الفرن من فوق الطبلية التى يوزعون الارغفة منها، واحاطوا بوالدتى وبال "باشا" ناظرين له نظرات لم ار مثلها شراسة.

قال له الحج وهو يهز رأسه مستنكرا: "لأ .. لأ .. لأ .. لأ ... مين دى اللى بتكلمها كده؟ ... دى اهم زبونة فى الفرن كله ... ودينى والكعبة الشريفة اقفل الفرن كله لو حد زعلها واخبز بس ليها ... فاهم؟؟"

ال "باشا" اتفزع ... لم يتوقع رد الفعل هذا من احد "عبيد احساناته" فى نظره ... وكأن قيامته قد قامت فى ثانية واصبحت المكانة تقاس بمعايير اخرى لا يفهمها ولا يدركها.

"انت بتتكلم كده ازاى؟ ... انت اتجننت" ... صرخ فى محاولة يائسة؟ ... فقابل الحج اسماعيل صرخته باحسن منها: "ده انت اللى مجنون وماعندكش دم ولا أدب ... يلا امشى من هنا وماتجيش تانى .. اعلى ما فى خيلك اركبه .. الأرزاق ع المولى" وخطف منه العيش ثم اكمل صائحاً: "عايز تيجى تانى تقف زى الألف فى الطابور زى كل الناس" .. انصرف الباشا متوعدا ولكن بلهجة "مرتعشة" استطعت انا المفعوص الصغير التقاطها.

ثم قال الحج اسماعيل لعماله: "كفاية بقى ... هنخسر الناس الافاضل علشان شوية ناس منفوخة مش بتحترم نفسها ... كله بالطابور" ..

ونظر الى امى فوجدها تتنفس بعصبية من هول الموقف: "ابوس ايدك يا دكتورة ما تزعلى نفسك ... ده كلب ولا يسوى ... كله هيمشى زى ما انتى عايزه ... علشان خاطرى انا واخواتك دول (عمال الفرن) والله العظيم وحياة ولادى اعدمهم انتى مش متخيلة مكانتك عندنا قد ايه"

نظرت لامى مذهولا ... كل ده من ايفيه بسيط ومعاملة طيبة ... أصبحت أمى تحظى بتلك المكانة؟

نظرت امى للحج اسماعيل وبدات ملامح ابتسامة ترتسم على وجهها ... وقالت له: "خلاص مفيش مشكلة" ... رد الحج ب (دلع ذكورى محبب) اضحك الآن عند تذكر لغة جسده وقتها: "لا ما ينفعش ... كده تمام يعنى يا مدام؟" ... ردت امى مشرقة عليهم بابتسامتها : "تمام ... ولا فى الاحلام" ..

تعالت الضحكات بقوة ... ولو كان هذا مشهداً سينمائياً لنزلت اغنية "الحلو والنبى تبسم للنبى" لعفاف راضى او "يا صحابى يا اهلى يا جيرانى انا عايز اخدكم ف افرانى" لتملأ الشاشة فرحة وبشاشة.

تذكرت كل هذا فى ثوان معدودة وانا امر امام قرية الأحلام المذكورة ... وتذكرت ايضا كيف رايت فى الزيارة التالية للفرن لافتة مكتوبة بخط اليد عليها "برجاء الالتزام بالدور" فى مكان واضح للجميع، وكيف ابتسمت والدتى عند رؤيتها، وبالتالى جاءت: "تمام ولا فى الأحلام" بأعذب نبرات سمعتها.

الله يرحمك يا امى الحبيبة بقدر ما علمتينى ان المبادىء خلقت لتكون راسخة وعزيزة ..

واريتينى كيف ان المصرى اصيل ولكنه يحتاج فقط الى التذكرة ..

وان كل "باشا" السلوك هو فى الحقيقة حتة كلب ولا يسوى وممكن بسهولة يتهش من قدامنا.

وانه بالتأكيد .. "لسه (كل) الأحلام ممكنة"

فادى رمزى