#فادى_رمزى يكتب: رؤية هندسية فى المشاريع الإعلامية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 

بما اننى حاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة القاهرة، ودرست ادارة المشاريع الهندسية بعد ذلك فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة، وعملت فى شركات امريكية والمانية وفرنسية وانجليزية، فى مناصب فنية وتنفيذية وادارية عليا، وذلك داخل مصر وايضا فى المانيا (بلد الهندسة) ... وذلك فى مشاريع تقدر قيمتها بملايين الدولارات وتخضع لجهات اشراف عالمية.

ومن واقع عملى فى مجال دراسات المشاريع والمناقصات فى اغلب تلك الشركات، بالإضافة الى عملى التنفيذى والإدارى فى مواقعها المختلفة. وكل ذلك تحقق خلال مشوارى المهنى الطويل (حوالى 15 سنة) ... احب بس اوضح حاجتين تلاتة عشرة كده:

1- المشروع حين يتم تنفيذه فى اقل من المدة الزمنية المقررة يتكلف اكثر من التكلفة المقدرة .. وقد تصل التكلفة الى الضعف او اكثر تبعا لسرعة الإنجاز المطلوبة. يستثنى من هذا فقط "أعمالا" معينة، مثل الحفر والردم ونقل المهمات او المخلفات، وهى اعمال لا ترتقى لكلمة "مشاريع" بالمعنى العميق والأشمل للكلمة.

2- المشاريع تقاس نجاحاتها بالكيف وليس الكم، اى ان انجاز عدد كبير من المشاريع فى وقت "قياسى" لا يعتبر ابدا مقياساً وحيداً للنجاح، فالنجاح يقاس بمدى الالتزام بالمواصفات الفنية والتنفيذ بأعلى جودة ممكنة وبتكاليف تتناسب مع الجودة المطلوبة، ومدى كفاءة المشروع فى تحقيق المستهدف منه على المدى القصير والمتوسط والطويل.

مثال محلول 1:

قام المقاول بتشطيب واجهات 10 عمارات فى خلال شهر واحد بدلا من 6 أشهر، او بمد 10 كيلو من الطريق فى نصف المدة المقررة ...  هذا المقاول استطاع تخطى اشتراطات فنية محددة توصى بالانتظار بين طبقات الدهانات او قواعد الطريق المختلفة لضمان جفافها او حسن دمكها، وذلك على الرغم من انه اتبع نفس الطرق التقليدية فى التنفيذ والتى تم تحديد البرنامج الزمنى على اساسها .. هنا يكون ما فعله المقاول ليس "شطارة" بالمرة بل هو امر يهدد جودة واستدامة المشروع المنفذ.

اما اذا كان المقاول قد استخدم انواعاً مختلفة من الدهانات او اساليب ومواد انشاء الطرق، لا تستدعى الالتزام بمدد التنفيذ المقررة لاسباب فنية، فهنا هو قد قام بمضاعفة التكلفة الكلية للمشروع ... وهذا امر لا يوضع ابداً فى موازين نجاح المشروعات الهندسية

3- يقاس النجاح بالنسبة لمدى فائدة تلك المشاريع بتحقيقها للمستهدف منها، والمحدد فى مرحلة الدراسات الأولية (إن وجدت). اى ان "شق طريق" لا يعتبر مشروعا ناجحاً بمجرد افتتاحه بل بقياس مدى السيولة المرورية المحققة مقارنة بما سبق، او حجم التقليل فى زمن الرحلة المستهدف طبقا للدراسات الموضوعة ... او غيرها من الأهداف المطلوبة وقت دراسة المشروع وتصميمه، وبعد متابعة التشغيل بعد ذلك لملاحظة اى عيوب تظهر بعد التسليم والنسبة المحققة فعلياً من تلك الأهداف.

مثال محلول 2:

التطوير الحادث فى نهاية الطريق الصحراوى القاهرة الاسكندرية ابسط مثال على الاستعجال فى عمل الدراسات اللازمة، فحجم الكثافة المرورية اليومية المتجهة الى الشركات القائمة فى القرية الذكية والى داندى مول بمحلاته ودور السينما والمقاهى الموجودة فيه، اكبر بكثير جدا من المتجهة الى بوابات طريق الأسكندرية، حتى فى عز موسم الصيف، وبالتالى كان يجب تصميم وتنفيذ الطريق المؤدى للقرية الذكية بعرض اكبر من الطريق المؤدى للبوابات وليس العكس كما حدث للأسف، وبالتالى يعانى من جراء هذا "التطوير" العاملين فى القرية الذكية وزوار داندى مول، وهم كثير.

4- "الأمر المباشر" هو اسوأ نوع من انواع اسناد المشاريع لشركات المقاولات، فهو يؤدى الى زيادة التكلفة وعدم ضمان تحقيق الجودة المطلوبة، خاصة حينما لا تتوافر الدراسات الاولية وعدم تحديد المواصفات الفنية بطريقة دقيقة وشاملة، هنا يقوم المقاول بتنفيذ ما يراه ملائما بدون مراجعة او بدون الإطلاع على اخر ما توصل له العلم الحديث، فهو ينفذ طبقا لخبراته وامكانياته هو.

بينما فى حالة الترسية عن طريق المناقصات، والتى تسبقها طرح لكراسة شروط وافية وشاملة لكافة الأمور الفنية، ففيها تتقدم كل الشركات ذات الخبرة اللازمة بمظاريف فنية ومالية، واحياناً تقدم فى المظاريف الفنية حلولا مبتكرة تبعا لسابقة اعمالها وخبراتها، قد لا تكون فى الحسبان وقت الدراسة او طرح المناقصة، وبالطبع يكون ذلك تبعا لنوعية المناقصات ومدى سماحها بإقتراح حلول فنية للمساهمة فى تنفيذ المشروع.

بالطبع هذا لا يعنى ان طريقة المناقصات خالية من الشوائب او من عناصر تؤدى الى الفساد او لحدوث خلل فى الجوانب المالية والفنية، ولكن تظل فرص عدم تحقيق المستهدف، مالياً وفنيا، فيها اقل بكثير جدا من المشاريع التى تم فيها الاسناد بالأمر المباشر.

5- الأمور الفنية التفصيلية لا يجب ان تخضع ابدا لوجهات نظر الإدارة العليا ... فالجهات الفنية هى فقط المعنية بتحديد تلك الأمور. إذا لما ييجى المدير غير المتخصص يقول "الشغل ده لازم يتسلم الشهر الجاى" أو "كل المشاريع تخلص على آخر السنة ماليش دعوة" أو حتى "الحرم حوالين المنشاة خلوه اكتر من 3 متر" ... هنا يجب أن يكون الرد عليه "نرجع للجهة الفنية يافندم" مش "حاضر يافندم" ..

وذلك لأن ما يطرحه بطريقة مفاجئة، لم تطرح من قبل وغير معلوم اسبابها، يتطلب مراجعة البرنامج الزمنى والموارد المتاحة والتكلفة المقدرة ... فاى خلل سيؤدى اليه وضع المشروع على ال "مسار السريع" او ال fast track المطلوب فجاة اتباعه (كالإضطرار اللى اللجوء لمقاولين باطن او عمالة خارجية بدلا من الموارد الذاتية او اللجوء لحلول تزيد التكلفة) مما يهدد نجاح المشروع، فنياً ومالياً، وايضاً على جدواه الإقتصادية فى بعض الأحيان ... كل هذا يجب ان يؤدى الى رفض هذا "الإستعجال" فورا لخطورته على المشروع ككل.


مثال محلول 3:

لو مشروع منتظر ان يحقق مليون جنية فى السنة، يتكلف طبقا للدراسات 5 مليون جنية مثلا .. اى أن دورة رأس المال تستغرق 5 سنوات .. هنا لا يمكن التعجيل بالإنتهاء منه بصورة مفاجئة فى 6 أشهر بحيث تتضاعف التكلفة الى 8 مليون جنية مثلا، فهنا ستزيد دورة رأس المال ل 3 سنوات اضافية، فهل المكسب المحقق من الإنتهاء فى 6 أشهر يساوى الإنتظار 3 سنوات اضافية لتحقيق الربح ؟؟

ايضاً التغيير فى اى من الابعاد الخاصة باى عنصر من عناصر المشروع لا يجب ان ياتى كوجهة نظر ... فالمفترض ان كل سنتى متر وضع فى التخطيط والتصميم النهائى للمشروع له حساباته ولا يمكن تغييره بجرة قلم او بأمر من الإدارة العليا بدون موافقة الجهة الفنية.

6- من المهم جدا فى أى مشروع توافر ثلاثة جهات أساسية: مالك – استشارى – مقاول، وهذه تعتبر افضل منظومة لضمان نجاح اى مشروع، فالمالك يحدد مطالبه واهدافه بالنسبة للمشروع (وعادة يكون ذلك عن طريق ادارته الفنية او مكتب دراسات خارجى)، وياتى الاستشارى ويضع تصميماته ودراساته التنفيذية لتحقيق رؤية واهداف المالك، ثم يتم اختيار المقاول الملائم للتنفيذ طبقا للمعايير الفنية والمالية المختلفة، ويقوم الاستشارى بالاشراف على التنفيذ لضمان تحقيق المستهدف فنيا ومالياً.

مثال محلول 4:

شخص يمتلك قطعة أرض يريد إقامة مشروع استثمار عقارى بها ... يختار احد المكاتب الإستشارية ذات الخبرة والتى تحدد له التصميمات الأولية وبها عدد الأدوار، طبقا لقوانين المنطقة، والمساحات المناسبة للوحدات والمناطق الخدمية المختلفة وايضا توزيع المحلات التجارية التى يستطيع تاجيرها او بيعها.

يوافق المالك على التصميم فيبدأ الاستشارى فى عمل التصميمات التفصيلية ويضع كراسة الشروط التى تحقق اهداف المالك والشروط المطلوب توافرها فى المقاول والاشتراطات المالية التى تتناسب مع ميزانية المالك، بعد الاتفاق معه بالطبع حولها.

ياتى المقاول المختار طبقا للسعر المقدم منه وسابقة اعماله، ليس بالضرورة ان يكون ارخص سعر هو افضل مقاول بل يحدد الاستشارى نقاط قياس معينة لضمان تحقيق التوازن بين التكلفة والجودة ومدة التنفيذ. ويتم تسليم الموقع للمقاول ويبدا التنفيذ تحت اشراف الاستشارى لضمان التزام المقاول بكراسة الشروط والتصميمات المتفق عليها.

مثال محلول 5:

نفس المثال السابق ينطبق على اى مالك، سواء كان فرد او هيئة حكومية، كهيئة الطرق والكبارى مثلا، والتى تحدد اولوياتها واهدافها فى تطوير واصلاح منظومة الطرق التى تخضع لاختصاصها والبرنامج الزمنى لتحقيق هذا .. وتطرح الدراسات الأولية، التى تقوم اللجنة الفنية بها او بالاستعانة بخبرات خارجية، على مكاتب استشارية متخصصة للقيام بالتصميمات التفصيلية ووضع البرامج الزمنية والمرحلية للتطوير.

بعدها يتم طرح المشروع بتصميماته ومواصفاته على شركات مقاولات مختلفة ويتم التنفيذ والإشراف والمتابعة تبعا لما ذكر فى المثال السابق.

7- حين يكون المالك هو الاستشارى المصمم والمراقب وايضاً المقاول يحدث خلل فى المنظومة تيجة لتوحد الفكر بطريقة تجعل من الاستحالة دراسة بدائل اخرى او طرق تنفيذ مختلفة اقل تكلفة، او الانفتاج على خبرات خارجية تساعم فى التطوير وتحقيق اعظم استفادة من المشروع المطلوب تنفيذه.

8- حين يكون الاستشارى هو المقاول، عندها يصبح المالك بلا اى ظهير يضمن له تحقيق المستهدف من الناحية الفنية والمالية، فمن ينفذ هو من قام بالتصميم ومن يشرف على التنفيذ، فكيف سيحدث تقويم او تحديث او تنبيه لاى اخطاء او خلل فى الاداء او مضاعفة تكلفة بدون اى داعى؟.

9- حين يصبح المالك هو المقاول .. يهمش دور الاستشارى تماماً ... فكيف سيلفت نظر المالك لاخطاء المقاول او يحاسبه عليها؟ .. هنا الجانب الفنى، الذى يمثله الاستشارى، يصبح غير محقق ويخضع لاهواء المالك المنفذ وامكانياته وحدود خبراته.

10- مما سبق يتضح أن منظومة تحديد الأولويات ومدى نجاح أى من المشاريع المنفذة مؤخراً، بها خلل واضح فى كيفية اتخاذ القرار والتكليف والاشراف والتنفيذ ... مما يؤدى الى اهدار الوقت والموارد المالية والبشرية، وذلك بعدم تحقيق اعظم الفوائد التى يمكن تحقيقها منها بسبب عدم مراعاة أصول وقواعد اساسية، وبمقياس علوم الهندسة والإدارة "بديهية".

هذا يؤدى الى المخاطرة بفشل تلك المشاريع مستقبلا، بسبب توافر اخطاء تصميمه او تنفيذية جاءت بسبب الاهتمام اكثر بلحظة الإعلان عن "البدء فيها" أو "الانتهاء منها" وليس بدراسة كافة عناصرها والمطلوب فعلا منها.

مثال محلول 6:

مشروع اسمه "توشكى"

--

هذا رأيى الشخصى من واقع خبرتى فى هذا المجال ... اضعه هنا لاراحة ضميرى وايضاً لتقليل حجم الضغوط على "اعصابى المهنية" من كم ما يثار من بروباجندا اعلامية حول المشاريع المنفذة والتى مازالت قيد التنفيذ فى بلدنا.

اتمنى من خالص قلبى ووجدانى ان اكون مخطئا تماما فى كل نقطة ذكرتها فى هذا المقال ... وان تكون الطريقة المتبعة حاليا هى الاصح من كل الطرق التى درستها وعاينت وشاركت فى تطبيقها طوال حياتى المهنية .. فعلا اتمنى ذلك وبشدة ... فما تم حشده من وقت وجهد ومال وآمال قد لا نتحمل خسارته ... أبدا.

فادى رمزى