#فادى_رمزى يكتب: ماذا تفعل لو كنت "نهى"؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 

نزلت نهى من المنزل متوجهة لعملها مثل كل يوم، ركبت سيارتها وحاولت ادارة المحرك فلم يستجب لها .. حاولت مرة اخرى بلا جدوى ... البطارية تبدو سليمة والمارش يعمل، فلماذا اذا لا "تلقط" العربية ويدور المحرك حتى تتمكن من الذهاب الى عملها؟

اتصلت بزوجها "الحقنى يا كريم ... العربية مش راضية تدور" ... رد عليها زوجها بصوت هادىء: "طب مالك بس اهدى .. ادينى يومين تلاتة واشوف الموضوع ده".

شهقت صارخة "يومين تلاتة !! ... انا فى الشارع يا كريم وعايزه اروح الشغل .. تعالى شوف نعمل ايه؟" ... رد عليها كريم: "دلوقتى انا عندى مشكلة كبيرة اوى مش فاضى ... الدنيا ما بقتش امان يا نهى ... قدامنا تحديات كبيرة اوى ... هتتحل ان شاء الله انا كلى ايمان بكده ... بس نصبر ... ونركز فى شغلنا"

انحشرت الحروف للحظات فى زور نهى ثم خرجت مستوضحة: "مالك يا كريم ؟ انت فى مسلسل عربى يا حبيبى ؟؟ ... بقولك العربية بايظة ... شوف ميكانيكى يصلحها ... عم ابراهيم ده اللى بتقول عليه شاطر. انا هتصرف واروح الشغل بتاكسى ولا اي حاجة ... بس الولاد مين هيجيبهم من المدرسة كده؟"

رد كريم بنفس التون الرتيب الهادىء:

"عم ابراهيم هيسهر ليل نهار على العربية ما تقلقيش ... والولاد هيبقوا باحسن حال ... هم الامل واللى هنتعكز عليهم لما نكبر ... لا يمكن انساهم ابدا"

تنهدت نهى من جو مدينة الانتاج الاعلامى هذا ثم قالت: "هتجيبهم يعنى من المدرسة" ... رد كريم: "اتعبى شوية ... هم يومين تلاتة ... هاتيهم انتى ... انزلى كل يوم من 7 الصبح وديهم وبعد الشغل اتمشى وجيبيهم ... اتمشى مع ولادك يا نهى ... اتكلموا مع بعض وخليكوا ايد واحدة".

انهى كريم المكالمة تاركا نهى فى فقرة اعلانية عن توجهاتها المرورية، تحاول ان تقنع خلالها سائق ميكروباص او تاكسى ان ينقلها لمكان عملها ... ونجحت نهى بعد جهد جهيد ان تذهب لعملها وبعدها للمدرسة، حتى عادت بالأولاد للمنزل منهكة.

سالت كريم وهو جالس فى الصالة مبتسما ابتسامة لا معنى لها: "عم ابراهيم جه؟" .... رد كريم: "هو قالى جاى الساعة 9 بالليل قلتله انا ما ينفعنيش الكلام ده ... تيجى دلوقت" ... تنهدت نهى فى ارتياح: "طب كويس .. هفضل لابسه بقى" ... سالها كريم باستغراب: "ليه؟" ... ردت: "انت هتجننى .. مش قلت انه جاى دلوقت" ..

ابتسم كريم وقال فى حنان مفتعل : "هو جه خلاص ومشى ... انا قلتله تيجى دلوقت فجه .. مالقاكيش ... مش كنتى تستنيه ... انتى كنتى فين يا نور عينى؟" ... قاومت نهى الدخول فى دوامة الانهيار العصبى وقالت محاولة تحاشى النظر اليه: "لا ابدا ... كنت متمرمطة بس فى المواصلات ... ما تشغلش بالك انا هكلم ابراهيم بنفسى" ..

اتصلت بابراهيم وطلبت منه المجىء سريعا وبالفعل جاء بعد دقائق معدودة ... نزلت لتريه ما فى السيارة، امسك ابراهيم المفتاح وحاول ادارة المحرك ... فلم يستجب ... نظر اليها ابراهيم فى دهشة بالغة: "ايه ده؟ ... العربية مش بتدور" ... نظرت اليه نهى فى اذبهلال لم تستطع مداراته: "لا يا راااااجل ... امال انا كنت جايباك ليه؟؟" ... لم يستوعب ابراهيم اذبهلالها البتة وهز راسه متعجبا وهو يقول: "انا اتفاجئت الحقيقة ان العربية بايظة ... انا قلت هتبقى مش بتدور ... ماشى ... بس مش خالص كده .... طب ايه العمل دلوقت؟"

صرخت فيه نهى: "انت بتسالنى انا يا راجل انت ؟؟؟ .. انت مش صنايعى وبتفهم فى الميكانيله ... اقصد الميكانيكا ... ولا انت ايه بالظبط ... هتعمل شغلك ازاى؟"

طلب منها ابراهيم ان "يقطر" السيارة للورشة لمعرفة ما بها ... وعليها ان تصبر يومين او ثلاثة حتى يصلحها وترجع "طيارة" مش بس عربية ..

تحملت نهى يومين اسبوعا كاملا ... ولا يوجد اى خبر من عم ابراهيم ... ذهبت الى الورشة بنفسها فوجدته يعنف الصبى الذى يعمل عنده بشدة قائلا: "انت تروح بيتكوا وماتجيش هنا تانى؟ ... اللى معايا لازم يشتغل زى النار ... وبذمة ... انا ماقبلش الكلام ده ... أمشى من هنا يلا"

حاولت نهى ان تهدىء من روعه قدر استطاعتها ... وسالته عما فعله الصبى فقال: "مش بيشوف شغله ومش عارف العدة فين ... وكل ما اقوله يجيب قطع غيار او عدة يقعد يماطل ويقول حجج فارغة" ... اثنت نهى على قراره برفد الصبى حتى عاد لهدوءه الممل مرة اخرى ... فانتهزت الفرصة وسالته عن سيارتها فقال:

"هى ممكن تتصلح على طول بس اعمل ايه فى الصبى العرة ده ... معطل الشغل كله ... ماعرفتش طبعا اصلحها"

سالته نهى: "هو الواد عمل ايه بالظبط؟؟ .... هو مش انت اللى بتصلحها؟"

رد ابراهيم منفعلا: "ايوة انا ... انا بعمل كل حاجة بنفسى ... بس اقول للواد هاتلى مفك صليبة يقولى مفيش ... تخيلى؟؟"

انزعجت نهى قائلة: "ايه سرقه ولا ايه؟"

رد ابراهيم: "لا ... المفكات ضاعت من زمان ... بس هو لازم يتصرف ... بلاش المفكات ... اقوله روح اشترى زيت موتور وخرطوم بنزين ... تخيلى الواد يقولى ايه؟"

ردت نهى خائفة من هول الاجابة: "قالك ايه؟" ... صرخ ابراهيم غاضبا: "بيقولى هات فلوووس ... انا يقولى هاااات فلوس ... الكلب ده ... مش محترم سنى ومقامى ... طب اجيبله منين؟؟ ... ما يروح يتصرف ويجيب المطلوب منه .. هو انا هبقى اسطى وصبى ورشة كماااان"

حاولت نهى ان تتماسك .... وان تمنع خلايا المنطق فى عقلها من الانفجار غيظا او الهجرة الى الامعاء الغليظة املا فى اجواء اكثر فهما لاحوالها ... وبدلا من ان تجادل مع عم ابراهيم بدات فى الاتصال باصحابها طالبة المشورة ... فجاءت ردودهم كالتالى:

- طب الكاوتش سليم؟ ... البطارية سليمة؟ ... التكييف شغال؟ ... يختى احمدى ربنا وبطلى نكد بقى

- يا نهى غيرك بيتبهدل طول عمره فى المواصلات .... مش احسن ما تبقى من ركاب التوك توك والميكروباص؟ ... ماشى العربية بايظة بس اهو تقدرى تقعدى فى الويك اند انتى والعيال فيها ... ولو اتزنقتى فى قرشين تبيعيها.

- نهى ... بصى لقدام يا نهى ... ولادك فى المدرسة والمستقبل طويل قدامهم ... هنقف بقى على الساقظة واللاقطة؟

- انتى مركزة ليه فى موضوع العربية ده؟؟ ... شفتى فيلم السبكى الجديد .. بيقولوا غادة عبد الرازق وهيفا هيتخانقوا على احمد عز ... وهيغتصبوه ف حمام الستات.

- بقولك يا نهى ... ابراهيم الميكانيكى ده زينا ولا من التانيين؟؟ ... لو زينا يبقى ربنا هيباركله .. خليه يكمل تصليح هو اكيد عارف شغله كويس.

- اللى باظ مسيره يتصلح .. يلا باى بقى

- انا عربيتى تحت امرك يا نهى ما انا قلت لجوزك ... بس قوليلى بقى ... واحدة حلوة ومزة زيك كده تتمرمط ليه فى المواصلات ... ما تيجى بقى ده انا من زمان ... الو  ... الو ... نهى ... نهى؟؟

القت نهى بالتليفون جانباً ... حاولت ان تنفض كلمات اصدقاءها وابراهيم وكريم زوجها من ذاكرتها ... حتى لا تتحول وتصبح متبلدة الاحاسيس وعقيمة الفكر مثلهم. وتساءلت كيف لا يرون اى منطق فيما تطلبه؟؟ ..

لقد عملت جاهدة حتى تصبح من اصحاب السيارات ... وهى لا تمانع من استخدام المواصلات العامة لو كانت امكانياتها لا تسمح باكثر من ذلك، ولكن هذا ليس الحال ... فلماذا لا تعيش طبقا لما هو متاح وليس طبقا لما يفرض عليها قبوله.

وهل تلقى بسيارتها فى اقرب صندوق قمامة ام تسعى الى اصلاحها؟ ... ان العيب معروف وقد حدث كثيرا من قبل، ولكن فى كل مرة لا يتم اصلاحه كما ينبغى ... فهل مطلوب منها ان تشترى عدة وقطع غيار وتستقيل من عملها وتنخرط فى دورة تدريبية فى فنون اصلاح السيارات ثم تقوم بمحاولة اصلاح سيارتها بنفسها ؟؟؟

ظلت تنظر الى السيارة حائرة ... حتى جاءها عم ابراهيم وربت على كتفها وناولها تليفونه قائلا: "كريم بيه عايز حضرتك" ... تناولت التليفون وقالت: "ايوة يا كريم ... العربية لسه بايظة"

رد عليها كريم: "انا لقيت الحل خلاص ... انا هبعتلك شوية عيال حرامية عربيات .. يعرفوا يدوروا اى عربية واقفة فى دقيقة ... مبسوطة منى يا نور عينى؟ ... الو ... الو ... نهى ... نهى؟؟"

وحتى الان لم يستدل على نهى ... فهل يعرف احدكم طريقها ؟؟؟

فادى رمزى